ليس أمامهم إلا أن يواصلوا الصمت

   ” صادق عبد الرحمن ” السفير اللبنانية “

لا تحتاج سوريا شيئاً أكثر من انتخابات رئاسية كي يكتمل انتصارها على “المؤامرة الدولية”، وتكتمل مسيرة الإصلاح السياسي فيها. ليس ثمة استفتاء هذه المرة، بل ثمة عرس ديموقراطي مكتمل الأركان. ثمة مرشحون وبرامج انتخابية ولوحات إعلانية في الشوارع تحمل الشعار الذي اختارته اللجنة القضائية العليا للانتخابات “صوتك = وطن، صوتك = رئيس”. “الوطن” يساوي “رئيسه” إذاً، ولكن فلتتذكر وأنت تدلي بـ”صوتك” الذي يساوي الوطن ورئيسه أن لـ”الإصلاح طريقا واحدا يقوده بشار”، هذا ما تقوله بعض اللافتات القديمة التي لا تزال مرفوعة في الشوارع نفسها.
على الرغم من أن للانتخابات متطلباتها المختلفة عن متطلبات الاستفتاء، فإن ذلك لم يغيّر من سلوك السلطة وأنصارها: أنصار الأسد. فمسيرات التأييد والمهرجانات الخطابية وصور القائد الرمز والشعارات المعادية للإمبريالية وعملائها تملأ كل المدن والبلدات التي لا تزال خاضعة لسلطة النظام. وإذا كانت هذه المشاهد لا تثير الدهشة أو الرعب لدى أي مراقب خارجي، فإنه يمكن البحث عن مركّب الرعب الممزوج بالاحتقار والدهشة في داخل كثير من المعارضين البؤساء الذين يواصلون صمتهم وحياتهم في هذه المدن والبلدات: الرعب من الأمس والحاضر والغد القريب، القريب جداً، والاحتقار للذات والمحيط، والدهشة من كل هذا الإصرار على السلوك نفسه. هل يعقل أن يلقي شاعرٌ قصيدةً في مدح رئيس فرع الحزب والمحافظ والقيادة السياسية في مهرجان خطابي داعم للأسد؟
ربما لا تعني مشاهد كهذه شيئاً للعالم، ولا لمئات آلاف الثائرين والمعتقلين واللاجئين والمحاصرين، وربما تكون في حقيقة الأمر مشاهدَ مثيرةً للشفقة بالنسبة للبعض، لكن معارضين يقيمون في “مناطق النظام” يصابون بالذعر من احتفالات كهذه، خاصة أولئك الذين لا يجرؤون حتى على رفض حضورها، إذ تشبه صور القائد الأسد وشعارات الدعم له عملية تعذيب ممنهج بالنسبة لهم. ومع مشاهد كهذه تبدأ الأوهام، ويبدأ الخوف: “ترى هل سيجبروننا على النزول للتصويت لسيادته؟ هل سأكون مضطراً لإلصاق صورته على سيارتي أو تعليقها في مكان عملي؟ ماذا لو استغلت الأجهزة الأمنية وأذرعها فرصة الانتخابات لتصفية الحسابات القديمة معي؟”. أسئلة تشبه الهذيان تدور في أذهان هؤلاء المستضعفين.
لكن الحقيقة أن المسألة ليست بحاجة لكل هذا الهذيان. فالسلطة ليست بحاجة إلى مناسبة كي تصفي حساباتها مع خصومها في أي مكان تسيطر عليه، وهي ليست معنية بأن يشارك كل مواطن في العرس الديموقراطي إياه، ذلك لأن مؤسساتها كفيلة بتمرير الانتخابات على أكمل وجه. حتى أن الإعلام الرسمي سيستضيف أنصاراً لجميع المرشحين، وسيكون المرشحون الآخرون وأنصارهم عرضة لشتائم وتهديدات أنصار الأسد بسبب تجرئهم على الترشّح، لكن السلطات ستعمل على حماية حق الترشّح والانتخاب الدستوري في مشهد ديمقراطي مهيب، وربما تضطّر لمعاقبة أنصارها إن هم تمادوا في تطاولهم على مرشحين محتملين لمنصب رئاسة الجمهورية العربية السورية.
ليست السلطة مضطرة لتنظيم احتفالات كهذه أصلاً. كان بإمكانها الاستغناء عن هذه الأساليب العتيقة، بل إنه كان بإمكانها الاستغناء عن هذه الانتخابات كلها، لأن دستورها الذي أقرّته عام 2012 يتيح لها ذلك. ولكن ثمة رسالةً يحملها كل هذا الابتذال. رسالة للأنصار قبل الخصوم والأعداء: “أنا سأبقى ما أنا عليه، ليس ضرورياً أن يتغير شيء، وما دامت دماء عشرات آلاف الضحايا من المدنيين وعناصر الجيشين النظامي والحر والمليشيات والكتائب المختلفة لم تفلح في تغيير حقيقة أن للإصلاح طريقاً واحداً يقوده بشار، فإن شيئاً في العالم لن يكون قادراً على تغييرها”.
هذا ما تريد “الدولة السورية” قوله للعالم كله في حقيقة الأمر، إنها سوريا إذ تدخل عصر التعبير عن الإرادة في صناديق الاقتراع أيها السادة، تدخله غير عابئة بآلام ودماء عشرات آلاف السوريين، وغير عابئة بدمار نصف العمران السوري، تدخله بصرف النظر عن درعا والقنيطرة وغوطة دمشق وحمص القديمة وريفها الشمالي، وبصرف النظر عن ريف حماه الشمالي وريف إدلب ومحافظات حلب ودير الزور والرقة ونصف محافظة الحسكة.. أما أولئك المجبرون على مواصلة حياتهم في ظل هذه الانتخابات على الرغم من اعتقادهم أن من العار إجراؤها أصلاً، فليس أمامهم إلا أن يواصلوا الصمت في حضرة هذا العبور الملحمي العظيم نحو الديموقراطية.

“الأراء الواردة لاتعبر بالضرورة عن رأي هيئة التنسيق الوطنية”

التصنيفات : المقالات

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: