هزنا مشهد عودة اهالي حمص المؤثر والمؤلم الى مدينتهم القديمة.. مثلما هزنا خروج المقاتلين منها بكرامة واحترام جراء اتفاق انتصرت فيه الحكمة

” عبد الباري -عطوان رأي اليوم “

atwanok-400x280هزني منظر اهالي مدينة حمص وهم يتدفقون عائدين الى مدينتهم والحي القديم منها على وجه الخصوص، ذلك الحي الذي يجسد تاريخا حضاريا يمتد لآلاف السنوات محفور في كل ثناياه، بعد ان عاد الآمان وتوقفت الاشتباكات، بعد التوصل الى اتفاق بين المقاتلين والمسلحين وجنود النظام وباشراف الامم المتحدة، ادى الى خروج آمن وكريم للمحاصرين طوال العامين الماضيين، والافراج عن اسرى موالين للسلطة وفك حصار عن بلدتين مواليتين.

الآلاف من الحمصيين، رجالا ونساء، شبانا وشيوخا، سافرات ومحجبات، مراهقين ومراهقات، والعديد من الاطفال يتعلقون بثياب امهاتهم، الكل يسير باتجاه واحد، الى قلب حمص، حاملين معهم ما يستطيعون حمله، وحسب الاحتياجات الآنية: قارورات غاز، حقائب ملابس، ثلاجات، بطاطين، مخدات، مراتب قطنية، صناديق خضار والقائمة طويلة يصعب حصرها، لكن لهفة العودة، وفرح الصبايا والشباب لا يمكن عدم ملاحظته.

ولكن هذه اللهفة للعودة الى الحارة او المدينة الوطن وملاعب الصبا، ما كان لها ان تحجب آثار الدمار التي تحيط بالمشهد من كل زواياه، ولا يمكن ان تخطأها العين، بقايا عمارات كانت شامخة في يوم ما تؤشر الى مدينة كانت مزدهرة حتى قبل ثلاث سنوات فقط قبل ان يدمرها القصف بكل انواع الاسلحة.

***

استوقفني ايضا، وبكل الالم، منظر المقاتلين وهم يسلمون اسلحتهم بكل هدوء عند نقطة محددة، لا يقف عندها احد من الطرف الآخر، من كل الاعمار كان بينهم صبي في بدايات سنين المراهقة، يصلح ان يكون ممثلا في شريط سينمائي عالمي من شدة وسامته واعتزازه بنفسه، تجمعوا امام الحافلات في طوابير منظمة، واستقلوها دون ان يكون هناك جندي واحد متأبطين اسلحتهم الفردية، الى منطقة خارجة عن سلطة النظام، مثل الكثير من المناطق في اطراف سورية، بعضهم ربما يفضل الهدوء والسكينة، ولكن معظمهم سينتقلون الى جبهة جديدة، او يلتحقون باخرى قديمة، ويواصلون مهمتهم التي نذروا حياتهم من اجلها اي محاولة اسقاط نظام يستعصي على السقوط.

الاحترام المتبادل كان عنوان هذه الصفقة، التي كانت نشازا في حرب لا يعرف مقاتلوها او معظمهم الرحمة، ولا يلتزمون، او معظمهم بمواثيق الحروب واعرافها، وهذا السلوك يحسب للجانبين ويؤرخ لنموذج مختلف ليته يصبح سنّة، واسلوب تعامل مستقبلي.

احد العائدين الى حمص وقف باكيا من التأثر امام عدسات التلفزة، ولكنه بكاء الفرح، او هكذا فهمت، وبعد برهة نظر نظرة فاحصة الى بيته المدمر، وقال بثقة انهم لا يعرفون الشعب السوري، سنعيد بناءها حجرا حجرا، وستكون ابهى مما كانت، ونحن على ثقة ان هذا الشعب المعروف بارادته القوية لن يعيد بناء حمص فقط وانما كل سورية، ولكن اعادة بناء الانسان السوري سيكون المهمة الاصعب، اعادة بناء قيم المحبة والتعايش والآخاء والاسرة الواحدة جنبا الى جنب مع اعادة بناء الانسان.

لم يرفع المقاتلون المنسحبون علامة النصر من نوافذ حافلاتهم او لم نرهم نحن، ولم نر مظاهر البهجة ايضا على وجه المسؤولين السوريين وهم يدخلون المدينة ويتجولون وسط الانقاض، وهذه ظاهرة اخرى مشرقة وسط هذا الظلام، فالجميع مهزوم ولا منتصر ابدا في هذه الحرب، والشهداء جميعا هم ابناء سورية، وابناء الامة الواحدة والعقيدة الواحدة.

هل نبالغ اذا قلنا ان اتفاق حمص هو مؤشر على عودة الحكمة والتعقل في هذا الصراع الدموي المجنون، ونذهب الى ما هو ابعد من ذلك ونقول ان فرص الحوار مع الطرف الآخر باتت افضل وسط حالة التشنج واقصاء الآخر وعدم الاعتراف به السائدة حاليا.

ربما يتهمنا البعض باننا نكتب بطريقة رومانسية عاطفية عن صراع يمثل النقيض تماما، وهذا ينطوي على بعض الصحة ولكن هل البديل الدموي والاحتكام الى السلاح اعطى نتائج مرجوة في ظل انحسار الاهتمام الدولي والعربي السائدة حاليا، وفي ظل تخلي العرب عن الشعب السوري وتآمرهم عليه وبلاده، واشعال الثورة في بلاده، اي سورية، حتى لا تصل اليهم.

***

سورية باتت مسرح اللامعقول، فمن كان يصدق ان تنظيمين يرفعان راية الاسلام، ويعتنقان ايديولوجية تنظيم القاعدة يخوضان حربا دموية ضد بعضهما البعضن، ومن كان يتصور ان يطلب معارضون سوريون مساعدة اسرائيل وتدخلها لاطاحة نظام ويصفانها بانها دولة صديقة وزعيمة حركة تحرير ولس احتلال، ومن كان يتوقع ان تصل شراسة النظام الى درجة القاء البراميل فوق رؤوس خصومه، ومن كان يتوقع ان يقاتل حزب الله الذي حارب اسرائيل وانتصر عليها وحرر جنوب لبنان في سورية وليس في فلسطين المحتلة؟

نتمنى ان يكون المشهد الحمصي الحالي نقطة ضوء غير وحيدة في نهاية هذا النفق السوري الحالك الظلام.. نعم انها لحظة امل ممزوجة بالالم والحسرة، ولكن من حقنا نحن الذين ننطلق من منطلقات غير طائفية ونحب سورية كل سورية ان نتفاءل ونركز على كل ما هو ايجابي في ظل هذا الكم الهائل من السلبيات.

ندرك جيد اننا نغرد خارج سرب التطرف والتحريض الطائفي الشائع حاليا في المنطقة وسورية على وجه الخصوص، الامر الذي قد يؤدي الى اتهامنا بالعيش في كوكب آخر، فليكن ونرى ان من حقنا ان نحلم بسورية مستقرة متعايشة موحدة متحابة حتى لو كان الحكم غير واقعي في نظر الكثيرين.

“الأراء الواردة لاتعبر بالضرورة عن رأي هيئة التنسيق الوطنية”

التصنيفات : المقالات

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: