نظام يجيد تفويت الفرص

“منذر خدام” منذر-خدام

بعيد وفاة الرئيس حافظ الأسد، تولى ابنه بشار الأسد زمام السلطة من بعده، في عملية تسليم واستلام كانت متوقعة، تولى إخراجها العماد مصطفى طلاس وزير الدفاع في ذلك الوقت، رغم اعتراض السيد عبد الحليم خدام نائب رئيس الجمهورية في حينه، الذي احتج بصغر سن الدكتور بشار، وعرض تعيينه نائبا أولاً له حتى يبلغ السن القانونية فيتخلى له عن السلطة. وكان حافظ الأسد قد أعد لابنه الراية التي ينبغي أن يرفعها ريثما تستقر له مقاليد الأمور وهي راية الإصلاح ومحاربة الفساد، وذلك في آخر خطاب له ألقاه أمام مجلس الشعب في عام 1999. لقد عُد خطابه المشار إليه، في حينه، بمثابة انقلاب على الذات، في حين كان بياناً عملياً يمهد لولده استلام السلطة من بعده، بعد أن أدرك أن أجله قد اقترب جراء معاناته من مرض عضال.
وبالفعل ما إن آلت السلطة إلى الابن، حتى بادر إلى تقديم نفسه للسوريين، في أول خطاب له أمام مجلس الشعب في صيف عام2000، على أنه رجل الإصلاح. لقد كان خطابه في حينه لافتاً بنبرته الإصلاحية، وبدعوته السوريين للتعاون معه ل” تطوير وتحديث” البلد في نزعة شعبوية لم تكن مألوفة من والده. وللبرهنة على صدق توجهه فقد أوعز لأجهزته الأمنية بالسماح بهامش من الحرية والنقد لم يكن مألوفاً، بل وأخذت وسائل إعلامه المختلفة تتحدث عن أن الرئيس عازم على السماح بتشكيل الأحزاب السياسية، وأنه أوعز لحكومته أن تعد قانوناً لتنظيم الحياة السياسة وتشكيل الأحزاب. لقد صدق كثيرون خطاب السلطة في حينه فبادروا إلى تشكيل منتديات حوارية، وأحزاباً سياسية، زاد عددها عن الستين منتدياً وحزباً خلال نحو سنة ونصف من بداية العهد الجديد. وأكثر من ذلك فقد غضت السلطة النظر عن عقد أول اجتماع لمختلف أطياف المعارضة السورية في مضافة الشيخ نواف البشير في دير الزور، حضره زهاء المائتين وخمسين شخصاً من مختلف الاتجاهات السياسية والأيديولوجية، و من جميع مناطق سورية. لقد شعر كثير من السوريين بأن الروح السياسية قد ردت إليهم فأخذوا ينتقدون مظاهر الفساد في الدولة والمجتمع، ورعاية الأجهزة الأمنية لها. ولم يكتفوا بذلك بل كانوا يساهمون في تشخيص المشكلات التي تعاني منها البلد، ويطرحون الحلول لها، في استجابة عفوية لنداء رئيسهم لهم، بأنه لا يملك ” عصا سحرية ” وهو يطلب تعاونهم معه من أجل تطوير البلد وتحديثها. في ذلك الوقت كان الحراك الشعبي يتحرك تحت عناوين الإصلاح التي طرحها رئيسهم، وكانت النخب السياسية والثقافية في لقاءاتها مع المسؤولين الذين فتحوا لهم أبوابهم لأول مرة، يعرضون عليهم ” تغييرا سلمياً، متدرجاً، وأمناً “، باتجاه الديمقراطية والحرية وحكم القانون، وكانوا يقولون لهم يمكنكم ” أخذ وقتكم، عشر سنوات أو خمسة عشرة سنة “، المهم هو وجود نهج جدي وحقيقي نحو التغيير.
غير أن النظام الذي سوق نفسه تحت عناوين ” الإصلاح ” و ” التطوير والتحديث “، سرعان ما اكتشف أن السير في هذا الطريق سوف يؤدي حتما إلى اقتلاعه من جذوره، ولذلك عمد إلى كم الأفواه من جديد، وأغلق المنتديات الحوارية، وزج كثيراً من النشطاء في السجن فيما صار يعرف بربيع دمشق.
لقد فوت النظام بوأده ل ” ربيع دمشق “، والعودة إلى سياسة القمع وكم الأفواه، فرصة كبيرة لإصلاح النظام السياسي في سورية بصورة ” سلمية وآمنة ومتدرجة”، ليتتالى بعد ذلك تفويته لفرص أخرى كانت نخب سياسية وثقافية وحزبية معارضة قد طرحتها عليه قبيل، وفي سياق انتفاضة الشعب السوري. ففي 25 شباط 2011 أصدر تجمع ” إعلان دمشق ” ، وكان في حينه أهم تجمع للمعارضة السورية، بياناً من وحي انتفاضة بعض الشعوب العربية، خصوصا في تونس ومصر، دعا فيه السلطة إلى المبادرة بالدعوة إلى “حوار وطني شامل ” لرسم معالم طريق التغيير الديمقراطي بصورة ” سلمية وآمنة ومتدرجة”. وكنت شخصيا، في مقالة لي بعنوان ” أفاق الزمن القادم ” نشرتها بتاريخ 5/3/2011 قد طالبت السلطة بالدعوة إلى مؤتمر وطني جامع للنظر في إصلاح أجهزة الدولة والحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية بصورة عامة وتنظيمها بصورة قانونية، وتقدمت في حينه بجملة من المطالب الإصلاحية( برنامج الحد الأدنى) ، لكن السلطة سدت أذانها، وبقيت على مكابرتها بأن الشعب السوري لن ينتفض ضدها في حين كان يتحضر أمام الأبواب. وفي 22/3/2011 بعد أن كان الحراك الشعبي قد بدأ في درعا، وأخذ يتحضر في اللاذقية، كان لي الشرف بإعداد بيان وقعه في حينه مباشرة نحو عشرين من الشخصيات الوطنية في اللاذقية بياناً، سرعان ما وقع عليه بعيد نشره، أكثر من أربعمائة شخصية وطنية سورية من مختلف النخب الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، يطالبون فيه السلطة بالمبادرة إلى الدعوة إلى مؤتمر وطني عام لإعداد خطة شاملة للإصلاح لكن السلطة لم تستمع لنداء العقل من جديد، واتهمت معدي البيان بأنهم عملاء بندر بن سلطان(كذا). وفي 17/4/2011، كنت شخصيا قد نشرت مقالة مطولة نسبيا بعنوان ” بمثابة مبادرة وطنية للحل في سورية” طرحت فيها ” برنامج وطني للإصلاح”، وجددت فيها الدعوة من جديد إلى عقد مؤتمر وطني عام للعمل على إنقاذ البلد، لكن السلطة سدت أذانها أيضاً. وفي 23/6/2011 ، في مؤتمر سمير أميس للمعارضين غير الحزبيين، الذي شارك فيه أكثر من مائتين من الشخصيات الوطنية الثقافية والفنية ورجال الأعمال وغيرهم، وحظيت بشرف ترأسه، طرحت أيضا مبادرة ” خطة عمل” لإصلاح النظام في سورية، تبناها المؤتمر وأشار إليها في توصياته، لكن السلطة بدلاً من مد اليد للمؤتمرين والاستماع إلى أرائهم، شنت حملة تخوين ضدهم.
لقد كانت المبادرات لإنقاذ سورية الشغل الشاغل لجميع أطياف المعارضة السورية، وكانت جميعها تركز في حينه على إصلاح النظام وليس على إسقاطه. في هذا السياق جاءت مبادرة الإخوان المسلمين في بيان أصدرته في 5 نيسان 2011 تدعو فيها إلى حوار وطني شامل، وخلق الظروف الملائمة له. وفي ذات السياق جاءت مطالب ثلاثة من قادة المعارضة الحزبية وهم حسن عبد العظيم، وحازم نهار، وعبد العزيز الخير وذلك في لقائهم مع مسؤولين من النظام بتاريخ 13/نيسان 2011 لكن قادة النظام كالعادة رموا جميع هذه المبادرات في سلة المهملات، لتتراكم فوقها لاحقا جميع المبادرات التي قدمتها حكومات كانت تعد صديقة للنظام في حينه.
لماذا رفض النظام جميع المبادرات التي قدمت له للإصلاح؟ هل كان ذلك تعبيراً عن غباء سياسي، كما يحلو للبعض نعت قادة النظام به؟!!
في الواقع كلمة ” غباء ” ليست في محلها، فقادة النظام كانوا يدركون جيداً أن نظامهم مبني بطريقة تجعله غير قابل للإصلاح، وأن أية عملية إصلاحية تُجرى عليه مهما كانت جزئية، سوف تضعه على طريق السقوط، وهذا ما لم يكونوا مستعدين للسماح به، حتى ولو تطلب الأمر منهم تدمير البلد، الأمر الذي يحصل للأسف.

التصنيفات : المقالات

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: