هل علينا أن نُسمع أتباع الائتلاف الحق وقد ولّوا مدبرين!

فلاح جزائري

“رأي اليوم “
 

ismail-alqasmi-alhusny4-400x280هناك من تغيب عنه الحجة فيحتاج لدليل حتى يصوب رأيه، وهناك من تتضارب بين يديه المعطيات وتتناقض أمامه المعلومات، فيبحث عن ميزان يعدم التشويش والضبابية، ويفرز الحقائق فيطرح الغث جانبا، وعلى العموم المسعى هوالوصول الى بناء موقف يستقيم مع الواقع، وينسجم مع شخصية المعني ومكوناتها، لكن هناك من يعمى أويتعامى عن واقع ملموس، لهدف لا علاقة له بالحق والحقيقة، بقدر ما له علاقة بأمر آخر ليس محل بحثنا هنا.

نعم، نحن ندين وبشدة إفراط القيادة السورية في استعمال القوة متى ثبت ذلك، ونوصيها بتحري الدقة في أعمالها العسكرية والحذر والحيطة، ونألم لكل الدم السوري – ولا نعني هنا الأجنبي – الذي سال على أرض الشام في هذه المحنة الحالكة السواد، والمزايدة في هذا الشأن ليست إلا سلوكا سفيها من صاحبه،   ونتمسك بحقوق الشعب المشروعة والموضوعية، لكن لن نعمى ولن نتعامى على كون القيادة السورية عملت جهدها للإصلاح قبل 2011 وأثناء وبعد اندلاع الاحداث، كما لا يمكننا إغفال واقع الصراع مع العدوالاسرائيلي على امتداد عقود، لا يمكننا أن نمحومن الذاكرة استشهاد علماء وقيادات عسكرية سورية، تحت ضربات العدوفي عمليات استخباراتية، لم تكن بداياتها مع الأزمة، هذا العدوالذي لم يفلت قيادات المقاومة في تونس وفي دبي، ليس غريبا عليه استهداف خصمه في سورية؛ نعم نسمع صوت البعض حين ينتقد القيادة السورية على أخطاء وتجاوزات، لكن الأذن الأخرى تسمع كذلك إقرارها بالأمر وعملها الجدي لمعالجته، نعم أرى أن النظام لم يطلق رصاصة واحدة لتحرير الجولان، كما يكرر البعض حد الهذيان، لكن أرى كذلك أنه كان الداعم الرئيسي للمقاومة اللبنانية، التي بفضله حررت جنوبه عام 2000، وعززت ميزان قوى المقاومة الفلسطينية 2009 باعتراف قادتها، بل أرى أخطر من ذلك أنها تمكنت من صناعة حربية خاصة في مجال الصواريخ، تجعلنا نتوقع مستقبلا الكثير.

منذ البداية رأينا بعين الأمم المتحدة تعلن أوائل 2012 بأن عدد الضحايا في سورية قد بلغ 5000 ضحية، لكن بالعين الأخرى رأينا كذلك وفي نفس الوقت، ما نشرته تفصيلا لهذا العدد،  لجنة الاستقصاء الدولية المستقلة الخاصة بسورية والتابعة للأمم المتحدة نفسها، ملخصه :” وصل عدد القتلى في صفوف قوات الشرطة السورية إلى 478، كما وصل عدد الضحايا في صفوف الجيش والقوات الأمنية إلى 2091.” يعني من بين عدد الضحايا الخمسة آلاف، أكثر من النصف هم من الجيش والشرطة؛ طبعا هنا يفسر من ينظر بعين واحدة هذا الواقع الصادم، بأن الجيش الوطني يقتل أبناءه كذلك، وهوما يعني في ذهن صاحبه أنه لابد أن نقتنع بتفسيره، لا يوجد أصلا مسلحين يقتلون بداية 2012، فقط النظام يقتل الشعب ويقتل عناصر الجيش كذلك، وما لم نقتنع بهذا التخريف والهرطقة، فنحن شبيحة ندعم النظام الدكتاتوري. وإن رأينا بعين 5000 ضحية خلال عام وحمّلنا النظام السوري المسؤولية، فنحن نرى بالعين الثانية 4000 ضحية خلال الشهر الماضي، شهر واحد وليس عاما، سقطت في صراع دموي بين داعش والنصرة؛ ومن يرى بعين واحدة يريدنا في مثل هذه الحال، أن نبرر شلال الدماء هذا بكون طرفي الاقتتال مخترقين.

نعم، رأينا بعين كيف قام المسلحون بعرض شريط على موقعهم المعتمد مرجعا، يبرز كيف تمت عملية نسف مشفى الكندي في حلب، أواخر 2013 تحت عنوان عجيب “تحرير”، لكن رأينا بالعين الأخرى منذ تاريخ تدمير مشفى الكندي ليصبح أثرا بعد عين، الى اليوم علاج أكثر من 1600 جريح من هؤلاء المسلحين أنفسهم، في مشافي العدوالاسرائيلي بفلسطين المحتلة؛ ورأينا بعين الدفاع المستميت لرئيس الائتلاف عن جبهة النصرة، في الدار البيضاء ردا على اعتبارها جماعة ارهابية من قبل الحليف الأمريكي، لكن رأينا بالعين الأخرى كذلك اتهام “النصرة” لرئيس ما يسمى بالائتلاف، بسرقة عشرات الملايين من أموال الدعم باسم الشعب السوري.

نعم، رأيت بعين ذلكم الجهد المحموم والحرص من قبل قيادات عربية، على توثيق ما وصفوها بجرائم النظام السوري ضد الانسانية، والعمل دون كلل ولا ملل لتقديم ملفها لمحكمة الجنائية الدولية، عمل لا شك محمود ونشد على أيادي القائمين عليه، لكن رأينا بالعين الأخرى ذات القيادات العربية، سخرت جهدا مضاعفا لتعطيل بل وسحب تقرير غولدستن، حتى لا تتم إدانة قيادات العدوالاسرائيلي، بخصوص جرائمها البشعة ضد الشعب الفلسطيني؛ونعم رأيت كذلك الموقف الحازم لزعماء عرب حيال القيادة السورية، فنكسوا علمها وسحبوا كرسيها وأغلقوا سفاراتها منذ العام الأول للأزمة، وعرّوها من الشرعية ورفضوا بشكل قاطع أي تواصل مع رموزها، موقف جاد يستحق فعلا الاحترام، لكن رأيت بالعين الأخرى نفس الزعماء، يعرضون مبادرة سلام مع العدوالاسرائيلي منذ اثني عشر عاما، عدوأدخل الأمة في أزمة منذ سبعة عقود، يستجدون رضاه ويتواصلون سرا وعلانية مع قياداته، ويدعونها لمؤتمرات رسمية في عواصمهم، بل ويقرون بشرعية وجوده واحتلاله لدولة عربية. سعيا منهم لفتح سفارات العدوفيما تبقى من عواصم عربية، ورفع أعلامه على رؤوس الأمة، نعم هم أنفسهم وليس غيرهم.

نعم لقد رأيت بعين رئيس جهاز استخبارات عربي أواخر 2006/06 يخاطب حضور المنتدى الغربي الأمريكي قائلا: “إن أبرز التحديات التي تواجه بلدي (دولة يبدأ اسمها بحرف…) هي اقناع الفلسطينيين بالتخلي عن العمل المسلح، ويسلكون نهج المهاتما غاندي ومارتن لوثر كينغ”. كنا ندعم هذا الخيار العقلاني جدا جدا، والمتناهي العقلانية للغاية، لولا أن راينا بالعين الأخرى، نفس الشخصية هذه ومنذ عامين ونيف، تعلن رسميا دعمها لتسليح ما يسمى المعارضة السورية، وتعمل على حشد نظرائها للمضي في هذا الخيار،  بل وتسعى لإقناع السوريين وغيرهم من الأجانب عن عدم التخلي عن العمل المسلح، وتقف بقوة في وجه أي مصالحة، وتوبخ حتى حلفاءها إذا تثاقلوا في مد المقاتلين، بأسلحة نوعية تقلب موازين القوى في تصورها.

النظر للأزمة السورية بعين واحدة بقدر ما يدل على الاختلال في بناء رأي سليم، بقدر ما يشي بأن في نفس صاحبه داعية لغير العدل والحق، وقد يقول قائل: ما لعين الكاتب إذن، تغض الطرف عن أخطاء القيادة السورية؟ الجواب في غاية البساطة: على صاحب التساؤل أن يستعرض وسائل الإعلام المقروءة والمرئية، ليكتشف دون لبس مائة ألف عين تحدق حد الجحوظ في أخطاء القيادة السورية. وبالكاد بضعة عيون تتفحص مواقف وسلوك خصومها، الذين ينكرون مكابرة وعلوا ويتولون عنها مدبرين.

“الأراء الواردة لاتعبر بالضرورة عن رأي هيئة التنسيق الوطنية”

التصنيفات : المقالات

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: