الغرب في الشرق: معايير متناقضة

” عبدالله بوحبيب : السفير اللبنانية “

تؤلمني المعالجة الدولية للأزمة السورية، وهي تشبه معالجة الأزمة الأوكرانية وتتعارض مع سياستها في مصر لخارطة الطريق التي وضعتها الحكومة الانتقالية هناك.
في سوريا، ارتأى المجتمع الدولي من خلال مؤتمر جنيف 1 في حزيران 2012، مشاركة المعارضة الموالية للغرب والنظام السوري في حكومة مطلقة الصلاحيات في وma9alaقت تعادلت القوى العسكرية على الأرض بين الجيش السوري والجيش السوري الحر. لكن الواقع العسكري على الأرض السورية راح يتغيّر بعد أسابيع قليلة من ذلك الاجتماع، وبدأت قوى المعارضة «المعتدلة» – بحسب التعبير الغربي – تتراجع لمصلحة قوى النظام وقوى المعارضة الدينية المتطرفة، وتهمّش وجودها وانحصر في جيوب تتوزع بين الشمال السوري ووسطه. كذلك تبدّلت القيادة السياسية لقوى الائتلاف السوري «المعتدل» من زعامة «الإخوان المسلمين» المؤيّدة من دولة قطر، إلى سياسيين من دون قواعد سياسية مدعومين من السعودية.
برغم ذلك، عُقد مؤتمر جنيف 2 لتنفيذ جنيف الأول وأدار الأخضر الإبراهيمي، الخبير الدولي الكبير بحل الأزمات والذي استقال أمس من مسؤوليته، اجتماعات بين المعارضة والنظام من دون أن تكون في جعبته تشكيلة مشاريع لحل الأزمة السورية، ما حكم على الاجتماعات تلك بالفشل الذريع.
أما في أوكرانيا، فبعدما أقال برلمانها الرئيس المنتخب بضغط من عشرات الآلاف من المتظاهرين الذين قدموا إلى كييف من مناطق أوكرانية تريد انضمام بلدهم إلى حلف الناتو، أصرّت الدول الغربية على انتخاب رئيس جديد للنظام نفسه الذي أوصل أوكرانيا إلى الحالة المزرية التي تتخبط فيها اليوم، بينما شرق أوكرانيا وجنوبها يسيران، بدعم روسي، في اتجاه الحكم الذاتي أو الانضمام إلى روسيا بحسب تقارير الصحف الغربية.
في مصر، لم تؤيّد الدول الغربية إقالة الجيش الرئيس المنتخب على إثر تظاهرات شعبية واسعة قام بها عشرات الملايين من المصريين في كل أنحاء البلاد، وتم بعدئذ تعيين حكومة انتقالية وضعت خارطة طريق هدفت إلى تثبيت الديموقراطية بصوغ جديد للدستور، ومن ثم انتخاب رئيس للجمهورية وبرلمان. وبالفعل وضعت لجنة من خمسين شخصية مصرية، أصحاب خبرات واسعة في كل الحقول، دستوراً جديداً ليبرالي الاتجاه أقرّه الشعب المصري بأكثرية ساحقة وهم على أهبة انتخاب رئيس جديد للجمهورية.
من الفائدة أن نلحظ هنا ما يحصل في تونس واليمن حيث نجحت قيادة جامعة في كل من البلدين في صوغ نظام جديد يأخذ في الاعتبار وجهات نظر المكوّنات المختلفة فيهما، وقد بدأ كل منهما تنفيذ مضمون الدستور المتفق عليه. وتشير تجارب دول أخرى مرّت في اختبارات مماثلة كلبنان والبوسنة والعراق، رغم العقبات التي تستمر هذه البلدان في مواجهتها، إلى أن الاتفاق على نظام جديد يلبي متطلبات كل المكوّنات التي يتألف منها البلد هو الحل الأفضل لمعالجة الأزمات الداخلية في البلدان متعددة الطيف.
من هنا يتساءل المرء لماذا لا يصار إلى جمع السوريين، كل المكوّنات السورية، للاتفاق على نظام جديد مهما طال وقت الوصول اليه، بحيث يعتبر كل مكوّن سوري أنه انتصر وبأن وجوده وحقوقه مؤمّنان من خلال هذا النظام؟ لماذا لا يُعمل أيضاً في أوكرانيا على جمع كل مكوّنات البلد تحت سقف واحد ودعمها الاتفاق على مستقبل بلدها؟ لماذا الإصرار على تغيير الأشخاص والمحافظة على أنظمة لا تفرز سوى الدكتاتورية والفساد؟ لماذا يتجاهل المجتمع الغربي التعددية في سوريا وأوكرانيا، وهي في صلب تكوين الدول الغربية وفي أنظمتها السياسية؟ لماذا تعتبر هذه الدول إقالة رئيس منتخب في مصر انقلاباً عسكرياً وإقالة رئيس منتخب في أوكرانيا تصرفاً ديموقراطياً محضاً؟
لا يقتصر التناقض الظاهر في سياسات الدول الغربية على دنيا السياسة فحسب، إنما يطبّق أيضاً على السياسات الاجتماعية. مثلاً، بينما ترحّب هذه الدول وتهنئ لبنان وتشجعه على استقبال اللاجئين السوريين القادمين من كل مناطق بلادهم الآمنة والمتحاربة، لا يتلقى اللبنانيون الحاضنون اللاجئين منها مساعدات توازي الضرر الذي حلّ بهم والعطف والتفهّم الذي يبديه المجتمع الدولي. وبحسب تقديرات المنظمات الدولية التي تساعد اللاجئين، فإن المساعدات التي يتلقاها هؤلاء من الدول المانحة لا تبلغ نصف حاجاتهم، مع العلم بأنهم لا يتلقون سوى القليل القليل من الدول التي تموّل الحرب السورية.
من دون أي شك، إن المعايير السياسية والاجتماعية والاقتصادية لدى الدول التي تدّعي العدل والإنصاف، لا بل المثالية في سياساتها الدولية في عصر العولمة، في حاجة ماسة إلى مراجعة، أو توقفها عن ادعاء العفة والكمال في تعاملها مع الأزمات التي تواجه دولاً تعددية كثيرة في العالم الذي سُمِّي بالثالث.

“الآراء الواردة لاتعبر بالضرورة عن رأي هيئة التنسيق الوطنية “

التصنيفات : المقالات

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: