عبث البحث عن الإنسان في سوريا!

_21083_syriagمالك ونوس

إذا سلمنا جدلاً بأن طرفي الصراع في سوريا يعملان لمصلحة المواطن السوري مدفوعَين، كلٌّ من وجهة نظره ورؤيته لهذه المصلحة، فقد كان لزاما عليهما أن يتنافسا لكسب ود هذا المواطن واستمالته لطرف أحدهما عبر الطرق التقليدية المتبعة في غير دولة من دول العالم، أو عبر طرق اتبعت في ما مضى وقت السلم ووقت الحرب. وطريقهم لكسب ذلك الود أو لتلك الاستمالة، يكون عادة عبر تشريعات وقوانين ومشاريع يمكن أن يصكها هنا طرف النظام ويضعها موضع التنفيذ باعتباره لا يزال قابضاً على مفاصل الدولة التشريعية والتنفيذية، أقله في المناطق التي حافظ على سيطرته عليها، أو عبر ممارسات أو خطط ورؤى وبرامج للمرحلة التالية يطرحها طرف المعارضة، المسلحة منها أو السلمية، (والتي تسعى لإسقاط النظام)، حول مستقبل سوريا وطبيعة الحكم فيها ومساحة الحرية التي من أجلها خرجت المظاهرات الأولى، علاوة على موقع المواطن الفرد ودوره في المشهد السياسي القادم ضمن هذا الحكم المأمول ونظرة الحكم له أو بالأحرى المكانة التي سيحظى بها في دولة الحرية والكرامة المنشودتين، والممارسة أو التشريعات التي ستكفل له الحفاظ على ما اكتسبه بالدم أو بالصبر على الجوع واللجوء والذل. وما حجم القاعدة التي يمكن أن يتخذها منطلقاً له لتحقيق المزيد والتأسيس لغدٍ مختلف لأبنائه، غد يتناسب وتلك التضحيات التي قدمها.
لطالما عرف سكان هذه الأرض السورية، المعذبون فيها، أن هذا العالم ليس لهم. ولطالما كانوا متصالحين مع فقرهم ومتعايشين معه، ومع غربتهم عن محيطهم، مشيحين نظرهم عن مظاهر الثراء الصادمة والمنفرة التي لا يملكون إزاءها شيئاً، من حيث مجاراتها، أو محاولة الانقضاض على أصحابها، أو استعادة لقمتهم من أفواه سارقيها. مكتفين بأضعف الإيمان وهو تقمص شخصيات الأثرياء الجدد عبر السباحة في الأحلام أثناء مشاهدة شخصياتهم وترفهم، مجسداً أمامهم في مسلسلات يضجّ بها تلفزيونهم الوطني. وهم بهذه الوداعة جلبوا الراحة للأجهزة التي ترصد تنفسهم ودرجة استكانتهم ورضوخهم، فوفروا لها مساحةً من الاسترخاء امتدت على مدى عقدٍ ونيفٍ من الزمن. وداعة انعكس أثرها في ابتعاد أجهزة الدولة عن الشعب، مغيبةً مسيرات تأييد هذا الشعب لها، ما خلا بعض الالتفاتات والحقن و (العطاءات) الاستعراضية الطابع والدعائية المقصد التي كان يراد بها إعادة إثبات حضور الدولة في أعين مواطنيها.
لقد تبين أن الخطاب الموجه للشعب طوال الفترة التي سبقت الحراك السلمي في المجتمع السوري والخطاب الذي رافق ذلك الحراك والذي تلاه، وصولاً إلى الخطاب الحالي، هو خطاب ما زال يتوجه بالدرجة الأولى إلى شعب ومجتمع يفترض هو سلفاً أنه ذو بنية متخلفة، فلا تكلف هذه الجهة أو تلك نفسها الارتقاء بخطابها علها بذلك ترتقي بالمخاطَبين. بل على العكس، لقد اتضح، أنه خطاب يطمح لتكريس المزيد من هذا التخلف لحصاد المزيد من التبعية كلٌّ لجهته. كما أن الخطاب لم يأخذ في حسبانه أو أنه تغاضى عن افتراض أن شيئاً ما قد تغير في بنية هذا المجتمع حين أخذ أبناؤه بمعزل عن القيادات المكرسة يعزفون على وتر التطور الذي تبدى في إدارة شبه ذاتية لأمور حياتهم وتنظيم معيشتهم وتعليم أبنائهم في ظل القصف والفاقة والغلاء، حين عجزت تلك القيادات أو أنفت عن تدبير هذا الأمر أقله في مناطق تعتبرها هذه (محررة) بنسبة مئة في المئة وتعتبرها تلك (موالية) بالنسبة ذاتها.
لكن تكريس العنف، وإمعان الطرفين في زيادة نار الحرب وإطالة أمدها، وإمعانهم أيضاً في تغييب أي حل في المدى منظور، أو حتى إشارة لفترة ما بعد الحرب، ما هي إلا طريق لزيادة القهر وهدر لقيمة الإنسان ولكيانه، لضمان استمرار فعلها فيه، ولضمان عدم قيامته ثم تحديد استجابته مستقبلاً أياً كانت نتيجة الصراع الحالي وحصيلته.

السفير

المقالات الواردة لاتعبر بالضرورة عن راي الموقع

التصنيفات : المقالات

الكاتب:syr2015

صوت المعارضة السورية الصادق

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: