الجزيرة السورية: شبه دولة وبقايا نظام 3-3

DSC03993

نبراس دلول

خاص- موقع هيئة التنسيق الوطنية

منذ لحظة وصولنا الى محافظة الحسكة, وعلى مدى خمسة أيام, كان الانتباه الى مجمل التغييرات الحاصلة هو ما يجذبنا  للوقوف لدقائق وأحياناً الى الإندماج في المشهد المتغير عبر زيارات تأخذ مايقارب الساعة كل مرة.

بيت الشعب, وهو إسم تردد كثيراً على مسامعنا من مضيفينا وعموم الناس هنا, وهو عبارة عن مايشبه مجلس صغير يدير امور الحي وفق اعتبارات عائلية!!

بعد هذا التعريف البسيط لألية عمل هذا الدار, ورغم أن زيارة استطلاعية لم تخطر ببالنا سابقاً, سارعنا بالتواصل مع إحدى هذه الدور مدفوعين للكشف عن تناقض وجدناه في هذا التعريف. فمن المعروف أن حزب الإتحاد الديمقراطي وحلفاؤه الذين يسيرون أمور الإدارة الذاتية يرفعون شعار العلمانية والدولة المدنية ويشجعون على الدوام على التوجه المدني والمؤسساتي الحديث, في حين أن ألية عمل دار الشعب تعتبر, الى حد كبير, نكوصاً باتجاه المجتمع الأهلي وليس المدني.

 عند الساعة العاشرة صباحاً كنا قد وصلنا الى باب دار الشعب في الأشورية والبشيرية, وهما حيين متلاصقين في مدينة القامشلي, وهناك وجدنا بانتظارنا القائمين على هذه الدار والذين وصفوا ألية عملهم بالمهمة نتيجة الدور الذي تلعبه في حل المشاكل أولاً ومساعدة عابري السبيل تالياً.

بحسب القائمين على هذه الدار, والذين يتخذون إحدى البيوت العربية الطابع مقراً لهم حيث تدخل الى الغرفة ,التي تشغل المكتب, عبر فسحة سماوية تظللها بعض الأشجار, فإن أي شجار يحصل في الحي يقومون هم بحله عبر شكوى تقدم لهم أخذين بالإعتبار سلطتهم التي باتت تستقر في النفوس لتشكل مع مرور الزمن عرفاً, وهذا على مايبدو ما يرتجيه القائمون على الإدارة الذاتية.

توجهنا بالسؤال: …ولكن ألا يعتبر هذا مخالفاً لمبادئ الدولة المدنية وتشجيعاً على تقوية المجتمع الأهلي على حساب الشرطة العامة وهيئات الداخلية والقضاء؟

هنا كانت الإجابة: إن مايهم في الموضوع , وفي مرحلة انتقالية كالتي نمر بها, هو أن يتساعد الجميع لضبط الجو العام, والجميع يقصد بها نحن والأهالي والأسايش وبقية الهيئات والمجالس التشريعية والتنفيذية. علماً, اننا لانقوم بالحلول محل السلطة المركزية المتمثلة بالإدارة الذاتية, حيث أننا نقوم برفع كتاب رسمي للأسايش في حال عدم تمكننا من حل الخلاف او الشجار او الى ماهنالك..ولكن طالما أننا قادرون على الحل فلماذا نتعبهم في هذا ولديهم من المهمات الجسام مايكفي.

 – ماهي هذه المهام؟ سألت.

– الحفاظ على السلم الاهلي وقوة القانون في روج أفا.

 لاحظنا بعد ذلك, أن القائمين على الدار قد حولوا الحديث بإتجاه أهمية الدور الذي يلعبونه في الحيين المذكوريين من ناحية توفير الغذاء والإقامة لعابري السبيل بالإضافة الى دورهم في قضية النازحين اليهم ومساعدتهم في المأكل والمشرب وسواه.دار الشعب

  سألنا: من أين تمولون كل هذا؟ هل تقوم الإدارة الذاتية بإحتساب حصة لكم من ميزانيتها العامة؟.

أتى الجواب هنا من سيدةٍ تجلس الى جواري, وهي الرئيس المشترك لدار الشعب هذه, والذي لم يكن كلاماً بل إشارة مصحوبةً بابتسامة ذكاء. تابعتُ بعينين مستفسرتين الإتجاه الذي تشير له سبابة السيدة لأجد صندوق خشبي صغير ومغلق يتموضع فوق طاولة صغيرة أمام طاولة كبيرة , وهي طاولة المكتب والتي ترتفع خلفها على الجدار صورة كبيرة لعبدالله أوجلان بصحبة مطران مسيحي سرياني , وعلى مايبدو, فالصورة تعود الى الأعوام الأولى من تسعينيات القرن الماضي حيث نتلمس ذلك من موديل جاكيت أوجلان الشتوي الذي يعود الى تلك الحقبة من الزمن.

 كان الصندوق المشار إليه هو صندوق للتبرعات, ومن خلاله يقوم القائمون على الدار بتمويل نشاطاتهم الإيوائية وإلى ما هنالك من أمور اخرى. قبيل مغادرتنا لدار الشعب في الأشورية والبشيرية, وبينما كنا نحتسي ماتبقى من فناجين البلاك كافييه وهي عادة يفضل السكان,  هنا , تقديمها  بدلاً من القهوة العادية ” التركية ” فيقدمونها للضيوف بفناجين صغيرة الحجم مصنوعة من البلاستيك. قلنا لمضيفينا في الدار:

– إذا كانت هذه داراً للشعب فلماذا نجد فيها صور القائد عبدالله أوجلان؟

– لأننا كلنا أبوجيون.

– ولكن هنا تنوع حزبي ملحوظ, والكثير من الاحزاب لاتوالي الأبوجية.. ألا تخافون أن تتحولوا بنظر الناس الى دولة أيديولوجية كدولة البعث أو الدولة السوفيتية؟

– لا, لانخاف ذلك, لآن صور القائد أبو موضوعة بملئ ارادتنا ولم يجبرنا أحد على وضعها.

 على الرغم من أننا خرجنا من دار الشعب في الأشورية والبشيرية فيما يسبق منتصف النهار بساعة كاملة, إلا أن حرارة الشمس كانت من الجحيم بمكان, هذا على الرغم من أننا كنا نعانق اليوم الأول من شهر أيار!! مما إستدعى ان اطلب من سائقي الوقوف الى جوار أي كشك لبيع المرطبات والمياه المعدنية وهذا ما كان.

أمام  كشك صغير يسترخي على جدار نادي الجهاد الرياضي, ويشرف على الشارع الرئيسي وشارع فرعي له, وقفنا وترجلت من السيارة ودخلت الى الكشك وطلبت ما يروي جفاف الفم والحلق.

هنا, وبينما كان البائع يلبي طلبي, شاهدت إعلاناً ملصقاً على الباب الزجاجي للكشك وفيه دعوة للإلتحاق بدورات تعليم اللغة الكردية المفتتحة في عدد من المدارس والمراكز العامة الأخرى. الإعلان لم يكن ملفتاً في ظل التغييرات الحاصلة في المنطقة, وهي أصلاً ليست مفاجئة لمن عايش, خلال العقود الفائتة , الهم الكردي في الحفاظ على لغتهم. إلا أن ما لفتني في الإعلان, وهو مادفعني لشرب زجاجة الكولا أمامه وليس في السيارة وبشئ من البطء, هو أسماء بعض المدارس المذكورة فيه, والتي يبدو أن الإدارة الذاتية قد قامت بتغيير أسمائها الرسمية!!. فمدرسة الشريف الرضي بات إسمها اليوم مدرسة الشهيد سرحد, في حين تم تغيير إسم مدرسة موسى بن نصير إلى مدرسة الشهيد لوند.

يعتبر الشريف الرضي واحداً من أهم شعراء العرب وهو , بالإضافة الى ذلك, جامع خطب وحكم وأقوال الإمام علي بن أبي طالب في الكتاب الشهير ” نهج البلاغة “. أما موسى بن نصير, فهو واحدُ من أكثر فرسان العرب شجاعة , وفق وجهة النظر القومية وتحديداً البعثية منها, في حين انه واحدُ من أكثر فرسان المسلمين شجاعةً, وفق وجهة النظر الإسلامية لإسلاميي عصرنا!!.

 عدت أدراجي الى السيارة, وبدأنا التوجه شرقاً في اوتوستراد متوسط العرض, وبينما كانت عيني سائقي ومرافقي تسبحان في أفق الطريق كانت عيناي تنسحب شيئاً فشيئاً الى الوراء في محاولة للمح تفاصيل أخرى في مكان يحدثك بالمفاجأت دائماً.

 إلى الشرق من القامشلي ببضعة كيلومترات, يتموضع مقر لتدريب فتيات اليابجا YPJ وهو الذي قمنا بزيارته في ظهيرة ذلك اليوم. إنعطفنا يميناً, حيث تراءى لنا مركز تدريب فتيات اليابجا من بعيد, وقد كان فيما سبق مدرسةً خاصةً للتدريب على السواقة, وهو مكانُ مثالي للتدريب العسكري, فمن الباحة الواسعة المعبدة الى البناء ذو الطبقات الإثنتين بغرفهما الواسعة التي تصلح للنوم الجماعي مروراً ببعض التضاريس التدريبية.

كانت فتيات المركز جالسات في ظل البناء, مرتديات على الدوام للزي العسكري وقد قاموا بالترحيب بنا بحرارة من ثم انتدبن ثلاثة منهن للتواصل معنا والجلوس الينا. في غرفة كبيرة نوافذها مفتوحة الى الجنوب بحيث لايمكنك إلا الإستمتاع بمنظر خيوط الشمس الداخلة منها الى أرضية الغرفة, جلست فتاتان في صدر المكان في حين إكتفت الثالثة بالجلوس الى جوار الباب.

لم تكن الفتيات يجدن أي شئ من اللغة العربية, وهذه سمة عامة عند فتيات اليابجا, فإكتفينا بالترجمة الفورية التي انبرى لها عدد من الشباب والشابات المرافقات لنا. تتدرب الفتيات على صنوف متعددة من السلاح تتراوح بين الخفيف منها والمتوسط,. فمن المسدس والكلاشنيكوف الى الشيلكا مروراً بالأر بي جي.

شكوى للاسايشهذا كان عن السلاح, ولكن ماذا عن العقيدة التي تقف خلفه؟. إن قوات اليابجا, كنظيرتها قوات اليابغا, تحمل في نفوسها عقيدةً أوجلانيةً واضحةً. فعلى الرغم من أنها مفتوحة في عضويتها لغير الأبوجية إلا أن هذا التوجه لايزال هو السمة العامة لابل المسيطر على السلاح وحملته في الإدارة الذاتية.

تعتبر هؤلاء الفتيات أن حملهن للسلاح هو واجب وطني في الدفاع عن روج أفا وحلم كردستان. لاتكتفي الفتيات بهذا الجواب التقليدي, بل يوسعن أسباب وجودهن رفقة السلاح إلى السيطرة الذكورية على المجتمع ومحاولتهن مقاومتها من خلال إثبات وجودهن في هذا المكان.

 إن المجتمع, وبحسب إحدى الفتيات, لايفسح مجالات كثيرة أمام المرأة لذلك هذه فرصة حقيقة لإكتشاف حياتنا وذواتنا. وتضيف الفتاة الثانية: إننا هنا لإثبات حرية المرأة من خلال دفاعها عن الوطن.

 لاتفكر الفتيات اللاتي جلسن وإياهن بالزواج, هذا على الرغم من أن اليابجا لاتمنع إنتساب المتزوجات الى صفوفها. كما يمكن , ودائماً بحسب مضيفاتنا, للفتاة العزباء الملتحقة باليابجا أن تقدم على الزواج دون أن يؤثر ذلك على وضعها كمقاتلة.

إذاً, لماذا لاتفكر هؤلاء الفتيات بالزواج؟ بحسب إحداهن, وفي رد على هذا التساؤل, فإنهن حالياً ,وبسبب الظروف التي تمر بها المنطقة, لايمكنهن إلا أن ينظرن إلى أنفسهن كمقاتلات.

لايوجد في صفوف اليابجا أي رتبة عسكرية أو تراتبية قيادية كما تتطلب الحياة العسكرية التي أعتدنا عليها. فتبعاً لمعتقداتهم, فإن الرتبة نوع من السلطة وهن, وكما تقول إحداهن: نحن لانريد سلطة وإنما حياة رفاقية.

عند هذا الجواب, يمكن للمرء التقاط حجم الإلتحام بين تينك الفتيات من جهة وبين عبدالله أوجلان من جهة ثانية! بعد هذا الجواب ,الذي لمست فيه هذا الإلتحام, تشجعت على سؤالهن, مشيراً بيدي إلى عدة صور لرجل بمراحل عمره المختلفة, ماذا يعني أوجلان بالنسبة إليكن؟

تجيب الفتيات, وهن يلتقطن بعيونهن الصور التي أشرت إليها: أوجلان علمنا حقوقنا وكيف نناضل من أجلها, لذلك فهو من المقدسات بالنسبة إلينا.

 طبعاً, تعتبر قوات اليابجا هي الذراع النسوي لقوات اليابغا والتي تاسست في عام 2012 في مهمة تعتبرها الغالبية هنا وطنية بامتياز, ألا وهي حماية المناطق الكردية. تسيطر قوات اليابغا على جميع المناطق ذات الغالبية الكردية إن في الجزيرة السورية او في عفرين أو عين العرب “كوباني”. معظم رجال اليابغا هم من ذوي الفكر والتوجه الاوجلاني, كما تعتبر النخبة منهم هي بقايا حزب العمال الكردستاني, فهم, ممن حاربوا في صفوفه وممن تدربوا في معسكراته على جبال قنديل.

 تتبع قوات اليابغا واليابجا لهيئة الدفاع في الإدارة الذاتية والتي يرأسها الأن رئيسان مشتركان احدهما كردي وهو عبدالكريم صاروخان بينما نائبه سرياني وإسمه عبد الأحد كورية. يزاول الرجلان عملهما في مقر هيئة الدفاع بشكل يومي, ومن الواضح عليهما السمة المدنية وهذا ما تأكدنا منه لاحقاً.

 الى جانب قوات اليابغا واليابجا, وهم المسؤولون عن حماية المناطق من الإعتداءات الخارجية, هناك قوات الأسايش وهي الشرطة الداخلية التي تنحصر مهمتها في حفظ الأمن الداخلي وتنظيم المرور والى ما هنالك.

للأسايش زي خاص بهم يميزهم عن قوات اليابغا, ومن السهل أن تتعرف اليهم في شوارع المدن هناك. ولكن في حين أن اليابغا تتعامل مع صنوف عديدة من الأسلحة, فإن الأسايش تتعامل فقط مع صنوف السلاح الخفيف ولاتتجول في الشوارع إلا على سيارات بيك أب بيضاء اللون.

 تتهم قوات الأسايش عموماً بأنها المسؤولة عن قمع المخالفين والمعارضين للإدارة الذاتية. كما تقوم الألة الدعائية لمعارضي البايادا بإتهام قوات الأسايش بأنها تدير العديد من المعتقلات التي يقبع بداخلها الكثير من النشطاء المعارضين للبايادا.

قبيل توجهنا من عاصمة الأمويين الى القامشلي, كنا قد طلبنا عبر عدة إعلانات على صفحات التواصل الإجتماعي بتزويدنا بقوائم لمن يعتبرون في قبضة قوات الأسايش. بقي الإعلان عدة أيام, وبعد توجهنا الى القامشلي وزيارتنا للمجلس الوطني الكردي وبعض أحزابه, أيضاً طالبناهم بقوائم النشطاء المعتقلين لدى الإدارة الذاتية. كنا نتأمل أن يكون المجلس الوطني الكردي, وكونه الخصم الاكبر للبايادا , هو من يقدم لنا قوائم, ولكن تبين لاحقاً أن قائمة واحدةً, ولو من إسمين, لايمتلكونها!!

كانت صدمةً حقيقية. فما يرروجه العديد من النشطاء المعارضين للإدارة الذاتية حول المعتقلات تبين في نهاية الامر أنها لاتعدو كونها توقيفات عادية من قبل من يملك السلاح وينبري للدفاع عن الأمن داخلاً وخارجاً. الصدمة بالنسبة لنا كانت بسبب كوننا نشطاء حقوق إنسان ويهمنا كثيراً أن نضع بين يدي الاسايش خصوصاً, والإدارة الذاتية عموماً, أي قضية إعتقال على خلفية سياسية فهذا جزء من واجبنا وعملنا.

 أثناء عملنا على فهم واقع الإعتقال السياسي الذي تتهم الإدارة الذاتية به, إستطعنا التواصل مع أحدهم. محمد محمود بشار, وهو مراسل صحفي يعمل لحساب فضائية روداو, وكان قد إعتقل بتاريخ 23 نيسان 2014 من قبل قوات اليابغا في الدرباسية بسبب صلة مع شخص حلبي شكت اليابغا بأمره وامر وجوده في المنطقة.

إستمر توقيف محمد بشار مدة خمسة أيام وتم إطلاق سراحه يوم 28 نيسان 2014. أثناء اللقاء به, أخبرنا بشار عن ظروف الأيام الخمسة تلك ومشاهداته التي عملنا على توثيقها. فبحسب بشار, فإن غرفة الإعتقال كانت بمساحة ثمانية طوبات عرض ومثيلتها طول (( اي 320*320 سم )) وكان فيها 17 شخصاً معظمهم من العرب الذين يحاربون مع كتائب تابعة لجبهة النصرة وداعش ومثيلاتهما, كما أن اغلب هؤلاء العرب هم من بلدة القحطانية. كان التعامل مع هؤلاء المعتقلين السبعة عشر, عرباً وكرداً, على حد سواء. حيث تقوم ادارة السجن بتقديم ثلاثة وجبات يومية لهم كما ان موضوع الدخول للحمام كان بسيطاً جداً ومسموحاً به بشكل دائم تقريباً. أيضاً تقوم ادارة السجن بتقديم من 3 الى 4 سجائر للمدخنين بشكل يومي!كان هذا هو التعامل كما اخبرنا به المراسل بشار الذي أضاف انه بقي هناك يومين فقط, وهي مدة التحقيق, وان كل تفاصيل التعامل هذه كانت واحدة حتى مع العرب المتهمين بالارهاب بسبب عملهم مع داعش والنصرة.

في اليوم الثالث تم نقل بشار الى سجن أخر, أغلب الظن أنه يدار من قبل الأسايش, حيث بقي هناك ثلاثة أيام في غرفة بنفس حجم الغرفة السابقة ولكن لايوجد فيها سوى خمسة أشخاص مع نفس ألية التعامل السابقة. حقيقةً, إن إدارة السجون بتلك الطريقة تعتبر شئ جديد بالنسبة الى ثقافة الشرق الأوسط وماهو متعارف عليه داخل سجون دول المنطقة عموماً, وداخل سجون الاطراف المتحاربة في سوريا خصوصاً.

طبعاً, وبعد معاينتنا للمنطقة, فإن المعتقلات لم تكن, وكما أسلفنا, سوى توقيفات عادية, على أن هناك مايخص أبناء القرى الحدودية بين مناطق الإدارة الذاتية ومناطق الكتائب الأخرى التي تقاتلها. فعلى مايبدو فإنهم يتعرضون للإعتقال من قبل اليابغا أثناء عمليات الكر والفر وهذا مالم نستطع التأكد من مستواه ونوعيته بسبب من بعدنا عن تلك المنطقة.

 في صباح اليوم التالي, كان يجب علينا أن نعود أدراجنا الى عامودا. وبالفعل فما كانت خيوط الصباح الاولى تلامس سطوح منازل الدرباسية وتقف معها, لبعض الوقت, ضجيج مولدات الكهرباء حتى كنا نحتسي قهوتن الصباحية مستعدين للتوجه شرقاً.

في عموم مدن الجزيرة السورية, وعلى الرغم من أن الكهرباء نادراً ما تأتي, فإن غالبية البيوت تولد الكهرباء بواسطة المولدات لدرجة لايمكن للمراقب إلا أن يستشعر الراحة المادية للمواطنين. ولكن لا, فواقع الحال لايعبر عنه وجود مولدات بهذا الكم. حيث أن المواطنين هنا يعتمدون على الأسعار المنخفضة للمحروقات التي يشترونها لتغذية تلك المولدات.

بعيد سيطرة قوات اليابغا على عدد من أبار النفط, بينها حقل الرميلان الشهير والذي مازال عدد لابأس به من موظفي الحكومة المركزية يعملون به, وبعد عناء كبير تمت تصفية جزء من منتوج النفط بوسائل شبه بدائية وضخه في السوق. لايتجاوز سعر لتر المازوت ال 32 ليرة سورية في أسوء الأحوال, بينما سعر لتر البنزين قد يصل فقط الى سعر 75 ليرة سورية.

أثناء تجولنا في الجزيرة السورية, كان ملفتاً للإنتباه حجم البضائع التركية الموجود في محلات وأسواق المنطقة. من علب المياه المعدنية إلى أدوات الحلاقة والمحارم والشوكولا وغيره الكثير بما في ذلك الزيوت والسمون كلها ذات منشأ تركي, وهذا طبعاً أمر متوقع حيث أن  مدن المنطقة الرئيسية هي على تماس كبير مع الحدود التركية, ولعل معبر نصيبين الموجود في أحشاء مدينة القامشلي هو خير دليل على هذا التلاحم والتماس. بضائع تركية في الدرباسية

عندما تصل الى الشوارع الشمالية من مدينة القامشلي وتريد التوجه شرقاً الى خارج المدينة, فإن مدينة نصيبين تلوح أمامك كما لو أنها حي اخر من المدينة!! طبعاً, فإن العارف يستشعر أنه قاب قوسين او ادنى من مدينة تركية وذلك بسبب ارتفاع مأذن نصيبين ذات الطراز العثماني في العمارة والتي تشبه تماماً مأذن التكية السليمانية في دمشق.

 يرتفع أمام معبر نصيبين العلم السوري ذو النجمتين الخضراوتين ويقف أمامه على بعد امتار حوالي أربعة عناصر يتبعون للجيش السوري, وهذا على عكس معبر  الدرباسية الذي ترتفع حوله بشكل خجول شعارات الإدارة الذاتية ويقف لحراسته عناصر من الأسايش.

 ندخل مدينة عامودا من جهة الغرب ونتجول في شوارع المدينة وسوقها الرئيسي, وهي شوارع ضيقة ولكنها تعج بالحركة. ضيق الشوارع وطبيعة أهالي عامودا في المشي جعلت من وصولنا الى موعدٍ مع إحدى الإذاعات التي تبث من المدينة أمراً يأخذ من الوقت بعضه.

كان لابد ان تتضمن رحلتنا زيارةً الى وسائل الإعلام التي تعمل في مناطق الإدارة الذاتية للاطلاع على واقع الصحافة وحريتها. علماً, ان زيارات كهذه كان ضرورية لتزامن وجودنا هناك مع إحتفالات, واضحة, بمناسبة عيد الصحافة الكردية السادس عشر بعد المئة. حيث يعود تأسيس أول صحيفة كردية الى تاريخ 1898 عندما أسس أحد الأكراد  في القاهرة صحيفة بإسم ” كردستان “.

وكما العادة, في حالات إستعصاء الطرق بسبب الإزدحام, فإن الإستمتاع بأغنية عبر مشغل السيارة يبدو هو الحل السليم. يضع مرافقي اسطوانته الخاصة ويندمج حتى الثمالة مع أغنية باللغة التركية لفنان كردي إسمه أحمد كايا.

يعتبر كايا واحداً من أشهر المغنيين الاكراد على الرغم من أن غالبية أغانية باللغة التركية. لم أتوقع من مرافقي أن يضع أغنيةً عاطفية, وبالفعل فقد كانت أغنية كايا أغنيةً وجدانيةً تتحدث عن أهمية النضال ولو بشكل منفرد وبضرورة ان يقول المرء لا للاستسلام حتى لو كان وحيداً. يعتبر أحمد كايا شهيداً في نظر الأكراد, حيث أنه قضى  بعيد قيام المخابرات التركية  بحقنه بحقنة سامة أثناء وجوده في المشفى وذلك في مطلع الألفية الثالثة.

ندخل سوقاً قديمةً في عامودا, حيث كان في إنتظارنا داخل الطابق الثاني أسرة إذاعة أرتا إف إم, وهي إحدى الإذاعات التي بدأت بالبث منذ حوالي العام. تعتبر أرتا إف إم إذاعة لا تدور ضمن فلك الإذاعات الموالية للبايادا , وهي قناة تجمع مابين الترفيه والسياسة والمجتمع وتبث برامجها بثلاثة لغات هي العربية والكردية والسريانية. يتألف طاقم عملها من حوالي عشرة أشخاص الى 12 شخصاً, نصفهم من الإناث. تغطي الإذاعة ما قطره 25كم حول مدينة عامودا وبواسطة محطات التقوية فإنها تصل لجمهورها في القامشلي والمالكية.

أرتا إف إملقد تلقت إذاعة أرتا إف إم رخصةً بمزاولة العمل من قبل الإدارة الذاتية بداية هذا العام, وقبل ذلك, كانت رخصتها من الهيئة الكردية العليا. بحسب صفقان, وهو شاب مذيع ويدير الإذاعة, فإن الإدارة الذاتية لاتتدخل بعملهم ولا تعمل على الرقابة عليهم. ويضيف صفقان: لم نتلقى أي تعليمات من قبل الإدارة الذاتية بما يخص عملنا, فقط مرة واحدة اتصلوا بنا مطالبين باستخدام كلمة شهيد في نشراتنا الإخبارية عند الحديث عن ضحايا اليابغا, علماً أن اتصالات مثيلة أتتنا من الأهالي حول هذا الموضوع.

 يتمتع صفقان بوسامة واضحة, كما أن دماثة خلقه تجعلك راغباً في إطالة الحديث معه وهذا ما كان. سألنا صفقان حول إذاعتهم وتمويلها.. فأجاب: إننا مؤسسة غير ربحية ونحن نأخذ رواتبنا من منظمة أرتا للتعاون والتواصل ومركزها مدينة باطمان في تركيا. إن منظمة أرتا تشجع على هكذا مبادرات وتعمل على تمويلها من ضمن برامج المنح التي تقدمها حكومتا السويد وألمانيا.

 الى جانب صفقان , فإن معظم كوادر إذاعة أرتا إف إم  هم من فئة الشباب بدءاً بالمذيعين والمعدين وليس إنتهاءً بالتقنيين والمخرجين.

شيرين إبراهيم, هي واحدة من أولئك الشباب, وهي فتاة في منتصف العشرينيات من عمرها تتميز بالأناقة والذكاء وهذا ما يستطيع المرء تلمسه أثناء إدارتها لحواراتها الإذاعية في برنامج صدى اليوم والذي تبثه الإذاعة يومياً في السابعة مساءً.

تخرجت شيرين من كلية الهندسة, وقد هاجرت وذويها من مسقط رأسها في مدينة حلب الى عامودا, حيث بدأت هناك بالعمل الإذاعي مدفوعةً بإهتماماتها السياسية, فهي من أسرة تمارس السياسة منذ زمن.

 إلى جانب إذاعة أرتا إف إم, فقد تسنى لنا زيارة راديو جودي الذي يبث من الطرف الغربي لمدينة القامشلي. يعتبر راديو جودي ذراعاً إعلاميةً لحزب البايادا ويعمل فيه عدد من الشباب والشابات الموالين للفكر الاوجلاني. تبث الإذاعة من الساعة السابعة صباحاً وحتى الثانية عشر ليلاً. و قد بدأت عملها نهاية العام 2012.

بعض العاملين في إذاعة جودي كانوا ممن يقيمون في دمشق وممن نشؤوا فيها, ولكنهم سرعان ما انتقلوا الى القامشلي وبقية مناطق الإدارة الذاتية حشداً للجهود نحو حلم حقوقهم القومية  الذي يحملونه في قلوبهم.

بحسب إحدى الفتيات العاملات في راديو جودي, فإن مايشبه الإعلان بالنفير العام قد دفعهم للمجئ الى هنا كي يوحدوا جهودهم ويرصوا صفوفهم كلُ في مجاله.شيرين ابراهيم ونبراس دلول

 ليس حزب البايادا هو الحزب الأوحد في الإدارة الذاتية, فإلى جانبه هناك عدد من الاحزاب الكردية والشخصيات العربية وحزب سرياني هو حزب الإتحاد السرياني الذي يرأسه جورج شمعون. الحضور السرياني في الإدارة الذاتية واضح جداً, فمن النادر أن تلقى هيئة تتبع للادارة الذاتية ليس من ضمن رئاستها شخصية سريانية تنتمي الى الاتحاد السرياني أو المقربين منه.

هذا الحضور السرياني عموماً, ووجودنا في مدينة القامشلي خصوصاً, كانا محفزين رئيسيين للتوجه لزيارة إحدى الفاعليات السريانية في المدينة. وبالفعل, وفي ظهيرة يوم نيساني حار, توجهنا الى الجمعية الثقافية السريانية التي يديرها حزب الإتحاد السرياني والتي تقع على بعد مسافة قصيرة من المنظمة الأثوررية.

تعتبر المنظمة الأثورية هي المنافس للاتحاد السرياني, ولكن وكما أن الإتحاد السرياني منخرط في تحالف مع البايادا وهيئة التنسيق ,فإن المنظمة الأثورية منخرطة في تحالف مع المجلس الوطني الكردي والإئتلاف السوري!

 في الوقت الذي كان مقر الجمعية الثقافية السريانية يفتح أبوابه لإستقبالنا, كانت أصوات إحتفالات أتية من مقر المنظمة الأثورية تملأ المكان وجواره وهي بداية جيدة للسؤال عن الخلاف بين التيارين السياسيين.

على عكس هوة الخلافات التي بين البايادا والمجلس الوطني الكردي, فإن الخلافات بين الإتحاد السرياني والمنظمة الأثورية لاتبدو بهذا العمق, أو هكذا أوحى لنا السيد منير, وهو مسؤول الجمعية في القامشلي, الذي إكتفى بالقول أن لكل توجهه السياسي. يقول السيد منير أن موقفهم هو مشارك ومشجع جداً للإدارة الذاتية.

كان ملفتاً في الجمعية الثقافية السريانية مستوى حضور الشباب, والملفت أكثر منه هو تقدير الجميع هنا لهم وتشجيعهم. ماريا حنا وبرصوم برصوم, هما شابة وشاب يقومون على رعاية أمور الجمعية ويتميزان بالتمكن الكبير من اللغة السريانية وأدابها. ماريا لازالت طالبة جامعية في كلية الأداب قسم اللغة الإنكليزية في جامعة حلب, ولكن أوضاع الطريق وسيطرة التكفيريين عليه بالإضافة الى الأوضاع في حلب, كل هذا منعها من تقديم إمتحاناتها للسنة الثانية على التوالي مما أبقاها طالبة في السنة الثانية.

الجمعية الثقافية السريانيةيروي مضيفونا حجم المأساة النفسية التي يعانون منها وحجم الترقب والخوف على كينونتهم نتيجة صعود الحركات السلفية التكفيرية. بحسبهم, فإن حوالي 300 ألف مسيحي قد هاجروا منطقة الجزيرة, كما أنه لم يبقى, على سبيل المثال, سوى مايقارب الخمسين عائلة مسيحية في الدرباسية من أصل أكثر من ثمانين عائلة.

شركة إيزلا للنقل, والتي كانت فيما سبق قوة النقل الرئيسية بين الجزيرة وبقية المحافظات, تعمل اليوم بدون سائقيها المسيحيين وذلك بسبب تعرضهم لعمليات الخطف والذبح أو طلب الفدية على الطريق والموثق منهم 6 عمال.

بالنسبة لأرقام الضحايا التي لديهم, فهناك مايقارب 180 مسيحي تعرضوا للخطف على يد الجماعات التكفيرية المعارضة  وقد قتل منهم من قتل وطلبت الفدية لبعضهم وهي بأرقام كبيرة.

يخاف السريان هنا على كيانهم وهويتهم وجذورهم, فهم ليسوا مسيحيين فقط , و إنما هم قومية قائمة بحد ذاتها ولها من الجذور الحضارية مايكفيها لتفاخر بها الأمم. يعشق السريان هذه الأرض التي حملتهم قرون عديدة ويفاخرون أن يكون إسمهم مصدراً لغوياً للوطن المسمى سوريا. هذا بالإضافة الى أنهم يشاركون الكرد في التعلق بثقافة مابين النهرين وتاريخها السحيق.

على الرغم من أن السريان يتبنون المسيحية, إلا أن ذلك لم يمنعهم من الحفاظ على تراث ماقبل المسيحية عندهم, وهذا يبدو واضحاً من النجمة المرسومة على العلم الذي يرفعونه في جمعيتهم. فالنجمة الرباعية الشكل ,هذه, هي نجمة الإله شامش وهي تتوسط شمساً ترمز للمعرفة والنور, بينما السنابل التي تحتضنهما فهي ترمز للعطاء وجميعهم مرسومين على خلفية زرقاء ترمز للحرية.  درسنا مع مضيفينا في الجمعية السريانية فكرة العمل الجاد على تعميم اللغة السريانية قدر الإمكان, وهذا ما لمسنا له ترحيباً من قبلهم. برصوم برصوم

 إنه الأول من أيار, عيد العمال العالمي, وهو بالنسبة للثقافة الأوجلانية عيد له من الأهمية بمكان. لم نستشعر هذه الأهمية إلا عندما وجدنا الناس في مدينة القامشلي يرفعون الرايات المختلفة ويتوجهون أسراباً وفرادى نحو مكان ما في هذه المدينة. بعد الإستفسار, تبين لنا أن هنالك إحتفالاً مركزياً بمناسبة عيد العمال. كنا نتوقع أن يكون الإحتفال عبارة عن خطب وإلقاء كلمات وماشابه, إلا أن زيارة الى عين المكان فاجأتنا بنوعية الإحتفال لمناسبة كمناسبة عيد العمال.

 في منطقة الهلالية, وهي منطقة متواضعة معظم شوارعها ترابية أو تكاد, كان الناس يتدافعون بإتجاه حديقة مسورة قيد الإنشاء. إسم الحديقة هو حديقة أوجلان وقد إفتتحت يوم الرابع من نيسان 2014. لايوجد في الحديقة شجرة واحدة, ولازالت أرضيتها ترابية غير معشبة, ولعل هذا هو السبب في إختيارها مكاناً للإحتفال.

إمتلئت ساحة الحديقة بالمحتفلين وراياتهم المتنوعة المحتوى والتي تدل جميعها على الإنتماء الى الأبوجية, كما كانت تدعم قوات اليابغا وحزب البايادا. عمل المنظمون على تحويل بقايا سيارتي شحن الى منصة وقف عليها عدد من العازفين ومغني واحد, والى جانبهم كان هناك أجهزة صوت بثت بعض الأغاني المسجلة لفرقة زرادشت كال ” زرادشت الكبير” وإحدى أغانيها كانت عن القائد عبدالله اوجلان.

كان تفاعل الجمهور مع الفرقة الموسيقية كبيراً, وهذه هي المرة الأولى في حياتي التي أشاهد و أشارك فيها بإحتفال بمناسبة الاول من أيار..المناسبة العزيزة على قلبي كيساري الهوى. بالنسبة لثقافة الأبوجية فإن عيد العمال يجب أن يشهد إحتفالاً كرنفالياً يشابه إحتفالات عيد النوروز, وهذا ما لم نعتد عليه حتى من بقية الأحزاب المحسوبة على اليسار والتي تكتفي في هذا اليوم بإصدار البيانات فقط.

عيدالعمال في القامشليعند إنتهاء كل أغنية حماسية, كان الجمهور يردد وراء قائد الفرقة الموسيقية: “بيجي أبو..بجي أبو ” وتعني يعيش اوجلان.

 كان حضور كبار السن ومتوسطي العمر, وخصوصاُ النساء, في إحتفالات الأول من أيار كبير جداً, وذلك على عكس الشبيبة الذين كانوا مشغولين, بقسم كبير منهم, في إدارة أمور المراكز الشبيبية في كافة المدن.

هنا في عامودا, يعج مركز الشبيبة الثورية بالحركة. فاليوم هو موعد جديد للدروس الثقافية والأيديولوجية للشبيبة. في مركز ,كان في السابق مركزاً لشبيبة الثورة التابعة لحزب البعث, يعمل بعض الشباب والصبايا على تلقين الشبيبة أفكار الأبوجية.

يقع المركز على أطراف مدينة عامودا وغرفه مليئة بصور شهداء الأبوجية والتي كان أكبرها حجماً صورة للشهيد أحمد- قهرمان والذي لفتتني به عيونه الزرقاء وهي صفة نادرة لدى الكرد. في غرفة أوسع, كان هناك تدريب أيديولوجي , وهو تدريب يومي متواصل, يقيمه المركز وفق مجموعات وتتركز معظمها حول أفكار أوجلان.

عكيد محمد ابراهيم, وهو عضو منسقية الشبيبة, يعمل كمدرب أيديولوجي وقد استئذناه لحضور جانب من التدريب الذي كان يجريه في الغرفة الواسعة المليئة بدورها بصور شهداء الأبوجية ومنها كانت صورة للشهيدة ميديا عامودي وهي من قرية ديكيه وقد استشهدت في تركيا في العام 2012.

عندما كنا نستمع الى محاضرة عكيد الأيديولوجية, كان ينتابنا شعور بالخوف حول سيطرة الأيديولوجيا وليس الثقافة على عقول الشبيبة!.

على طاولة المكتب الرئيسي في المركز, كانت تتموضع عدة مجلات ودوريات شبابية تخص الأبوجية, وهي باللغتين العربية والكردية, وهذا جزء من فورة الإصدارات التي تشهدها المنطقة.

لم نستطع أن نغادر المركز إلا بعد أن قامت شبيبته بالوقوف رتلاً واحداً أمام البوابة لتوديعنا بطريقتهم والتي كانت عبارة عن هتاف حماسي باللغة الكردية يقول: بدون الرئيس أوجلان ما بنعيش… فالحياة دونه لاتستحق العيش.

 كلما تنقلنا بين المدن الرئيسية الثلاث, القامشلي وعامودا والدرباسية, كانت تتراءى أمامنا أو نمر في قرى عربية الطابع الديمغرافي. وما يثير الإنتباه في تلك القرى, والتي يسكنها عرب قبائل, هو ارتفاع العلم السوري ذو النجمتين الخضراويين على مدارسها وفي أحيان كثيرة على بيوتها! علماً أن لاوجود عسكري للنظام السوري في تلك القرى…ولكن.

 فقرى مثل أم الربيع والقنيطرة وهيمو ” هذه الأخيرة مختلطة”  لازالت شعارات تمجيد النظام وشخص الرئيس بشار الأسد موجودة على جدران المدارس. حتى أن قرية تقع على مشارف الدرباسية لازالت ترتفع فيها صورة للرئيس الراحل حافظ الأسد.  القبائل العربية هنا موالية بشكل كبير للنظام السوري. فهنا السلوك السياسي لايحدده الإنتماء الديني بل القومي!!

يسجل للإدارة الذاتية ذكائها في التعامل مع الموضوع النفسي عند العرب في المنطقة. فهم يستشعرون أن ازالة تلك الرموز لن يٌفهم بالنسبة للعرب إلا كمحاولة لمحو شخصيتهم وكينونتهم العربية مما سيحولهم أعداءً للإدارة الذاتية ولن تكون, في حال تمت الإزالة, إلا رسالة خاطئة للعرب بخصوص مستقبلهم ومستقبل التعايش في المنطقة.

 مع تفجر لحظات الصباح الأولى ليوم جمعة هادئ, كانت السيارة تقترب شيئاً فشيئاً من مطار القامشلي الدولي حيث سننتقل عائدين أدراجنا إلى عاصمة الأمويين..عاصمة الوطن السوري.

مابين مدينة القامشلي والمطار وفي لحظات الرحلة الجوية ودقائقها كافة, كان الصمت يسود بيننا, حيث العيون تسأل بعضها البعض أسئلة كبيرة جداً حول مستقبل المنطقة ومستقبل سوريا.

كان السؤال الأهم هو: هل نعود لزيارة أصدقائنا ورفاقنا هنا وهي دولة مستقلة أو كيان فيدرالي؟ أو نعود للزيارة وهي تحت سيطرة النظام؟ … أم نعود وهي على حالها: شبه دولة وبقايا نظام!

 

* الأراء الواردة لاتعبر بالضرورة عن موقف ورأي هيئة التنسيق الوطنية

التصنيفات : مقالات أعضاء وقيادات الهيئة, أقلام شباب الهيئة, التحقيقات والتقارير

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: