سورية : محرقة ومغرقة حتّى إشعار آخر

” محمود جديد  ”  الحوار المتمدًن

كان النظام السوري قبل عام في أسوأ حالاته ، هذا الأمر الذي خلق فرصة ملائمة لتحقيق التفاهم بين كيري ولافروف في ٧ / ٥ / ٢٠١٣ عند لقائهما الشهير في موسكو حول جملة من القضايا بخطوطها العريضة :603604_432017933555564_1781049935_a الملف الكيماوي السوري ، الملف النووي الإيراني ، إنعاش تفاهمات جنيف ١ في ٣٠ / ٦ / ٢.١٢ ، ولكلّ طرف حساباته ودوافعه.. فالأمريكان كانوا يعرفون دقائق الأمور ويجدون فيها فرصة مناسبة للمساومة في وقت يرون فيها النظام السوري منهكاً مذعوراً وقابلاً للسير في طريق التنازلات إلى أقصى مدى ، بما فيها التخلّي عن سلاحه الكيماوي .. أمّا الروس فكانوا أيضاً على دراية تامّة بالوضع الميداني الضاغط على رقبة النظام ، وأماكن تخزين السلاح الكيماوي التي أصبح بعضها تحت رحمة المجموعات المسلّحة ، وصار بقاء هذا السلاح عبئاً على النظام نفسه ، ولغماً قد يفجّره المسلّحون في كلّ لحظة ويستغله التحالف الأمريكي – الأوربي لشرعنة عدوان مباشر على سورية ، وتوجيه ضربة موجعة للنظام السوري .. كما أنّ ستخدام هذا السلاح من قبل النظام كان سيشكّل جريمة إنسانية يصعب الدفاع عنها وتبريرها في المحافل الدولية ، وفي الوقت نفسه ، سيكون التخلّص منه ثمناً مجزياً ومغرياً لأمريكا و( إسرائيل ) ،وبالتالي ، فالسير على طريق الحلّ السياسي وبأقصى سرعة ممكنة شكّل لديهم أفضل الخيارات المتاحة والأقلّ خسارة .. ولم يكن الروس وحدهم مٓن يرصد الساحة السورية باهتمام ، فحزب الله (ومن خلفه إيران ) الذي كان أكثر الأطراف قلقاً على مصير سورية التي رأى فيها الرئة التي يتنفّس منها بسبب محاصرته جنوباً وغرباً ، وخاصة في ظلّ مؤشّرات غير مريحة له تمّ التعبير عنها من قبل بعض أطراف المعارضة السورية في الداخل والخارج .. وتجرّؤ خصومه اللبنانيين عليه بصورة أكثر من المألوف ، فكان قراره بالتدخّل في المستنقع السوري للدفاع عن أمنه وأمن حليفه في دمشق ، وفقاً لما عبّر عنه قادة هذا الحزب ، هذا التدخّل الذي شكّل نقطة تحوّل استراتيجية نجم عنه استعادة القصير كفاتحة لمسلسل القلمون .. وكيفما كان تقييمها من هذا الطرف أو ذاك.
وفي ظلّ هذه المعطيات انعقد مؤتمر جنيڤ ٢ بطبعته الأولى والثانية والذي كشف الأدوار والمواقف والنوايا لجميع الأطراف ، ( وقد تحدّثت عن ذلك في مقال سابق ) وقد أثبتت جولتا المؤتمر بأنّ الظروف لم تنضج بعد لإيجاد حلّ سياسيّ قابل للتطبيق .. فعاد طرفا الصراع للتصعيد ، واللهث وراء وهم الانتصار ، وتحسين الأوراق وتثبيت وقائع على الأرض قبل جنيڤ ٣ الموعود ، فكانت معركة يبرود وملحقاتها ، ومعارك الغوطة ومصالحاتها ، وفتح جبهة كسب وحساسياتها ، وكان آخرها صفقة خروج المسلّحين من ركام حمص القديمة وانعكاساتها الهامّة المحتملة ، دون إن ننسى الصراعات الداخلية بين المجموعات المسلّحة المتطرّفة وغير المتطرّفه وتدفّق الإرهابيين والتكفيريين إلى الساحة السورية وتزايد خطرهم هناك ، وبروز مخاطرهم اللاحقة على أمن دول الغرب والمنطقة … ولكنّ فتح جبهة أوكرانيا في وجه الروس أنهى شهر العسل بين الكرملين والبيت الأبيض خلال النصف الثاني من عام ٢٠١٣ .. وتحوّل وهم التفاهم إلى حرب باردة ذات هبّات ساخنة ممّا لفّ الأزمة السورية بسحابة داكنة ، برز تحت ظلالها العامل الإسرائيلي بصورة فاقعة تلمّعها تصريحات لبوانيّة خيانيّة ، وتطبيع ميداني تحت يافطات إنسانية كاذبة من خلال معالجة مئات الجرحى من المسلّحين السوريين في مستشفياتها والمتاجرة بها ، وتقديم دعم مادي ولوجستي وفنّي ، وتزايد فرص إمكانيّة قيام شريط حدودي يحاكي شريط جنوب لبنان اللحدي العميل …
الآفاق المحتملة :
أوّلاً : بالنسبة للحل السياسي .
كنّا ولا نزال وسنبقى من أنصار الحلّ السياسي الذي يضع سورية على سكّة التغيير الوطني الديمقراطي ، وفقاً لإرادة وخيارات الشعب السوري الحرّة ، وضدّ العسكرة والتدخلات الخارجية بكلّ أشكالها ومشاربها .. وهنا نريد توضيح الظروف المحتملة لصيرورة الصراع ، وإمكانية تنفيذ الحلّ السياسي وفقاً للاحتمالات التالية :
ا – عندما ترجح كفّة النظام في الحرب المجنونة بشكل ثابت ومتصاعد، ( وهناك مؤشّرات ميدانية على ذلك ) ستعمل أمريكا والاتحاد الأوربي للدعوة إلى جنيڤ ٣ أو أكثر ، والطلب من حلفاء النظام على الصعيد الدولي للمشاركة فيه لتوفير الإرادة الدولية الحازمة لفرض الحلّ السياسي المرتكز على تفاهمات جنيف ١ وقرار مجلس الأمن الذي استوعبه ، أو استصدار قرار جديد من مجلس الأمن ومتابعة تنفيذه بصرامة ، وحسب تقديرنا أنّ الروس والإيرانيين سيستجيبون للدعوة الأمريكية ، لأنّ الملفّ السوري صار عبئاً عليهما ، وهما يرغبان بمشاركة فعّالة للمعارضة في البحث عن حلّ للأزمة ، والاشتراك في الحكومة ، .. وفي الوقت نفسه ، ستقوم الأطراف الدولية بالضغط على أطراف الصراع من أجل الاستجابة للإجماع الدولي .. وفي هذه الحالة من المتعذّر فرض شروط تمنع بشّار الأسد من الترشّح مرّة جديدة في ظل فترة انتقالية تقودها حكومة مشكّلة من المعارضة والنظام ، ومخوّلة بصلاحيات تنفيذية كاملة… وهنا ، لابدّ من القول : إنّ الانتخابات الرئاسية في سوريّة في حزيران القادم لن تغيّر من مجرى الأمور بشيء جوهري ، لأنّها تحصيل حاصل ، ونتائجها معروفة سلفاً .
ب – عندما ترجح كفّة المجموعات المسلّحة ستدعو روسيا والصين وإيران إلى جنيڤ ٣ والطلب من داعمي تلك المجموعات المشاركة فيه ، غير أنّ استجابة أمريكا وحلفائها مستبعدة في هذه الحالة ، لا بل قد تزيد من دعمها العسكري والسياسي للتشكيلات المسلّحة ، والإئتلاف .. وفي حال الاستجابة ، لن يكون لبشار الأسد دور في الترشيح مرّة ثانية ، ولا حتى في المرحلة الانتقالية .. ويجب أن لا نغفل احتمالاً آخر وهو ، أن تقوم أمريكا وحلفاؤها بوقف الدعم عن المجموعات المسلحة من أجل مدّ الحرب المجنونة لسنوات أخرى لاستكمال تدمير سورية وهذه هي الوصفة المنشودة صهيونيّاً …
ج – عند حدوث اتفاق أمريكي – روسي على جملة من التفاهمات حول العديد من المسائل الدوليّة سيكون الملفّ السوري من ضمنها ، وفي هذه الحالة سيصبح الحلّ السياسي أيسر منالاً ، وأسرع تنفيذاً …
ثانياً : استمرار الحرب المجنونة
– في حال استمرار الاستعصاء ، أو تحسين أوراق هذا الطرف أو ذاك ببطء ، فالاحتمال الأكبر هو استمرار الدعم الأمريكي وحلفائها للمجموعات المسلّحة بشكل محسوب ودقيق بحيث يبقى في حدود تأمين استمرار تغذية الحرب لأمد طويل .. وهذا النهج هو المفضّل إسرائيليّاً ، وقد اُستخدِم أبّان الحرب العراقية – الإيرانية حيث كان يتم دعم الطرف الذي يخسر في هذه المعركة أو تلك بالوسائل التي تجعله يستمر في الحرب من أجل ضمان ديمومتها واستنزاف وتدمير قدرات كلّ من العراق وإيران في وقت واحد ..
وبهذه المناسبة ، فإنّ الهدية الديبلوماسية الأمريكية للجربا أثناء زيارته الأخيرة لواشنطن ليست إلّا جائزة ترضية تغطّي الرفض الأمريكي لتزويد / الجيش السوري الحرّ / بصواريخ مضادّة للطائرات حتى الآن .. وهنا لا نستبعد تقديم مثل هذه الصواريخ في فترة لاحقة ولكن قد تكون أطقمها من جيوش خليجية أو أجنبية ، ومكلّفة بمهام خاصّة ومؤقتة ، ومن أماكن قريبة من الحدود السورية أو من داخلها والعودة بعد استخدامها ..
أو تزويد بعض المجموعات المسلّحة بعدد قليل منها وتحت إشراف مجموعات خاصة تابعة لمخابرات دول خليجية أو أجنبية ..
وعلى كلّ حال ، فإنّ آفاق الحلّ السياسي في سورية بعيدة المنال في ظلّ التنافر الأمريكي – الروسي وخاصة بعد تفجّر الأزمة الأوكرانية … بينما المخطط الأمريكي – الأوربي – الصهيوني الراهن هو تحويل سورية إلى محرقة للمتطرفين الإرهابيين التكفيريين من جنسيات غربية أو غيرها ، والتضييق على إمكانيّة عودتهم إلى بلدانهم ، وفي الوقت نفسه ، ضمان استمرار استنزاف طاقات سورية وحلفائها إلى أمد طويل دون أن يكلّفهم ذلك جندياً واحداً ، وتأجيج الصراع المذهبي والطائفي البغيض في سورية والمنطقة لإبقاء الأقطار العربية غارقة في دوامة العنف وعدم الاستقرار والتقوقع القطري ، وما ينجم عن ذلك كلّه من معاناة وقتل ودمار ..
– وأخيراً نقول لعشّاق السيناريو الليبي ، والاستنجاد بالناتو أو بتركيا و( إسرائيل ) وبشكل منفرد ، أفيقوا من وهمكم الخاطئ أصلاً فهذا مستبعد بكلّ المقاييس ، ومٓن يراهن على المجموعات المسلّحة بكافة تسمياتها فواقعها الحقيقي معروف جيّداً لديكم ، وأفكارها ومنطلقاتها وأهدافها وممارساتها مكشوفة لناظريكم … ولا خياراً سوى الحلّ السياسي على الرغم من بعض جوانبه السلبية المحتملة ، وهذا الخيار له متطلبّاته من قِبٓل جميع الذين يرون فيها طريقاً ، وأوّلها عقد مؤتمر وطني يضمّ كلّ الذين يؤمنون به ، وتوحيد جهود المعارضة ، ورؤيتها السياسية ، وبرنامجها للحلّ ، واختيار ممثليها الجديرين بهذه المسؤولية ، وعندئذ ستصبح مركز الاستقطاب الداخلي والعربي والدولي الذي يمثّل عن حق وجدارة شعبنا الذي تلظّى بنار الاستبداد والفساد من جهة ، وبنار العسكرة وممارسات الفكر الإرهابي التكفيري من جهة ثانية … وشعبنا لن يرحم أحداً عند ساعة الحساب الديمقراطي المنشود …

التصنيفات : المقالات

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: