حكاية الموت والحياة.. بين دير الزور والرقة

طارق العبد  السفير اللبنانية  “

لا وصف دقيقاً للحياة في شرق سوريا، وتحديداً في دير الزور والرقة. فبعدما كانت هاتان المنطقتان منسيتين على مدى عقود طويلة، فقد عادتا اليوم لتحتلا رأس الأولويات بالنسبة إلى عشرات المجموعات 10364308_651525441594549_1668193248_nالمسلحة في البلاد، لسبب وحيد، وهو الطمع بالنفط، ليدفع السكان ثمن الصراعات والاقتتال الذي يتغطى برايات شتى.

دير الزور: حقول النفط والقمح والحرب

الرصاص والمعارك هي الحاكم الأول والأخير في محافظة دير الزور، التي تُعدّ ثاني أكبر المحافظات في سوريا، فالاشتباكات هي العامل الأساسي المتحكم بالطرق الواصلة إلى المدينة، سواء عبر البادية أو من جهة الرقة، وأحياناً قد يستغرق الطريق من دمشق إليها أكثر من 24 ساعة، مع تعدّد الممرات الفرعية وتحكم الفصائل، وعلى رأسها تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش)، بالحركة من المنطقة واليها.
الكهرباء زائر غريب لم يعد يدخل المدينة إلا بضع ساعات في اليوم، هذا إن توفرت في الأصل، فيما تكفي مواجهة بين «داعش» وأي فصيل لضرب أنابيب الغاز (سيطر التنظيم قبل يومين على حقل كونيكو للغاز). ويؤدي انقطاع التيار الكهربائي إلى انقطاع الماء بطبيعة الحال، لتكتمل المفارقة في أرض الفرات. وللمياه حكاية أخرى تتعلق بمجرى النهر الذي يُعدّ شريان الحياة في المنطقة ككل.
ولكن رغم كل هذا، ما زالت الحياة مستمرّة في دير الزور، سواء في الأحياء الخاضعة لسلطة الدولة، أو تلك التي باتت في قبضة المسلحين، فالمدارس ما زالت تعمل، ومعها الجامعة الحكومية، وكذلك حال الطبابة، برغم النقص الحاد في عدد الأطباء والمستشفيات مع الهجرة المستمرة وتراجع الدعم الصحي.
وانتقل الكثير من المواطنين، الذين تعرّضت مناطقهم إلى دمار كبير، مثل الرشدية والجبيلة وجزء من الحويقة، إلى أحياء الجورة والقصور والموظفين، مفضلين الاستقرار في مواقع أكثر أمناً. وهناك من قرر العودة إلى «دير الرمان»، وهو اسم المدينة في القرن الثالث عشر، بعد الاستقرار مؤقتاً في الرقة أو في الريف، وذلك على خلفية المواجهات بين الفصائل في المنطقة.
المشهد في الريف يبدو أكثر صعوبة بحكم التوتر المستمر وحروب الفصائل التي باتت تحشد أكثر فأكثر في مواجهة «داعش» مع النداءات المستمرة لـ«الهيئات الشرعية» للتصدي للتنظيم المتشدد، الذي يطوق المدينة ويهاجم قرى في ريفها.

الرقة: حين تذبح المدن بصمت

إذا كان حال دير الزور سيئاً، فالرقة تبدو في وضع أكثر مأساوية، مع الديكتاتورية المفرطة التي يتحكم «داعش» عبرها بما يزيد عن مليون شخص.
الخدمات تبدو غائبة، وأولها المياه مع تراجع منسوب نهر الفرات وهو ما يعزوه البعض إلى دور تركي، على اعتبار أن لأنقرة عدداً من السدود على النهر قبل دخوله الأراضي السورية، وهو ما انعكس على الريف والمدينة معاً، بالإضافة إلى انقطاع الكهرباء والماء في معظم الأوقات.
وبرغم غياب المعارك مؤخراً عن المنطقة، إلا أن أصوات التفجيرات تخترق صمت الرقة، لكنها ليست بين المجموعات المسلحة، بل لنسف ما لا يعجب «الأمير»، من مبانٍ حكومية إلى مقامات دينية، وحتى النصب التذكارية.
وأغلقت معظم الكليات التابعة للجامعة الحكومية أو الخاصة، فيما يتحكم «داعش» بالمدارس، يقتحم إحداها لاعتقال أي معلم أو تلميذ لأي سبب.
أما الكارثة الأكبر، فهي في القطاع الصحي. ويقول ناشطون في المدينة إن معظم الجهات الدولية أوقفت دعمها إثر سيطرة «داعش» على المنطقة، وهو أمر انسحب على مختلف العمليات الإغاثية، ليسجل وفاة أكثر من 80 شخصاً بسبب نقص المواد الطبية والمعدات، مقابل تزايد أعداد المرضى.
والى جانب كل هذا تعمل السلطة الأمنية على توقيف واعتقال أي شخص بتهم، تبدأ من فتح المحال خلال أوقات الصلاة، إلى عدم تسديد الضرائب، وأحياناً يكفي عدم رضا مسلح من «داعش» عن تسريحة شعر أحدهم. ويقوم بهذه المهمة أفراد وهيئات، غالبيتها الساحقة من «المهاجرين»، حيث تدفع لهم ولمقاتلي التنظيم كافة رواتب عالية ومخصصات غذائية يومية. ويقول ناشطون إنه بات على كل من يملك أكثر من بيت إخلاء أحدها لمصلحة «المهاجرين».
وترافق هؤلاء ماكينة إعلامية يومية ترصد مقاتلي «داعش»، وتنشر بشكل مستمر صوراً لهم ولمدراس خاصة لتعليم الشريعة، وحتى تجنيد الأطفال، بينما بات تنفيذ أحكام الإعدام في الساحات العامة أمراً متوقعاً، وتحت أي تهمة كانت، مع صلب المحكوم لثلاثة أيام أمام الناس.
المفارقة الأكبر بالنسبة للرقاويين هي أنهم أصبحوا مغيبين تماماً، فلم تعد المحافظة تتصدر واجهة الاهتمام، إلا لتقصي أخبار التنظيم، وهو ما دفع ناشطين في المنطقة الى إطلاق حملة عبر مواقع التواصل الاجتماعي بعنوان «الرقة تُذبَح بصمت»، في محاولة لإيصال صوت المدينة وممارسات «الدولة الإسلامية»، الذي ردّ بهجوم مضادٍ في العالم الافتراضي وملاحقات يتعرّض لها القائمون على الحملة، بالإضافة إلى استهداف أي ناشط صحافي أو متعاون مع وسائل الإعلام، وآخرهم مراسل لـ«شبكة شام الإخبارية» تم إعدامه في تل أبيض شمال الرقة.

التصنيفات : المقالات

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: