قبر الأب فرانز في حمص يتحول إلى محج للسوريين

(ا ف ب) قبر الأب فرانز في حمص يتحول إلى محج للسوريين

في دير الآباء اليسوعيين في وسط حمص القديمة، تحوّل مدفن الكاهن الهولندي فرانز فان درلوغت، الذي قتله مسلح في نيسان الماضي، الى محج لكثيرين ممن عرفوه أو سمعوا عنه وعن إنسانيته، التي حوّلته الى “شفيع” لسكان هذه المدينة المنكوبة.
ووري رجل الدين الهولندي في الثرى في حديقة الدير، حيث كان يحب تمضية وقته، في قبر متواضع يجتمع حوله زوار يذكرونه بالصلاة والدموع. واختار الأب البقاء مع المدنيين الذين حوصروا لنحو عامين في حمص القديمة، على الرغم من انعدام المواد الغذائية والاشتباكات المتواصلة. وبرز اسمه مطلع العام 2014 عندما وجه نداء، عبر شريط مصور، لنجدة السكان الذين أنهكهم الحصار.
ويقول كنان متري، المكلف من الدير جمع شهادات عن الكاهن اليسوعي تمهيداً لإعداد كتاب عنه، إن الأب فرانز “كان قديساً لأنه كان خدوماً”، موضحاً أنه الكاهن الوحيد والأجنبي الوحيد الذي بقي في حمص القديمة، “ضحى بنفسه من أجل الآخرين”.
ويغلب الحزن والتأثر على العشرات الذين يزورون المدفن يوميا، ولا يتمالكون أنفسهم، رجالا ونساء وأولادا، عن ذرف الدموع. ويقول أحد الرجال بتأثر “كان ينقل والدي المريض على متن دراجته الهوائية، إلى المستشفى (الميداني الذي أقامه المسلحون) تحت القصف”. ويضيف “كان يردد: أنا لست سورياً، لكنني أحب سوريا كما لو كانت بلدي. سأكون الأخير الذي يغادر هذا المكان”.
وكان الكاهن قد قال، في شباط الماضي، إنه اختار البقاء في حمص “ليشارك” الشعب السوري “ألمه” في الظروف الصعبة التي يعانيها، مؤكدا أن السوريين قدموا له “الكثير”.
وقرب المدفن المحاط بالزهور، رُفعت صورة للأب فرانز وهو يبتسم، والى جانبه طفل صغير لف ذراعيه حول ركبته. وفي سجل التعازي كتب زوار عبارة “السلام لروحك يا رمز الإنسانية”.
ويحتفظ الكثيرون بذكريات لا تُمحى عن الكاهن الطيب الذي أمضى قرابة 50 عاما في سوريا، أطلق خلالها مشاريع زراعية لمصلحة الفقراء وأقام الصلوات مع المسيحيين والمسلمين على السواء. ويقول شربل (15 عاما) “في أحد الشعانين عام 2012، انتقل تحت القصف من الدير في حي بستان الديوان إلى حي باب السباع حيث كنا نستعد لإقامة القداس بعد مغادرة كل الكهنة الآخرين”.
ومن أبلغ الذكريات التي يحفظها الناس عن فرانز، قيامه بتوزيع أوعية المياه والخبز على العائلات المحاصرة مستخدما دراجته الهوائية. وفي الدير الأثري الذي يعود تاريخه إلى القرن التاسع عشر، ما زالت الغرفة الصغيرة المتواضعة التي كان يقيم فيها، على حالها. ووضعت على أرضها فرش للنوم، وعلقت فيها أيقونة لمريم وصورة للمسيح، ورف خشبي رصفت عليه كتب. وكان الكاهن، الذي درس علم النفس، ملجأ للأشخاص الذين يعانون الاكتئاب، وينصت لكل من قصده يشكو له مشاكله. وتقول جمانة (35 عاما)، وهي مسلمة أمضت مع شقيقتها وأولادهما أشهرا في الدير، “ائتمنته على أسراري وكان يعزيني. كان بمثابة أب لي”، مضيفة “لم يكن يميز بين المسيحيين والمسلمين. كنا نحتفل بكل الأعياد معا”.
وتستذكر جمانة يوم أحضر الأب فرانز “بركة سباحة قابلة للنفخ ووضعها في فناء الدير. كانت الفرحة تغمره وهو يرى الأطفال يلهون في الماء”. وتضيف “كان يبتكر لهم ألعابا حينما يبدأون بالبكاء بسبب الغارات الجوية”.
ومع بداية حصار القوات السورية للأحياء التي يسيطر المسلحون عليها في حمص في حزيران العام 2012، استضاف فان درلوغت في الدير العديد من العائلات النازحة. وغادرت غالبية المدنيين هذه الأحياء في شباط، بموجب اتفاق مع السلطات بإشراف الأمم المتحدة. كما أخلى الباقون حمص القديمة الأسبوع الماضي.
ولم تتضح قطعاً ظروف مقتل الأب فرانز. ويقول شهود إن رجلا ملثما قرع باب ديره قبل أن يطلق الرصاص عليه ويهرب. وعثر الجيران على فرانز مضرجا بدمائه، ومصابا بطلقة في الرأس. واتهم المقاتلون “مندسين من النظام” بقتله، بينما اتهمت دمشق “مجموعات إرهابية مسلحة” بذلك.
وبعد مقتله، بقي عدد محدود من الأشخاص في الدير بينهم ماري التي كانت تتولى الطهو قبل أن يشتد أثر الحصار وتندر المواد الغذائية. وبتأثر بالغ تستقبل ماري رجلين استضافهما الدير أثناء الحصار، وعادا لتفقد أحوالها للمرة الأولى منذ أشهر.
وبعدما قدما لها الخبز، عانقها أحدهما قائلا “صحتك تتحسن”، قبل أن تغالبهما الدموع. وأجابت ماري بصوت خافت “الحمد لله… لا ينقصنا إلا الأب فرانز”، قبل أن يغرق الجميع وقد اغرورقت عيونهم بالدموع، في صمت ثقيل.

التصنيفات : الأخبـــــار

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: