الانشقاقات المعاكسة

منذر-خدام“منذر خدام”

منذ تفجر الأزمة المجتمعية والسياسية في سورية في منتصف آذار من عام 2011 في وجه النظام الاستبدادي الحاكم كانت الانشقاقات عن أجهزته الحكومية والدبلوماسية قليلة بوجه العموم، فظلت هذه الأجهزة متماسكة بصورة لافتة رغم المحفزات الكثيرة التي قدمت لمنتسبيها، ومنها محفزات مادية عرضتها بعض الحكومات الخليجية المتورطة في الشأن الداخلي السوري حتى تكاد تغرق في مستنقعه، الذي كان لهامساهماتها الكبيرة في خلقه. غير أن الانشقاقات الكبيرة نسبيا حصلت في جهاز حزب البعث التنظيمي، على مستوى الأعضاء وليس القيادات، وفي صفوف منتسبي الجيش، وأقل من ذلك في صفوف منتسبي الأجهزة الأمنية.
بالنسبة لانشقاقات البعثيين عن حزبهم يفسره كون الاحتجاجات في صفوفهم على النظام الذي يدعي الحكم باسمهم لم تكن أقل حدة من احتجاجات بقية المواطنين، بل شكلوا في مرحلة التظاهر السلمي جزءً أساسياً من الحراك الشعبي، وعندما تحول الحراك إلى السلاح جراء قمع النظام له بصورة رئيسية، وضغط وتحفيز من دول عديدة عربية وغير عربية، وبعض القوى المعارضة التي تدور في فلكها، شكل هؤلاء أيضا قسما كبيراً من المعارضة المسلحة. اليوم يعد حزب البعث في حالة موت سريري بصورة عامة، وقد مات فعلاً في المناطق التي سيطر عليها المسلحون خصوصا في ريف إدلب وحلب ودير الزور والرقة ودرعا وغيرها.
لقد تأثر النظام كثيرا من جراء انشقاق البعثيين عنه، إذ فقد بذلك قوة قتالية مهمة كان قد جندها في صراعه مع الإخوان المسلمين في أوائل الثمانينات من القرن الماضي في إطار ما سمي في حينه بكتائب البعث والكتائب العمالية المسلحة، وتحولها إلى قوة مقاتلة ضده. لكن الانشقاق الذي أثر عليه بصورة مباشرة كان انشقاق كثير من ضباط وعناصر القوات المسلحة وتشكيلها لما سمي بالجيش الحر. لقد أثرت الانشقاقات التي حصلت في الجيش مباشرة على قوته القتالية ، كما أثرت على معنويات من بقي فيه، إذ صار عليهم أن يواجهوا في ساحات القتال زملاءهم السابقين. إضافة إلى ذلك، ولكون الانشقاقات حصلت على أساس طائفي، فإن جزءً مهما ممن بقي في الجيش، من طائفة المنشقين، لم تعد السلطة تثق بهم، فامتنعت عن زجهم في ميادين القتال مباشرة، بل في الخطوط الخلفية.
في سورية الانشقاق عن الجيش، أم عن الأجهزة الحكومية ليس سهلاً، بل هو مغامرة كبيرة، إذ على المنشق أن يفكر كثيراً بمصير عائلته وأقربائه، الذين يعرضهم بانشقاقه إلى احتمال الاعتقال وحتى التصفية. سورية من هذه الناحية تختلف جذريا عن اليمن، حيث كان المنشقون عن جيش السلطة وعن أجهزتها المدنية يذهبون مباشرة إلى ساحات الاعتصام ويعودون بعد ذلك إلى وظائفهم ويستمرون في الحصول على رواتبهم من الحكومة. في سورية، ومنذ أحداث أوائل الثمانينات، ادخل نظام الرئيس الراحل حافظ الأسد أسلوب الرهائن إلى نظام عمل أجهزته الأمنية، التي كانت تعتقل عائلة وأقرباء المطلوبين لديها، في حال فرارهم حتى يسلموا أنفسهم. ثمة قصص واقعية مرعبة على صعيد تطبيق هذا الأسلوب في عمل الأجهزة الأمنية السورية كان من نتيجتها زرع الخوف في نفوس كل من يعارض النظام وتعميقه.
لقد نجحت سياسة الأجهزة الأمنية القائمة على اعتقال أقارب كل من يفكر بالانشقاق عن النظام وأجهزته بالحد من عمليات الانشقاق جزئياً، غير أن وقف عمليات الانشقاق نهائياً، بل التحول نحو الانشقاق المعاكس كانت له أسباب أخرى مختلفة. من هذه الأسباب التحولات المهمة في موازين القوى في ميادين القتال بين قوات الجيش السوري وقوات المعارضة المسلحة ، إضافة إلى بروز الطابع الجهادي المتطرف للمعارضة المسلحة الذي ساهم بدور كبير في تحول مزاج الناس عموما، ومزاج المقاتلين المحليين لصالح النظام أيضاً. لقد نجح النظام في استغلال معطيات هذه التحولات الواقعية على الأرض، وفي مزاج الناس لانجاز العديد من المصالحات الناجحة، وهو يعمل للاستفادة منها سياسياً. من جهة أخرى استغل النظام، بذكاء ينبغي الاعتراف له به، مسألة التعامل مع المقاتلين المحليين الذين قبلوا تسوية أوضاعهم فلم يعاقبهم، بل سمح لهم، في حالات كثيرة، بالاحتفاظ بسلاحهم الفردي، لقاء التعاون مع أجهزة الشرطة لضبط الأوضاع الأمنية في مناطقهم، مما شجع كثيرين من زملائهم على الانشقاق عن المعارضة المسلحة والانحياز إلى النظام. اليوم صار مألوفاً أن تجري عمليات تسليم عناصر، بل وحدات كاملة من مقاتلي المعارضة المسلحة من السوريين أنفسهم للجيش السوري، خصوصا في المناطق التي لا تسيطر عليها المجموعات الإرهابية مثل النصرة وداعش. هذا وطال الانشقاق المعاكس ثلاثة من كبار ضباط هيئة الأركان للجيش الحر، وهم اليوم يقاتلون في صفوف الجيش السوري كما أفاد بذلك مطلعون.
ولم يقتصر الانشقاق المعاكس على بعض منتسبي المعارضة المسلحة من السوريين، بل أخذ بعض المعارضين السياسيين، ومنهم من كان حتى حين عضوا في المجلس الوطني، بل من مؤسسيه، ينشقون بالاتجاه المعاكس ويقومون بتسوية أوضاعهم مع النظام.
إن هذه العمليات الانشقاقية المعاكسة سوف تزداد في المستقبل على الأرجح، وذلك بالعلاقة مع تغير موازين القوة على الأرض في صالح النظام، وكذلك بسبب انكشاف الطابع الجهادي المتطرف لأغلب قوات المعارضة المسلحة، والوعي المتزايد بضرورة إنقاذ ما تبقى من سورية وشعبها. اليوم بات ينظر كثيرون إلى الجيش العربي السوري على أنه الضامن لبقاء الدولة السورية، والوطن السوري، في مواجهة القوى الجهادية المتطرفة، لذلك فهم يتسابقون إلى دعمه بشتى السبل، ومنها التطوع في صفوفه، أو في صفوف القوات المساندة له. وبالمناسبة لم يعد يقتصر ذلك على الجمهور الموالي تقليدياً للنظام، بل أخذ يشمل الجمهور الأخر الذي كان حتى حين يوالي المعارضة.
منذ وقت قريب، ذهبت مع ابني إلى بنك التبرع بالدم لأفحص الزمرة الدموية لأبني، فأذهلني الحشد الكبير من المواطنين السوريين أمام البنك، وفي داخله الذين جاؤوا لكي يتبرعوا بالدم للجيش العربي السوري. وعندما حاولت الاستفسار عن ذلك أجابني بعض من سألته( منهم من أعلم انه من معارضي النظام)، بأنه سوف يظل يعارض النظام، لكن الجيش اليوم هو الضامن لبقاء البلد، ولذلك فهو هنا لكي يتبرع بكمية من دمه مساهمة في علاج جرحاه.

التصنيفات : المقالات

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: