ماذا بعد الإبراهيمي ؟

د.عصام نعمان : الخليج الاماراتية “

ستقال الأخضر الإبراهيمي من مهمته وسيطاً بين الحكومة السورية وأطراف تعارضها سياسياً وأخرى تقاتلها ميدانياً . مهمة الإبراهيمي، إذاً، كانت الوساطة بين الصغار في حين أن أسباب الأزمة (والحرب) مردهاma9ala الكبار .
بعض الأطراف الصغار متحالف مع بعض الكبار . بعضهم الآخر متعاقد مع كبار آخرين ويعمل وفق ما يطلبه رب العمل . لا يستطيع الصغار المتعاقدون مخالفة إرادة أرباب العمل المتحالفين . الصغير الذي لا يطيع الكبير، يُصرف من العمل . في الواقع، ثمة مصروفون من العمل في ساحات الحرب السورية باتوا يشكّلون طرفاً ثالثاً يقاتل الطرف السوري الرسمي كما المعارضة المسلحة بمختلف فئاتها . أليس هذا واقع مقاتلي “داعش” في ساحات شمالي سوريا وشرقها؟
الإبراهيمي لاحظ مذّ تسلّم مقاليد مهمته في أغسطس/ آب من سلفه كوفي أنان أن مفاتيح الأزمة يملكها الكبار وليس الصغار . حاول، عبر رئيسه بان كي مون، حمل الكبار في مجلس الأمن على التفاهم حول مقاربة مشتركة لمعالجة الأزمة، ومن ثم على إطار متفق عليه لتسويتها، لكن دونما طائل . انتظر طويلاً تفاهم الكبار وصرف الوقت الضائع في محاولات بائسة ويائسة لحمل الصغار على إيجاد قواسم مشتركة، لكن هيهات . كان عليه أن يستقيل مذّ لاحظ تصلّب الكبار في مواقفهم، كلّ لأسباب وأهداف ومصالح تتعلق به، فلماذا لم يفعل؟
دمشق وحلفاؤها يشكّون في نياته . يقولون إنه كان جزءاً من مخطط يستهدف سوريا تحديداً وعبرها محور الممانعة المقاومة . المعارضة السورية وحلفاؤها ينكرون هذه التهمة ويحمّلون مسؤولية فشله إلى كل من إيران وروسيا لإصرارهما على مدّ الحكومة السورية بأسباب القوة والصمود .
أيّاً يكن السبب الرئيسي لفشل الإبراهيمي، فالثابت أن للكبار الدور الأكبر في إدارة الصراع الدولي عموماً وفي سوريا وأوكرانيا، وقبلهما في فلسطين، خصوصاً، وهم الذين يتحملون تالياً المسؤولية وإن بدرجات متفاوتة .
ماذا بعد الإبراهيمي؟
لعل الكبار أدركوا أخيراً أن المطلوب لتسوية الأزمة السورية وساطة بين الكبار وليس فقط بين الصغار . الوساطة بين الكبار لا تحتاج إلى وسيط دولي بقدر ما يتطلب تفعيل المحادثات الجارية بينهم وتدوير الزوايا ليصار بعد ذلك إلى تكليف خلف للإبراهيمي ينقل ما يتفاهمون بشأنه إلى الصغار كي يهدأوا ويتحاوروا ويمتثلوا .
الكبار بدأوا، في الواقع، يتقاربون ويتهيأون للاتفاق بشأن مسألتين في الأقل: إيران والخليج . ذلك أن المفاوضات بين مجموعة دول 5+1 وإيران جرى استئنافها في فيينا وسط دلائل تشير إلى أن ثمة تسوية “نووية” يجري طبخها على نار هادئة وأنها قد تصبح ناضجة قبل نهاية شهر يوليو/ تموز المقبل .
إلى ذلك، أخذت أجواء التوتر تنحسر في الخليج بعد إعلان وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل أن بلاده دعت وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف إلى زيارة الرياض للبحث في العلاقات الثنائية كما في شأن عدد من القضايا الإقليمية المشتركة .
إيران لن تتأخر في مباشرة محادثات جدية مع السعودية . إذا كان محمد جواد ظريف لم يلتق بعد نظيره السعودي فربما لأن طهران ما زالت منشغلة مع واشنطن بشروط التسوية “النووية” المرتقبة . ذلك أن إيران مصرّة على عدم تقييد قدراتها النووية السلمية إرضاء ل “إسرائيل” التي تريد حرمانها منها بالمطلق، كما تبدو مصرّة على عدم ربط التسوية المرتقبة بأي شروط أو تنازلات تقيد قدرتها على إنتاج صواريخ بالستية أو أي قيود بشأن دعمها لسوريا بعد تسوية أزمتها .
إقرار التسوية “النووية” بين مجموعة 5+1 وإيران سينعكس إيجاباً على العلاقات الإيرانية – السعودية . هذه بدورها ستنعكس إيجاباً على الوضع السياسي والأمني في لبنان . مراقبون كثر يعتقدون أن الانفراج المرتقب بين إيران والسعودية سيدفع الرياض إلى تليين موقفها من بعض “خصومها” السياسيين في لبنان ما قد يؤدي إلى تسريع التفاهم بين القوى السياسية المتصارعة على رئيس جمهورية “توافقي” .
غير أن عوائق وازنة قد تؤخر التسوية “النووية” وبالتالي الانفراج الإيراني – السعودي . أبرز “العوائق” الثمنُ الذي تريده “إسرائيل” لقاء وقف معارضتها للتسوية داخل الكونغرس الأمريكي . هي تريد، أولاً، حرمان إيران من أية قدرة نووية . إذا تعذر على واشنطن مجاراتها في ذلك، فإن البديل في نظرها هو استمرار فرض العقوبات على إيران بدعوى أن عدم التوصل إلى تسوية معها خير من تسوية سيئة . إذا تعذر ايضاً إقناع واشنطن بهذا البديل فإن “الثمن” المطلوب يمكن “جبايته” من سوريا تحديداً . كيف؟ بالعمل على تقسيمها أو، في الأقل، بتدويم استنزافها بحرب متمادية تضرب عمرانها وتشرّد شعبها في أربع جهات الأرض .
صحيح أن الرئيس أوباما أكد لرئيس “الائتلاف الوطني لقوى المعارضة السورية ” أحمد الجربا أن الحل السياسي هو المخرج من الأزمة السورية، لكنه أكد له، كما مساعدوه، متابعة دعم المعارضة السورية ب”أسلحة غير قاتلة” . هذا يعني استمرار تمكين المعارضة من متابعة الحرب .
إلى ذلك، تسعى “إسرائيل”، مدعومةً ببعض الخبراء في مجلس الأمن القومي الأمريكي، إلى الترويج من جديد لفكرة إقامة مناطق حظر جوي في سوريا . يقولون: إذا كان تزويد المعارضة بالصواريخ المضادة للطائرات والدبابات ينطوي على خطورة تسربها إلى أيدٍ غير صديقة، فإن البديل الآمن هو في أن تتولى الولايات المتحدة أو الحلف الأطلسي مهمة إقامة مناطق حظر جوي في سوريا لمنعها من استخدام سلاحها الجوي . الحظر يؤدي إلى إلغاء تفوقها على قوات المعارضة التي لا تمتلك طائرات ولا صواريخ مضادة لها .
هل توافق واشنطن على اعتماد هذا البديل؟
ثمة مؤشران إلى ما يمكن أن يكون الجواب عن السؤال:
الأول، ما ستنتهي إليه الجولة الحالية من المفاوضات بين مجموعة 5+1 وإيران . ذلك أن عدم التوصل إلى تسوية “نووية” في هذا المجال قد يدفع واشنطن إلى الموافقة على إقامة مناطق حظر جوي بغية ممارسة مزيد من الضغط على إيران من خلال الضغط على حليفتها سوريا .
الثاني، التباطؤ في تعيين وسيط دولي بديل عن الإبراهيمي بقصد استغلال الوقت الضائع للضغط، بشتى الوسائل المتاحة .
عسى ألا يطول انتظار السوريين الذين يعانون مآسي حربٍ ضروس تأكل البشر والشجر والحجر .

 ” الأاء الواردة لاتعبر بالضرورة عن رأي هيئة التنسيق الوطنية “

التصنيفات : المقالات

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: