البوصلات الخاطئة

زياد وطفةشعار

لا تمر الأحداث التاريخية الكبرى بسلاسة وهدوء كغيرها من الأحداث، فهي كالأعاصير تكنس ما يعترض طريقها، وكالزلازل تهدم وتهزُّ القائم في فوقها، لتصل إلى البنى الفكرية والأخلاقية الراكدة، فتعاود الشعوب طرح الأسئلة التي كانت تظن أنها قد اجابت عليها سابقاً، وتتفاجأ عندما تحاول مطابقة تلك الأجوبة – النظريات – المصطلحات –مع واقع الأحداث، لتكتشف مجدداً أن النظرية صفراء اللون يا صاحبي لكن شجرة الحياة خضراء ومتجددة دوماً.

ينقسم الناس ((جموعاً ومثقفين)) على المصطلحات كانقسامهم على الحدث، ويعودوا ليكتشفوا أنها وخاصة السياسية منها والاجتماعية، هي منتوج فكري بشري ذو طبيعة طبقية وتاريخية، هي ليست حيادية أو ثابتة.

فالسادات رأى بانتفاضة الجماهير المصرية 1978 التي سماها الشعب انتفاضة الخبز، رآها انتفاضة ” الحرمية”، ولم يكن أي من الطرفين مخطئاً، فكل من موقعه الطبقي مصيباً والحرية للمرأة في صدر الإسلام ((الذي كان ثورة جبارة لنصرة المستضعفين ونصرتها))، ليست هي حريتها في ربيع تونس.

عندما يحضر الشعب بجبروته، تتكشف هشاشة جبروت الحكام،فيرتبكون، فمنهم من يهرب ومنهم من يتنحى، ومنهم من يعاند …. إلى حين، كما يرتبك المنظرون والمثقفون الذين كانوا قد فقدوا الثقة بإمكانية انبعاثه، إن حضور الشعب قد أربك الجميع، لذلك أمضى المثقفون والسياسيون في سوريا زمناً طويلاً وهم يحاولون توصيف ما حدث، هل هو ثورة!! – انتفاضة – حراك – هبة جماهيرية – مؤامرة.

هكذا ظهر الانقسام، فمنهم من حسم أمره والتحق بالثورة ومنهم من التحق بالنظام، ولكل توصيفاته التي حاول جاهداً التنظير لها، ومن الطبيعي أن يبقى آخرون مترددون.

إذا كان حقاً (بالمفهوم الطبقي للحق) أن يلتحق الفقراء والمهمشين والمحرومين من الحرية، بالثورة ويلتحق القلة من الشعب أصحاب الملايين والسلطات الاستثنائية، بالنظام، فإنه من المؤلم والمؤسف أن ينقسم المجتمع عامودياً،وأن تلتحق،وبعد تردد، رموز نضالية بخندق النظام، أليس من المؤسف أن يدعو رمز كبير من رموز المقاومة،لأسبوع دعم ثورات الربيع العربي، في تونس ومصر بعد اسقاط رأسي النظامين هناك، ويعلن أنها تمثل فجر عهد الصحوة الإسلامية، وما أن تصل رياح تلك الثورات إلى مواقع حليفة، حتى يبدأ بالارتباك والانسحاب محاولاً إيجاد تبريرات لانسحابه باختراعه مقولة البوصلة الموجهة لسلوكه (بوصلة الصراع مع اسرائيل) وعندما حاصرته الأحداث، وطوقته الأسئلة عن مصير الشعب السوري انتفض منفعلاً ليسأل أين هو الشعب السوري ؟؟! ، أروني إياه.

باستخدام تلك البوصلة أصبحت ثورة الشعب في سوريا على الاستبداد مؤامرة، وغاب الشعب السوري عن مرمى الرؤية.
وباستخدام بوصلة معاداة أمريكا والغرب لدى بعض اليسار السوري، أصبحت ثورتنا تقسيماً للشرق الأوسط المقسم.

والآن ما ان استطاع النظام أن يخلق للشعب السوري عدواً جديداً “السلاح المتطرف” وما إن بدا أن الطريق لانتصار هذا الشعب طويلاً والتضحيات كبيرة، حتى بدأ بعض المثقفين بمحاولة ابتكار بوصلة جديدة،”بوصلة المواصفات”.

تلتقي البوصلات الثلاثة على رفض مصطلح الثورة كلقبٍ يمنح لهذا الصمود الرائع لأكثر من ثلاث سنوات لشعبٍ انتفض على امتداد ساحة الوطن، يحدد هدفاً له، اسقاط الاستبداد وبناء الديمقراطية وقدم ومازال يقدم ما لا يمكن تصوره من ألمٍ وصبرٍ وتضحيات.

لا يقف ذلك عند المستوى النظري فقط، فمن استخدم بوصلة العداء لإسرائيل أو بوصلة العداء لأمريكا، رأيناهُ يتجاوز تردده لينزاح تدريجياً إلى خندق النظام وصولاً إلى مشاركته في عمليات القتل والتدمير.

نقولُ لمن يحاولون الآن الانسحاب:
على افتراض أننا كمنظرين “محترمين”، وبعد التمحيص في المراجع اللغوية وكتب فقه الثورة، تبين لنا أن ثورة الشعب السوري للحرية والكرامة لا تطابق المواصفات…. ماذا تريدوننا أن نفعل؟ !!

أنعتذر للنظام عن تأييدنا لشعبنا في ثورته ووقوفنا إلى جانبه في محنته؟!
أم أننا “كمؤدبين” نادمين على خطئنا نعود لنطالبه أن يتخلى عن نفاقه وخداعه، ويخرج من جلده الأمني الاستبدادي، ويصبح دكتاتوراً عطوفاً يمن علينا بشيء من مطالبنا نحفظ بها ماء وجهنا أمام شعبنا.
أم نتوجه إلى الشعب المنكوب، نوبخه على ما فعلهالرعاع، ونحثه على العودة إلى بيت الطاعة.

بحق الآلهة …. ماذا أنتم فاعلون؟؟!! ….. أين تريدون الهروب؟

بهدوء … كي لا يخطئ أحد … ولا نتمنى لأي من المناضلين الاحتراق.

الثورة لا تنتظر شهادة ميلاد تمنحها اسماً أو لقباً، ممهورة بخاتم السلطان أو بصمة مثقف، هي كباني روما، عندما تخلى عنه الإكليروس السلطوي والكنسي، أرست له السماء، الذئبة لترضعهُ وتحضّره لبناء روما، وقد فعل.

الأراء الواردة لاتعبر بالضرورة عن رأي هيئة التنسيق الوطنية

التصنيفات : المقالات

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: