الصراع في سوريا يحتدم بين الواقعي والافتراضي

“العرب اللندنية “

سوق تجنيد المقاتلين في سوريا تزدهر عبر الشبكة العنكبوتية، وفيسبوك وتويتر وانستغرام ويوتيوب أبرز أسلحة الجهاد الافتراضي_22529_syy3

االقاهرة – حذر المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية، في دراسة للباحث محمد عبدالله يونس، من مخاطر استغلال الجماعات المسلحة الناشطة في سوريا، لشبكة الإنترنت لتجنيد المقاتلين، الأمر الذي دفع وزراء داخلية دول الاتحاد الأوروبي إلى مطالبة مزودي

خدمات الإنترنت بحجب مواقع تستخدم لتجنيد شبان للقتال في سوريا.

لم تعد ظاهرة تجنيد المقاتلين عبر الإنترنت بالأمر الجديد، سواء بالنسبة إلى الصراع الدائر في سوريا أو قبل ذلك في اليمن، وفي مختلف أنحاء العالم، حيث كان لتنظيم القاعدة نشاط مكثّف عبر الشبكة العنكبوتية.

لكن المثير للخوف والانتباه في الفترة الأخيرة، الحركية المكثّفة التي شهدها سوق تجنيد المقاتلين الجهاديين عبر الشبكة العنكبوتية، ودعوتهم للقتال في صفوف الجماعات الجهادية في سوريا. وكثير من هؤلاء المجنّدين الجدد قادمون إما من أوروابا أو من إحدى الدول التي شهدت ثورات أسقطت أنظمتها وأدخلتها في فوضى نتيجة غياب الأمن والمراقية.

ووفق إحصائية قامت بها صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية قدّر عدد المقاتلين الأجانب على الأراضي السورية بحوالي 15000 مقاتل، بينهم أكثر من 400 فرنسي. وأشارت الصحيفة الفرنسية، التي خصصت ملفا كاملا لدراسة ما أطلقت عليه “جهاديون في سوريا، أعداء في الداخل الفرنسي” إلى أن وسائل تعبئة الجهاديين اعتمدت بشكل كبير على الإنترنت. كما بيّنت من خلال استجواب بعض الملتحقين بواسطة مواقع التواصل الاجتماعي، أن هناك من يتعاطى مع الجهاد كنوع من أنواع السياحة. وقد حملت افتتاحية الصحيفة عنوان “أعداء الداخل” وهي الصفة التي أطلقها كاتب المقال، “ايف تريار” على الجهاديين الفرنسيين من الجنسين.

الباحث محمد عبدالله يونس أطلق على هذا النشاط اسم “الجهاد الافتراضي”. وأشار الباحث في دراسته لهذه الظاهرة إلى أن التنظيمات الجهادية في سوريا اتجهت نحو توظيف مختلف مواقع التواصل الاجتماعي لتعزيز قدراتها العسكرية في مواجهة نظام الأسد من خلال استقطاب كوادر جديدة وتبادل الخبرات بين فصائل المقاتلين، فضلا عن الإعلان عن انتصاراتها الميدانية والجرائم التي ترتكبها قوات النظام السوري بحق المدنيين.

ورصدت دراسة المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية تصاعدا في اعتماد التنظيمات الجهادية في سوريا على شبكات التواصل الاجتماعي لاستقطاب كوادر جديدة وتبادل الخبرات الميدانية والترويج للأفكار الجهادية في ظل افتقاد المجال الافتراضي لضوابط تكفل تنظيم تدفق المعلومات والتحقق من الهوية الحقيقية للفاعلين.

طفرة غير مسبوقة

يمكن اعتبار هذه الطفرة في التجنيد عبر مواقع التواصل الاجتماعي بمثابة تحول جوهري غير مسبوق لم يشهده أي صراع أهلي سابقا سواء على مستوى تعدد المواقع والمنتديات الناطقة باسم التنظيمات الجهادية وتنوع الرسائل التي تبثها للمتعاطفين أو حجم ونوعية المعلومات التي توفرها عن تكتيكاتها القتالية.

في ذات السباق، نقل الباحث محمد عبدالله يونس، عن دراسة صادرة عن المركز الدولي لدراسة التطرف بالجامعة الملكية في لندن في منتصف أبريل 2014 تسجيلها تصاعدا في اعتماد التنظيمات الجهادية في سوريا على مواقع التواصل الاجتماعي في تجنيد متطوعين، حيث استقطبت تلك التنظيمات ما لا يقل عن 11 ألف مقاتل أجنبي من بينهم 1900 متطوع من دول أوروبية، ويأتي على رأس قائمة المتطوعين مواطنون فرنسيون وصل عددهم إلى حوالي 421 متطوعا، تليها بريطانيا بحوالي 366 وحوالي 269 من بلجيكا و249 من ألمانيا، حيث أكد التقرير أن الصراع الأهلي الدائر في سوريا يعد الأول من نوعه تاريخيا في استقطاب المقاتلين عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

وأشارت الدراسة،إلى أن تتبع صفحات 190 مقاتلا غربيا في سوريا كشفت عن دور محوري لبعض الدعاة في الولايات المتحدة وأستراليا وبريطانيا في الترويج للأفكار الجهادية وتحفيز شباب المسلمين بالدول الغربية علي التوجه للجهاد في سوريا، وتوصلت الدراسة إلى أن 61.5 بالمئة من الحسابات الأنشط في تجنيد المتطوعين تتبع تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” ( داعش) وحوالي 17.5 بالمئة من الحسابات تتبع جبهة النصرة بينما لا يتجاوز نصيب الجيش السوري الحر ولواء التوحيد وأحرار الشام حوالي 2 بالمئة من تلك الحسابات الإلكترونية.

وظائف التواصل

اعتمادا على مجموعة من مواقع التواصل الاجتماعي، قال الباحث محمد عبدالله يونس إن مراجعة أنشطة الحركات الجهادية على الإنترنت كشفت عن زخم متصاعد في غايات وأهداف هذا التحول الجوهري في استغلالها للمجال الافتراضي، وفي هذا الإطار تعتمد الحركات الجهادية على مواقع التواصل الاجتماعي والمنتديات في أداء وظائف متعددة أهمها:

*الإعلام الجهادي: تقوم بعض الصفحات بنشر الأخبار عن التنظيمات الجهادية والعمليات التي قامت بتنفيذها. وساقت الدراسة كمثال الحسابات الرسمية لكل من جبهة النصرة وداعش وجماعة أنصار الشام، بالإضافة إلى شبكات إخبارية متخصصة مثل وكالة الأنباء الإسلامية (حق) وصفحات ابن تيمية للإعلام.

*اجتذاب التعاطف: تعتمد منتديات استقطاب المتعاطفين على بث صور ومقاطع فيديو لجرائم نظام الأسد بحق المواطنين السنة وتوظيف مقولات الطائفية والانتماء الديني في دفع المتعاطفين للتطوع سواء بالدعم المادي أو بالانضمام إلى صفوف المقاتلين الأجانب في سوريا، وفي هذا الصدد أشارت دراسة معهد دراسات التطرف إلى أن بعض الدعاة مثل الداعية الأميركي الفلسطيني الأصل أحمد موسى جبريل والداعية الاسترالي موسى سيرانطونيو يؤديان أدوارا محورية في دفع المتعاطفين إلى التطوع إلى جانب التنظيمات الجهادية .

*الدعم الأخلاقي: تتضمن مهمة نشطاء التنظيمات الجهادية على الإنترنت الترويج لأخلاقية دور التنظيمات الجهادية في سوريا وتوافقها مع الضوابط الشرعية سواء من خلال نفي بعض الأخبار عن انتهاكات وجرائم يرتكبها بعض المنتمين إليها أو تبريرها عبر إعادة صياغة الأحداث وتقديم الأسانيد الداعمة لتلك الأحداث. وفي هذا الصدد يشير دليل حسابات المجاهدين علي تويتر الصادر عن شبكة شموخ الإسلام الجهادية إلى وجود فئة من الناشطين تسمي “أنصار الجهاد” مهمتها الأساسية تقديم الدعائم الأخلاقية والشرعية لأنشطة الجماعات الجهادية والرد على المعارضين لها والتصدي للكتائب الإلكترونية لنظام الأسد.

*التحفيز السياسي: يركز خطاب التنظيمات الجهادية في شبكات التواصل الاجتماعي على اختلال التوازن السياسي والعسكري في سوريا لصالح نظام الأسد لاستنهاض المتطوعين للتوجه إلى سوريا والانضمام إلى الكتائب الجهادية ويتم توظيف مقولات من قبيل أن فصائل المقاومة السورية تواجه جيشا نظاميا بكامل عتاده دون أن تمتلك الأسلحة الكافية لتحقيق التوازن العسكري أو استعراض مدى الدعم العسكري والسياسي الذي يحظى به نظام الأسد من إيران وحزب الله وروسيا مقابل ضعف الظهير السياسي للمقاومة في سوريا.

صراع شبكي

بالتوازي مع الصراع على الأرض شهد الفضاء السيبيري صراعا محتدما بين المعارضة، بمختلف توجهاتها، وبين نظام الأسد، فضلاً عن الصراعات بين فصائل المقاومة ذاتها، حيث نجحت كتائب الأسد الإلكترونية في إغلاق ما لا يقل عن 550 صفحة فيسبوك تخص فصائل المقاومة المختلفة ومن بينها الصفحات الجهادية في الفترة حتى نهاية يناير 2014.

بيد أن صراع الفضاء الإلكتروني لم يحسم لصالح نظام الأسد في ظل استمرار نشاط التنظيمات الجهادية في استقطاب المتطوعين للانضمام إلى صفوفها واستخدامها لشبكات اجتماعية بعيدة عن يد كتائب نظام الأسد ولا يمكن إغلاقها، ويظل نشاطا مؤثرا بالنظر إلى ضبط السلطات الأمنية في الدول الأوروبية لعدد كبير من المتطوعين.

ويخلص الباحث محمد عبدالله يونس، في دراسته الصادرة عن المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية، إلى أن انتشار تجنيد المقاتلين المتطوعين عبر الإنترنت يفرض تهديدات تتعلق بانتشار أفكار دينية متطرفة بين الشباب على نطاق عالمي وامتداد تأثيرات الصراع في سوريا على نطاق غير محدود بسبب ظاهرة المجاهدين العائدين من جبهة الصراع السوري وإمكانية انضمامهم إلى خلايا جهادية في دولهم ومن ثمة استغلالهم المهارات القتالية التي اكتسبوها في العمليات العسكرية، مما قد يؤدي إلى تبني بعض الدول إجراءات تستهدف تقييد المجال الافتراضي ورقابة شبكات التواصل الاجتماعي والحد من مستوى الخصوصية المتاح للمستخدمين بهدف مواجهة هذه التهديدات.

 

التصنيفات : المقالات

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: