الجزيرة السورية: شبه دولة وبقايا نظام 2-3

المجلس التشريعي والتنفيذي في الجزيرة

نبراس دلول 

خاص- موقع هيئة التنسيق الوطنية

 إنها عامودا, المدينة الصغيرة التي لاتبعد عن القامشلي إلا عشرين كيلومتر والتي بدورها لاتبعد كثيراً عن السياج الحدودي بين تركيا وسوريا. كانت لزيارة عامودا اهمية خاصة مهنياً ونفسياً, فهذه المدينة الصغيرة كانت مرافقة لعقلية اليسار السوري تاريخياً, حيث يصعب عليك أن تتخيل أن حزباً يسارياً سورياً ليس له إمتداد في عامودا. أما مهنياً, فأهمية الزيارة تكمن في أن المدينة تحتوي على مقري المجلسين التشريعي والتنفيذي لمقاطعة الجزيرة التابعة للإدارة الذاتية.

 يقع المجلسين في حارات قديمة ضمن المدينة, حيث البيوت الطينية هي السمة الغالبة للطراز المعماري, وهذه بالمناسبة ظاهرة واضحة في عموم منطقة الجزيرة. يقف على باب المجلسين عدد من قوات الأسايش من الجنسين والذين لايحملون سوى بنادق ألية من نوع كلاشنيكوف.

حاولت الحديث والإقتراب من هؤلاء الحراس بهدف إستطلاع سلوكهم ليتبين لي وراء الوجوه الكالحة ود حقيقي كان عصياً على حمل السلاح ان يقضي عليه!

إحدى الفتيات من الحراس كانت واقفة الى جانب زميلتها وبعضاً من الأناقة تبدو عليها, على عكس ماشاهدناه عموماً, بادرتها بالسؤال: هل تعملين هنا منذ زمن؟ فأجابتني بعربية ركيكة: أجل. أردفت: هل تستمتعين بعملك وهل أنت قادرة على حماية المكان؟ فأجابت: أستمتع كثيراً فهذا واجب كل مجب لروج أفا.. نعم أنا قادرة برفقة زميلاتي وزملائي الواقفين هناك.

 المجلس التشريعي في الجزيرةدخلنا الى مقر المجلسين والذي كان فيما سبق مركزاً ثقافياً قام القائمون على الإدارة الذاتية بتحويله الى مقر للمجلسين, فالمجلس التنفيذي يحتل الطابق الأرضي منه في حين أن المجلس التشريعي يشغل الطابق الثاني.

في الردهة المؤدية الى المجلس التنفيذي كان هناك لوحة إعلانات ومثبت عليها ثلاثة قرارات إدارية مكتوبة باللغة العربية مما يشعر المرء أن العمل قائم وليس محض إدارة ذاتية على الورق!

 بعد الترحيب بنا, قام المستقبلون بقيادتنا الى صالون الإستقبال ليبدء شيئاً فشيئاً دخول المضيفين للترحيب بنا والجلوس الينا والى أرائنا. كان من بين المستقبلين والمضيفين رئيس المجلس التنفيذي في مقاطعة الجزيرة أكرم حسو, وهو من المستقلين حزبياً والذي تبدو عليه ملامح الأناقة والهدوء في الحديث كما أن صورته الجانبية تشبه كثيراً أنديرسون كووبر مقدم البرامج في CNN, بالإضافة الى نائبته السيدة إاليزابيث كورية, وهي سيدة أربعينية تنتمي الى القومية السريانية. كان من الملفت للنظر أن يكون بقية رؤساء الهيئات ونوابهم ينتمون في غالبيتهم الى فئة الشباب, حيث أن معظمهم لم يتجاوزا مرحلة العشرينيات, وهذا الأمر يندر حدوثه في منطقة الشرق الأوسط خصوصاً والعالم عموماً.

كان وجود فئة الشباب هذه في مراكز قيادية بهذا المستوى أمر مشجع و(). وبالفعل, فقد ساهمت هذه الفئة الشابة في إذابة الكثير من الثلوج التي تراكمت مع القيادات الأكبر سناً.

يحتوي المجلس التنفيذي في مقاطعة الجزيرة على 22 هيئة وقد شارك رؤساء بعضها في استقبالنا وهم, وكما ذكرنا, من فئة الشباب بينهم: محمد عيسى رئيس هيئة الشباب والرياضة الذي حضر برفقة وكيلته الانسة همرين علي سلو, وينسب إسمها الى جبل في شمال العراق, بالإضافة الى طلال محمد رئيس هيئة الإتصالات وجوان محمد رئيس مكتب الإعلام ودلوفان سلو وكيل هيئة الشباب.

 تتميز تقاليد العمل لدى الإدارة الذاتية بضرورة الرئاسة المشتركة لكافة المناصب القيادية, بحيث يتوجب ان يكون هناك رئيسان رجل وإمرأة, وهذا مبدأ لم نرى أي حياد عنه في كافة الهيئات التي زرناها.

تستمد الإدارة هذا المبدأ من الإرث الاوجلاني حيث ان حزب الاتحاد الديمقراطي يعد امتداداً سورياً لحزب العمال الكردستاني PKK  والمعروف عنه جهوده الواضحة في محاربة التمييز على أساس الجندر.

 من حديثنا مع رئيس المجلس التنفيذي وبعض رؤساء الهيئات, تبين لنا ان المجلس يسير شيئاً فشيئاً نحو إدارة كافة موارد المنطقة. وهو يقوم بذلك بخطوات بطيئة في بعض الميادين وبوتيرة أسرع في ميادين معينة لعل ألمن والحماية أهمها.

يشرف المجلس التنفيذي على الكثير من المدارس, وقد قام مؤخراً بفرض تعليم اللغة الكردية في الصفوف الانتقالية ويتجه نحو فرض السريانية أيضاً. كما وجه المجلس التنفيذي الى هيئة التنشئة والتعليم ليصار الى تعديل بعض المناهج كالتاريخ والجغرافيا وتغيير مادة التربية القومية تغييراً جذرياً.

يعلم المجلس التنفيذي أنه يستطيع الإشراف على العملية التعليمية طالما أنها لصفوف انتقالية, لذلك فقد قام بتحييد شهادة التعليم الأساسي وشهادة البكالوريا عن ان تكونا ضمن ملعبه, حيث أنه يقدّر أنه لايستطيع إصدار شهادات للثانوية تؤهل الطلاب الدخول في الجامعات السورية منها أو الأجنبية.

وكما في منشأة الإنتاج, فلازالت الحكومة المركزية في دمشق مسؤولة عن توفير رواتب لموظفي السلك التعليمي, بينما تتكفل الإدارة الذاتية تقديم رواتب عن كل التغييرات التي أحدثتها هي كرواتب مدرسي اللغة الكردية وبعض التكنوقراط الذين عينتهم بدورها.

 الى الأن, تحاول الإدارة الذاتية ممثلة بمجلسها التنفيذي تقديم الخدمات ورعايتها, إلا أن هناك دراسة لمشاريع تتعلق بفرض الضرائب ونوعيتها. علماً أن الإداة الذاتية تقوم حالياً, وكما أبلغنا مواطنون عاديون, بتحصيل ضرائب تتعلق بالنظافة العامة وحماية الأسواق والبيوتات.

ففي جولة ميدانية في مدينة القامشلي, أخبرنا بعض المواطنين أن المجلس التنفيذي للإدارة الذاتية يقوم بفرض رسوم حراسة شهرية تتراوح بين 150-300 ليرة سورية. كما يقومون بفرض ضريبة نظافة تتراوح بين 100- 200 ليرة سورية شهرياً.

المواطنون, قالوا وبتذمر واضح على هذا الموضوع, أن النظام في دمشق لازال هو من يدفع رواتب موظفي البلديات وأن بعض أعمال النظافة التي تقوم بها الادارة الذاتية ,ممثلة بهيئة البلديات, تكون بأليات وعتاد محسوبة على وزارة الأدارة المحلية في سوريا!!

 نتجه صعوداً الى حيث المجلس التشريعي للمقاطعة, وهناك نجد في استقبالنا كل من رئيسيه الأستاذ حكم خلو والسيدة نظيرة كورية. بداية اللقاء كانت حميمية, حيث أن معرفةً سابقةً مع الأستاذ حكم كانت قد حصلت بداية شهر تشرين الأول من العام الماضي أثناء زيارته لدمشق.حكم خلو ونظيرة كورية

لقد صادفت زيارتنا للمجلس التشريعي  في نفس الأسبوع الذي صدر فيه قانون الأحزاب, وهو أمر كان من الاهمية بمكان. فلقد لمسنا في القانون , المعدل بطبيعة الحال, بعض البنود التي تتحدث بالسماح بتشكيل وعمل الأحزاب السياسية ولكن وفق روحية ومواد عاشرناها طوال نصف قرن, من مثل: إلا تلك العابثة بأمن الوطن والواهنة لنفسية الأمة!!

 تحدثنا مطولاً مع رئيسي المجلس وتبادلنا أطراف السؤال والجواب ليتبين لنا أن المجلس التشريعي, والبالغ عدد أعضائه ثمانون عضواً, لايزال معيناً تعييناً!! هنا, وبطبيعة الحال, سألنا عن موعد الإنتخابات التشريعية التي ستحول المجلس الى مجلس منتخب.. فكان الجواب: ستة أشهر كحد أقصى.

بينما كنا نستمع الى هذا الحديث, قبل هذا الجواب أو بعده لم تسعفني الذاكرة, ظهر خبر عاجل على شاشة قناة العربية حيث كان التلفزيون مولفاً عليها.. ومفاد الخبر: بشار الأسد يقدم اوراق ترشحه للرئاسة السورية.

لمحت الخبر بطرفة عين, وتوجهت بعدها بالسؤال: هل انتخاباتكم شرعية؟ بمعنى هل هناك وجود إجماع شعبي على هذا الموضوع؟.

الجواب كان نعم, هناك إجماع.

ولكن ماذا عن الاحزاب المعارضة من مجلس وطني كردي وغيره؟ تسائلت.

الجواب التقليدي تلقفته من فحوى الزيارة عموماً, أن لكل مشروع معارضيه وبدل أن انظر الى المجلس الوطني الكردي والأحزاب الأخرى لماذا لا انظر الى المؤيدين وعلى رأسهم أحزاب قومية كالاتحاد السرياني بالاضافة الى تجمعات عربية وكردية اخرى موافقة ومشاركة.

لاشك أن الحديث حول هذه النقطة استدعى بشكل سريع استعراض الأستاذ حكم, وهو متمكن من الإسهاب في الشرح ولديه إمكانية حقيقية للبروباغندا تجذب المستمع خصوصاً أنها تخرج من حبال صوتية رخمة يحسد على امتلاكها, الحريات الحزبية التي تتمتع بها بقية القوى, وتحديداً الكردية منها, المعارضة للإدارة الذاتية.. وهذا ما لمسناه وعايشناه وكان صادقاً به.

ففي كافة المدن التي زرناها, وخصوصاً في مدينة الدرباسية التي تقع الى غرب مدينة عامودا, كانت جميع الأحزاب الكردية تقريباً لها مقراتها العلنية ولها نشاطها الواضح بين الناس, إلا انها جميعاً تشتكي من التهميش ومن أحادية التفكير والممارسة من قبل حزب البايادا.

تعود إشكالية العلاقة بين البايادا وبقية الأطراف الكردية الى صيف العام 2011 عندما تم تأسيس المجلس الوطني السوري , بحيث توجهت اغلب الاحزاب الكردية للانضمام اليه في حين بقي حزب البايدا الى جانب الحزب الديمقراطي الكردي السوري وحيدين في هيئة التنسيق الوطنية التي سبق تأسيسها تأسيس المجلس الوطني السوري بعدة أشهر, ويمكن هنا سحب مابين هيئة التنسيق والمجلس الوطني السوري ( وبعده الإئتلاف) الى الجانب الكردي لنفهم كل الخلافات فيما بين الاحزاب الكردية- الكردية!!

في عام 2012 قررت الأحزاب الكردية التوحد فيما بينها والخروج من ثنائية هيئة التنسيق-المجلس الوطني السوري, فعملت جميعها على تأسيس ماعرف لاحقاً بالهيئة الكردية العليا والتي جمعت المجلس الوطني الكردي الى جانب مجلس شعب غربي كردستان المشكل أساساً من حزب البايادا. حدث التوحد بناء على اتفاقية هولير والتي وقعتها الاطراف الكردية متضمنة خمسة بنود يدعو أحدها الى مناقشة بينية حول كل مايتعلق بالإدارة الذاتية.

المجلس المحلي في الدرباسيةينفي المجلس الوطني الكردي, على لسان ممثليه في الدرباسية, قيام البايادا بمناقشة هذا البند للوصول الى نقطة سواء. و بحسب الدكتور علي, وهو شاب ثلاثيني وسيم وهادئ ويتواجد بشكل دائم في مقر المجلس المحلي لمدينة الدرباسية التابع للمجلس الوطني الكردي, فإن البايادا عمل ويعمل على إقصاء كافة الأطراف السياسية في المنطقة عن المشاركة في الإدارة الذاتية إلا وفق هواه وتبعاً لسياسته.

إن موضوع الادارة الذاتية, بالنسبة لسوري أت من العمق وتحديداً من دمشق, يعني البحث عن جواب لسؤال: هل سوريا ستتجزأ ام لا؟ وموضوع المعارضة الكردية بالنسبة لنا كانت محكاً. ففي عموم سوريا, تتناقل وسائل الاعلام بالاضافة الى الاحزاب المعارضة للبايادا أخباراً متواصلة عن مشروع الادارة الذاتية الانفصالي ويستدلون على لاشرعيته من خلال الاحزاب الكردية المعارضة له… وهنا كانت الصدمة!!

فالأحزاب الكردية المعارضة للادارة الذاتية لاتعارضها بذاتها بل تعارض تحييدها عنه! وحتى المعارضة بذاتها فإنها موجودة, حيث أن مأخذ تلك الاحزاب على البايادا والادارة الذاتية هو أنه يربط المنطقة بشكل او اخر بالعمق السوري والجغرافيا السورية عموماَ, في حين أن مشروعهم يتطلب إعلان الفيدرالية وليس ادارة ذاتية للمناطق!! وهذا ماتبناه رسمياً المجلس الوطني  الكردي في مؤتمره الثاني في عام 2012.( المؤتمر الأول التأسيسي كان في 26-10-2011).

على عكس ماوجدناه عند جمهور الإدارة الذاتية, فقد لمسنا عند جمهور المجلس الوطني الكردي نفساً قومياً فيه الكثير من الإنعزالية. ففي المجلس المحلي , المطلي بالأبيض والمزود بجهاز صغير لتوليد الطاقة الكهربائية من خلال الخلايا الشمسية, تم تحميل العرب عموماً, كشعب, المسؤولية عن مصائب الكرد كقومية!.

هنا, كان من حسن الحظ أن الأنباء كانت لازالت تتوارد عن قيام حكومة البرازاني في العراق بحفر خندق يفصل مابين أكراد سوريا وأكراد العراق, مما سمح لنا بالاستدلال بذلك للقول: أن المشكلة دائماً وأبداً هي مع السلطة, أينما وجدت, وليست مع شعب.

بعد انقضاء ثلاثة أيام من زيارتنا الميدانية, كان واضحاً للجميع دور محامي الشيطان الذي لعبناه بغية الوقوف على حقيقة المواقف والوقائع في الجزيرة السورية, وقد تبين لاحقاً ان هذا الدور كان ناجحاً في مخرجاته. فحين تكون في ضيافة الادارة الذاتية لايمكنك إلا ان تسلط الضوء على كل مايتعلق بالحريات العامة وانتهاكها بالاضافة الى كل مايتعلق بالإخلال في ممارسة السلطة. أما وانك ضيف على المجلس الوطني الكردي فإن من واجبك, في طريق كشفك للحقيقة, أن تطالبهم بما عندهم من وثائق حول انتهاكات الادارة الذاتية بالاضافة الى تبين رأيهم وسياستهم من قيام اليابغا بالدفاع عن المنطقة في وجه داعش والنصرة.. أي من حمايتهم وبيوتهم.

يتألف المجلس الوطني الكردي من 10 احزاب, أربعة منها توحدت مؤخراً تحت إسم الحزب الديمقراطي الكردستاني- سوريا, وقد تسنى لنا زيارة مقرين لحزبين منهما. الحزب الأول, وهو حزب البارتي, يقع في قلب مدينة الدرباسية ضمن بيت قديم الطراز جدرانه سميكة, كعادة المعمار في تلك المنطقة, ويديره الأستاذ أحمد سينو وهو عضو المكتب السياسي في الحزب.

إستقبلنا الأستاذ سينو ومن معه بود ورحابة صدر. وكالعادة, تناولنا موقفهم من موضوع الادارة الذاتية بالاضافة الى أننا طلبنا توثيقاً بانتهاكات اليابغا والاسايش ليصار الى مواجهة الادارة الذاتية بها, إلا أن الأستاذ سينو, وبعد أن انتبه الى أن لاوجود لأسماء بالحجم الذي تصوره وسائل الاعلام,  قام باختصار الحديث والقول ان موقفهم ثابت بوجود معتقلين لدى الادارة الذاتية أم بدونه, فهم, ضد البايادا من حيث المبدأ لأنه لايسمح لهم بالمشاركة ويريد تمرير أجندته الحزبية الخاصة على حساب بقية الأطراف.

إنه الليل, ليل الدرباسية المشحون بالسياسة حيث المقرات الحزبية تمتلئ بالمؤيدين والمنتسبين لها, وحيث يمكنك مساهرة النسائم النيسانية مع بضعة ناشطين في مقر علني تتجول أعينهم بينك وبين شاشة التلفاز المثبتة جميعها على القنوات الإخبارية من كردية وعربية. إنها الحرية كما لم تشعر بها في بقية المناطق السورية.

مع ذاك الليل, سهرنا بصحبة أعضاء الحزب الديمقراطي الكردستاني- سوريا في مقرهم المطل على شارع عام, والذي ,على مايبدو, قد كان في السابق كافيهاً عصرياً كما توحي بقاياه وخصوصاً ألوان الجدران البرتقالية والكراسي بالاضافة الى نوعية شاشات التلفزة وطريقة تثبيتها على الجدران والسقوف.

كان اللقاء مناسبة لتهنئتهم بالاندماج الذي حققوه, فهذا الحزب ولد في السادس من نيسان 2014 عقب اتفاق اربعة احزاب على الخطوة وهي: حزب البارتي ( جناح عبدالحكيم بشار)- حزب ازادي جناح مصطفى جمعة- حزب ازادي جناح مصطفى اوسو- حزب يكيتي الذي يرأسه عبد الباسط حمو.

يؤخذ على الحزب الديمقراطي الكردستاني- سوريا أنه ليس بالجماهيرية التي يصور نفسه بها وتساعده على ذلك وسائل إعلام معينة. خصوم الحزب يشيرون دوماً الى عشائريته واعتماده على الولاءات العائلية, ويدلل الخصوم على ذلك من الخريطة الديمغرافية للقيادة ال 51 التي نتجت عن الإندماج  والتي كانت كالتالي: 34 شخص من المالكية ( منهم 17 من قرية واحدة)- خمسة نساء- شخص واحد من كوباني, بينما لم يسجل فوز ولا واحد من عفرين.البارتي

بعد ذلك, ولساعتين تقريباً, تم الحديث عن الاشكاليات ومعوقات اقامة علاقات تعاون بين الحزب من جهة والادارة الذاتية من جهة اخرى. هنا, يرفض الناس الغدارة الذاتية من نفس المنطلقات التي يتحدث عنها المجلس الوطني الكردي. أحد الشباب المؤيدين, وربما المنتسبين, للحزب أبدى تهجمه الواضح والشرس على الادارة الذاتية, فبالنسبة له ولبعض المتحدثين الأخرين الذين شاركوه رأيه, إن الإدارة الذاتية التي تم اعلانها في 21 -01 -2014 لم يعلنها البايدا بل نظام الرئيس بشار الأسد!!

لحظات صمت وذهول أعقبت هذا الكلام قبل أن نسمع المبررات, والتي خرجت من حنجرة شاب صحفي ذو بنية رياضية ولحية خفيفة وكل مافيه يوحي بعنفوان الشباب واندفاعهم. التبريرات كانت حول عدم قطع الادارة الذاتية لرواتب الموظفين الحكوميين واستمرارية وصولها من الحكومة المركزية في دمشق. أيضاً تم التدليل على هذا الإتهام من خلال عدم وجود أي اشارة لكلمات ( أكراد- كرد- حقوق كردية- هوية كردية..الخ) ضمن ميثاق العقد الإجتماعي الذي اصدرته الإدارة الذاتية والذي يعد بمثابة دستور لها.

بعض الإتهامات الأخرى, كانت صدىً للعداء القائم بين حكومة البرازاني في كردستان العراق من جهة وبين حزب البايادا بقيادة صالح مسلم من جهة اخرى. طبعاً, لم يفاجأنا هذا, فمن المعلوم والواضح العلاقة التي تربط الدكتور عبدالحكيم بشار بالملا مسعود البرازاني والبرازانية بشكل عام, وبين البرازانية والأبوجية خلافات وسوء فهم ونية فيها ما انزل الله من سلطان, وهذا من الناحية التاريخية.

الأصعب في هذا الحديث كان إتهام مضيفينا للبايادا بالعمالة للنظام بسبب عدم قيامه وقوات اليابغا بطرد عرب الغمر من المنطقة!!

الصعوبة, التي اتحدث عنها هنا , كانت بسبب مافهمناه من حلول استئصالية عنصرية لمشاكل قديمة ارتكبتها الحكومات المتعاقبة بحق سكان المنطقة, ولا حرج في ذلك على المواطنين الأخرين الذين اجبروا على ان يكونوا ادوات. هذا في الوقت الذي يصر فيه البايادا وحلفائه, وفق علمنا وما لمسناه على الأقل, على حل مشكلة عرب الغمر ديمقراطياً وعدم الانجرار وراء حلول استئصالية, بل هناك اصرار على التوجه نحو حل شامل يعيد الحقوق الاقتصادية والأهلية دون اللجوء الى التهجير.

عرب الغمر, هم القضية الأهم والأكثر تداولاً لدى الكرد للدلالة على الإقصاء الذي مورس في حقهم منذ الستينيات, وهي تنتقل في ضمير أبناء المنطقة أباً عن جد وأماً عن جدة ومن جيل يرحل الى جيل يطل على مسرح الحياة والتاريخ.

بدأت القصة مطلع الستينيات من القرن الماضي, عندما قامت الحكومات المتعاقبة خلال الستينيات, وعلى رأسها حكومات البعث , بترحيل العرب المقيمين على ضفاف نهر الفرات والذين غمرت أراضيهم بمياه نهر الفرات عقب اشادت سد الفرات ونشوء بحير الأسد خلفه. هؤلاء المواطنين تم تعويضهم من خلال منحهم أراض كانت قد صادرتها قوانين الإصلاح الزراعي بدءاً من الخط الحدودي مع تركيا وباتجاه الجنوب ضمن مايقارب العشرة كيلو مترات.

العشرة كيلومترات هذه تسمى لدى الناس هنا بخط العشرة ,أو الخط المطري , حيث فيه أكثر أراض سوريا خصوبةً وأكثرها كثافةً في إنتاج القمح. وهي نفسها التي كانت قد لفتت نظري وتحدثت عنها وعن جمالها الأخضر وامتدادها فيماسبق.

يروي الأستاذ جمال ملا محمود, وهو من عائلة سياسية ودينية معروفة في الدرباسية, الذي يرأس حالياً الحزب الديمقراطي الكردي السوري, أن هناك حوالي 40 قرية غمر تمتد من المالكية شرقاً الى رأس العين غرباً, أي حوالي 300 كيلومتر وعلى امتداد الخط المطري.

كان ” بطل ” قصة عرب الغمر شخص يدعى محمد طلب هلال, وقد كان محافظاً للحسكة في الستينيات, وهو في الذاكرة الجمعية للكرد بمثابة شوفيني عنصري يجب ان يحاسبه التاريخ, حيث أن مشروعه كان يهدف بالاساس للعبث بديمغرافية المنطقة, هذا عدا عن أنه كان محاولةً للفصل مابين أكراد سوريا واكراد تركيا, وبالتالي العمل مسبقاً على اضمحلال الحلم بكردستان ..الواحدة الموحدة.

ترقبوا في الحلقة القادمة:

السريان ودورهم في الإدارة الذاتية وتطلعاتهم وواقعهم

من هم اليابغا, الأسايش و اليابجا

أين السلطة الرابعة وماهو وضعها؟

كيف يواجه الناس الأزمة الإقتصادية؟

* الأراء الواردة لاتعبر بالضرورة عن رأي وسياسة هيئة التنسيق الوطنية

التصنيفات : مقالات أعضاء وقيادات الهيئة, المقالات, التحقيقات والتقارير

One Comment في “الجزيرة السورية: شبه دولة وبقايا نظام 2-3”

  1. مخلص الخطيب
    2014/05/13 في 11:08 #

    لا تعليق ممكن سوى التأكيد على أن فكرة التقسيم ساكنة في ضمائر إخوتنا الأكراد في منطقة شمال شرقي سوريتنا العربية . للأسف نسوا أنهم احتــُـضنوا من العرب طيلة قرون وقرون ، ونسوا أن العرب رفعوا رؤوسهم بقائد كردي وهو صلاح الدين ، ونسوا أن العرب افتخروا بقائد مناضل كردي اسمه إبراهيم هنانو ، ونسوا أنهم هناك حيث هم قابعون يختلفون باسم اليسار واليمين ، ونسواأو تناسوا أن لهم إخوة سوريين في كافة مناطق سوريا لا يعيرون أهمية لمطالبهم غير الواقعية .
    كم هو مثر معرفة أراضي وحدود دولتهم التاريخية وتاريخ نضالهم من أجل استقلالها من التتر والفرس والرومان والإغريق والبيزنطيين ، ثم من الإسلام العثماني والصليبيين ولاستعمار الغربي الحديث . كم هو مفرح سماع كلمة تجاه العرب كاعتراف بجميل ما فعلوه لإخوتهم الأكراد من زواج مختلط وتدريس في جامعاتهم ومدارسهم وسكن في كل بقاع سوريا .
    يريدون الانفصال أو التقسيم أو الحكم الذاتي أو الفيدرالي وكأنهم سويسريين ، بيد أن العالم سيرفض مطالبهم والسوريون العرب كذلك . فليتصارعوا اليوم كالصبيان مستغلين ومنتهزين ما يحل في سوريا الجريحة ، لكن بعد استقرار الأمور لن يكون لهم سوى صوت ككل أصوات مكونات سوريا ، وستذهب فكرتهم التقسيمية إما هباءً منثوراً أو كراهية بينهم وبين العرب وربما صراع .
    ليت السريان لا يلعبون لعبة الانفصاليين حتى لا يضطروا يوماً المطالبة بانفصال داخل حكم الأكراد الذاتي ، سنتابع دور السريان في الجزء القادم بقلم الصحفي المحترم الأخ نبراس ، لمن أوجه التحية . هذا رأي لا يــُـلزم سواي .
    .

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: