ما بعد حمص

“سمير العيطة – السفير اللبنانية”سمير العيطة

يتفق الجميع على أنّ ما جرى في حمص مؤخّراً يشكّل منعطفاً للصراع القائم في سوريا. لكن إلى أين؟
بلغ الحصار على أحياء حمص المركزيّة منذ أشهر شدّة لا تحتمل، بينما ترك أهاليها لمصيرهم. وكان معروفاً أنّها ستسقط عسكريّاً وأنّ الحاضنة الشعبيّة لمقاتليها لم تعد قادرة على التحمّل. في مثل ذلك الواقع، اقترح المبعوث الأمميّ الأخضر الإبراهيمي موضوعاً أساسياً في الجولة الثانية لجنيف 2، بعد أن رأى غياب أيّ توجّه لدى الطرفين كي يتفاوضا حقّاً حول حلّ سياسيّ. لكنّه لم ينجح في إقناعهما بأنّ البداية بحلّ جزئيّ لمدينة برمزيّة حمص يمكن أن يؤسّس لجولة ثالثة من المفاوضات، تلاشى اليوم إمكان عقدها.
واضحٌ أنّه لم يكن للسلطة مصلحة في وضع حصار حمص على أرضيّة السياسة بغطاء أمميّ. فهي ساقطة عسكريّاً، وضمن سوريا «المفيدة» التي يهمين عليها، عدا أنّه لا يسيطر حقّاً على الميليشّيات المواليّة في بعض أحيائها، والتي نقضت عدّة محاولات سابقة للهدنة. لكن يبقى السؤال عمّا إذا كان وضع حمص أوّلأً على طاولة التفاوض في مصلحة وفد المعارضة، مهما كانت درجة تمثيله، أم من مصلحته الإصرار على التفاوض فقط على «جسم الحكم التوافقي (مع السلطة) الكامل الصلاحيات»؟
تطرح الإجابة عن هذا السؤال في صميمها معضلة، ذلك أنّ ما كانت تربحه المعارضة من التفاوض على حمص هو إنسانيّ أكثر من كونه سياسيّا، بل قد يبدو نوعاً من الخسارة السياسيّة لأنّها تكون بذلك قد تخلّت عن هدفها الأوليّ، أي إسقاط النظام.
لكن هل كانت ستخسر حقّاً على المدى الطويل إذا ما قدّمت ما هو إنسانيّ على ما هو سياسيّ؟
في الفترة التي تلت فشل جنيف 2، كان معلوماً أنّ جولات حثيثة من التفاوض دارت على الأرض لإيجاد مخرج للوضع الذي لم يعد محتملاً. تفاوض بين الأهالي وأطياف المقاتلين، وتفاوض مع أطياف القوى الموالية للسلطة. تفاوض كان يقوم على إبقاء أهالي ومقاتلي حمص في ديارهم وعلى تثبيت هدنة، على شاكلة ما تمّ في ما سمّي «المصالحات» في البلدات المحيطة بدمشق. تفاوض بقي طويلاً يتأرجح من دون قرار حسب إحساس هذا الطرف أو ذاك بالقوّة أو الضعف.
ثمّ أتى الاختراق فجأة من خارج حمص. فصيل مقاتل رئيس متواجد على مستوى سوريا، يعقد بدعمٍ من دولة خليجيّة اتفاقاً مع السلطة والميليشيات الموالية كلّ على حدة، بدعمٍ مباشرٍ من إيران وروسيا. أي اتفاق بين القوى الفاعلة في الساحة السوريّة، وليس أساساً بين السلطة والمقاتلين المحليين. اتفاق يشمل أماكن أخرى في سوريا (إغاثة نبّل والزهراء، ومختطفي اللاذقيّة) وتبادل أسرى دوليين.
بالطبع لم يأتِ هذا الاتفاق فجأة وبسرعة، إذ من المؤكّد أنّه تطّلب وقتاً طويلاً من الإعداد لكثرة اللاعبين فيه. كما لا يمكن تصوّر أنّ الولايات المتحدة بعيدة عنه، وإلاّ فلا يمكن فهم زيارة وفد الائتلاف «الإعلاميّة» لها وافتتاح مكتب تمثيلها بالضبط في الوقت الذي تتمّ فيه صفقة حمص. وإلاّ فإن صورة هذه الصفقة كانت ستبدو استسلاماً.
هذا يعني أنّ مأساة حمص أسّست لأوّل عمليّة تفاوض محلّية وإقليميّة ودوليّة واسعة. حمص «عاصمة الثورة»، ولكنّها أيضاً صلب الأزمة السوريّة بأبعادها العسكريّة والسياسيّة… وكذلك الطائفيّة.
هذه الصفقة التفاوضيّة ستؤسّس لسوريا ما بعد… حمص. وهي أهمّ بكثير من صفقة إطلاق سراح راهبات معلولا، لأنّ رهان هذه الأخيرة كان ما سيحدث بعدها في القلمون كي لا ينفجر لبنان. ذلك أنّ هناك اتفاقاً ضمنيّاً إقليميّاً ودوليّاً ألاّ ينفجر هذا البلد، وأن تضبط حدوده مع سوريا.
بعد حمص، سيتابع الجميع حركة عودة السكّان إلى منازلهم وأحيائهم المهدّمة، وتصرّفات الميليشيات الحمصيّة الموالية بعد أن ذهب خصومهم بعيداً، وعلاقة الجيش والأمن معهم، ومجريات إعادة هيكلة الفصائل المعارضة المقاتلة القائمة اليوم، وخاصّة سير المعارك في حلب وحولها.
لا تكمُن النظرة إلى ما بعد حمص حقّاً في زاوية مخاطر تقسيم سوريا، إذ انّها غدت مقطّعة الأوصال منذ زمن، بل فيما إذا بدأت الدول الإقليميّة تخشى حقّاً من استمرار الحرب المستعرة، وهناك دلائل على ذلك مثل شروع تركيا، بعد الأردن والعراق، في إغلاق الحدود تدريجيّاً. كما تتصل النظرة باحتمال أن تكون هذه الدول قد بدأت تعمل على إيجاد صيغة لوقفها، والتوجّه بالمقابل نحو مكافحة الخطر الذي تصفه الولايات المتحّدة اليوم بأنّه أكبر ممّا حدث في أفغانستان، وبات يشكّل تهديداً لأمنها القوميّ. ولا تكمن النظرة بالتالي إلى ما بعد حمص في أنّ الرئيس السوري رشّح نفسه لدورة جديدة رغماً عن جوهر الدستور الذي وضعه، لأنّ مجرّد ترشّحه استفزاز يؤجّج الحرب التي لا يمكن أن يستمرّ من دونها.
إنّ منعطف ما بعد حمص يكمن في كونه أساساً لما يُمكِن لدول الخليج وإيران ً أن تتفق عليه، وذلك انطلاقاً ممّا يمكن أن يتّفق عليه السوريّون لوقف الحرب. وتاريخ السوريّين علّمهم كيف يبتكرون حلولاً للحفاظ على وحدتهم أو لاستعادتها، وإن تدريجيّاً.
فليكن عزاء الحماصنة أنّهم كانوا ولا يزالون مفترق طرق مصيرياً، وأنّهم بالفعل قلب سوريا.

التصنيفات : المقالات

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: