أخلاق الزعيم

“حبيب فياض-السفير اللبنانية”حبيب-فياض1

الأصل في العلاقة بين الأخلاق والسياسة قطيعة دائمة، وأي صلة بينهما استثناء. هذا وغالبا ما تتم المقارنة بين الفعل الأخلاقي والممارسة السياسية في إطار المتعارضَين اللذَين لا يجمع بينهما سوى منتهى البعد والاختلاف. فالسياسة، في الغالب الأعم، وسيلة لابتغاء المنفعة وتحقيق المصلحة، بينما الأخلاق وسيلة لتكريس الفضيلة وإشاعة الخير. فمنذ أن حاول افلاطون اسباغ البعد المعرفي على السياسة وربطها بالفضيلة، بدا التباعد بين الأمرين أكثر شخوصا، واستحالت كل محاولة للجمع بينهما فعلا طوباويا يحلق في عالم المثل بعيدا عن الحقيقة والواقع.
ما تقدم هو السائد والمتداول في العالم قديما وحاضرا، حيث يبقى الاعتراف بضرورة الاقتران بين السياسي والاخلاقي قائما رغم تعذر الجمع بينهما. أما في بلد كلبنان، فإن الأمر يتعدى ذلك الى انقلاب سياسي على معايير القيمة والفضيلة. فإخراج القيمة الاخلاقية من الرؤية السياسية دخل حيز الشرعنة والاستحسان، وادراج الفعل اللاأخلاقي في خانة المهارة السياسية بات من ضرورات الوصول الى الزعامة والاستمرار في التربع على سدتها. ذلك يحصل على قاعدة ميثاقية صامتة بين السياسيين حصرا تقتضي سكوتهم عن فسادهم، وإبعاده من حلبة الصراع والخصومة بينهم. وفي حال حصول فلتة شوط خارج السياق المذكور بانكشاف المستور أمام الملأ، كما حصل بين وزيرين من الحكومة الميقاتية السابقة حيث كان كل منهما محقا في اتهامه للآخر، فان الحل هو «طمطمة» الادانات المتبادلة والفضائح الدامغة.
على أن المشكلة ناشئة، في الأساسس، من علاقة اللاوعي التي تربط الجمهور بالزعيم. اذ لا زعيم فاسداً بمقدوره التسيد لولا القاعدة الجماهيرية التي تحمله على أكتافها.
يقول فيورباخ ان الانسان اله الانسان، وأن الله ليس وجودا حقيقيا وموضوعيا إنما هو وجود ذاتي نابع من تصورات الانسان واحتياجاته. بمعنى ان كل الكمالات التي يفتقد اليها الانسان، يستجمعها في كائن يصطنعه ويضفي عليه صفة التعالي والقداسة (الله) ليمارس العبادة والخضوع له. واذا كان كلام فيورباخ لا يصح في مورد الالوهية، فإنه صحيح في مورد الزعامة. ذلك ان المواطن المسكين يجد أولا في الزعيم كل ما يفتقد اليه من المواصفات (المال والسلطة والوجاهة والقصر والكاريزما والحماية والحصانة) ثم يحولها ثانيا الى كمالات مستجمعة في قائد يمارس تجاهه التأليه والتبعية. فـ (الله) ـ كما يقول فيورباخ ـ هو الرغيف للجائع، والأمن للخائف، والصحة للمريض، والثروة للفقير. وهو أيضا، وفق السياق نفسه، الزعيم للمواطن البائس في مجتمع ينتمي الى القيادات والزعامات بدلا من الدولة والمؤسسات.
فالزعيم في نظر جمهوره مصدر الأمن والقوة والخدمة والوظيفة والواسطة والمصلحة. فعله حسن مهما فعل، ورأيه سديد مهما أخطأ. تبدل مواقفه مصلحة، خبثه حنكة، كذبه شطارة، فساده ضرورة، ضحالته ثقافة، فجوره قوة، ارتباطه بالخارج عالمية، وأما وجوده فبركة ونعمة من السماء. وبالعموم، هو معصوم لا يخطئ، وفوق النقد والمساءلة.
السياسيون في الغرب غالبا ما يصابون بصحوة ضمير، لكن بعد تقاعدهم وخروجهم من السلطة. في بلادنا لم يصادف بعد ان احدا من الزعماء قد صحا ضميره. ربما لأن الزعامة عندنا ابدية و لا تقاعد فيها.

التصنيفات : المقالات

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: