أكاذيب وحقائق عن الشهيد صلاح جديد – الحلقة الأولى –

محمود جديدمحمود جديد
” أكاذيب ، وحقائق عن الشهيد اللواء صلاح جديد ” – الحلقة الأولى –

تعرّض الشهيد صلاح جديد لحملات مركّزة من الاستهداف والتشويه في حياته ، وبعد رحيله ، وتتصاعد هذه الحملات الظالمة عادة في المنعطفات السياسية الهامّة من تاريخ سورية .. وهذا ما نلمسه في هذه الأيام .. ولمّا كان المرحوم زاهداً بمفاتن الحياة ومباهجها ، وحصناً منيعاً من الأخلاق والوطنية والفضيلة ، وصاحب مشروع وطني وقومي عربي يساري ترك بصماته داخل الحزب وخارجه ،ولا يزال ، فإنّ محور الاستهداف لولادته في طائفة معيّنة شكّل قاعدة الانطلاق لفبركة الأكاذيب والاتهامات الظالمة ، على الرغم من انفتاح هذه العائلة على كافّة الطوائف والمذاهب الأخرى، ولعلّ ظاهرة الزواج والاندماج المتبادل بينها وبين بقيّة الطوائف الأخرى يضعها في طليعة العائلات السوريّة في هذا المجال ، وهذه حقائق موثّقة في السجلّات المدنية وفوق الجغرافيا السورية والأردنية واللبنانية …
الأكاذيب – 1 – أوردت ” الموسوعة الحرّة وكيبيديا ، وموسوعة المعرفة وغيرهما عن صلاح جديد المعلومات الخاطئة التالية : ” صلاح جديد (1926 – 19 آب 1993) …… ولد في محافظة اللاذقية في قرية اسمها دوير بعبدة وهي قرية فقيرة من قرى ريف جبلة … انتسب في أول الأمر إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي، وبعدها إنضم إلى حزب البعث العربي الاشتراكي، سجن في مصر لفترة قصيرة بعد انفصال سوريا عن الجمهورية العربية المتحدة عام 1961.”
– والحقيقة هي : ولد الشهيد في 17 كانون الثاني ( يناير) من عام 1929 في قرية الحديدية التابعة لمنطقة تل الكلخ، محافظة حمص، حيث كان المرحوم والده محمد عزت جديد يعمل مدير ناحية هناك، وعاش طفولته متنقلا مع أسرته بين النواحي التي عمل بها والده، وبين قريته /دوير بعبدة/ التابعة لمنطقة جبلة محافظة اللاذقية … وقد تحصل على الثانوية العامة في مدينة دمشق عام 1948، وفي هذا العام كان اخوته الثلاثة: غسان وفؤاد وصديق يجاهدون على ربوع فلسطين الحبيبة ضد الصهاينة كمتطوعين في جيش الانقاذ بقيادة المجاهد /فوزي القاوقجي/، وقد جرح أخوه صديق في إحدى المعارك … وفي هذا المناخ الوطني على صعيد القطر والعائلة التحق الشهيد بالجيش العربي السوري ..
انتمى الشهيد صلاح جديد إلى حزب البعث العربي الاشتراكي في أواخر دراسته الثانوية، ولم ينتمِ إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي على الإطلاق ، وبعد حصوله على الشهادة الثانوية انتسب إلى كلية الطب في جامعة دمشق ، ولكنه غادرها ليلتحق بالكلية العسكرية في حمص عام /1949/ تلبية لرغبات رفاقه، وتنفيذا لتعليمات قيادته الحزبية ..
الأكاذيب – 2 – : أورد مركز الشرق العربي الذي يديره السيد زهير سالم القيادي في الإخوان المسلمين ، وموسوعة ” المعرفة ” وغيرهما مايلي :
” إباّن الوحدة السورية المصرية كان صلاح جديد برتبة رائد في سرب للطيران الليلي، وقد نقل هذا السرب أواخر عام 1959م إلى مصر. وكان قد أصاب جديد وأربعة من رفاقه شعور بالصدمة والسخط ضد عفلق والبيطار، مؤسسي حزب البعث، اللذين اتخذا قرار حل الحزب سنة 1958م، وقرر جديد ورفاقه (محمد عمران ـ حافظ الأسد ـ عبد الكريم الجندي ثلاثة علويون وواحد إسماعيلي ويقال أن أحمد المير كان من مؤسسي اللجنة) أن يقيموا تنظيماً سرياً أطلقوا عليه اسم (اللجنة العسكرية)، وكانت أهدافهم الظاهرة هي: إعادة بناء حزبهم المشتت، ووصول حزب البعث إلى السلطة، ومن ثم النظر في أمر الوحدة العربية.”
– الحقائق :2
التحق المرحوم صلاح بالكليّة الحربية في حمص في عام 1949 ، وتخرّج عام 1951 برتبة ملازم اختصاص مدفعية ميدان، انضم إلى الكتلة الحزبية التي كانت متواجدة في الجيش آنذاك بقيادة مصطفى حمدون، وعبد الغني قنوت وغيرهما …، وقد أمضى خدمته العسكرية ( قبل نقله إلى مصر بعد قيام الوحدة ) متنقلا بين معسكرات قطنا والقطيفة والقنيطرة، وقد ساهم في هذه الفترة بأهم حدثين سياسيين جريا في الجيش هما: الانقلاب ضد أديب الشيشكلي عام 1954، وعصيان قطنا عام1957 دعما للضباط الوطنيين التقدميين في قيادة الجيش.
-نُقل الشهيد بعد قيام الوحدة للعمل في الجيش الثاني في الإقليم الجنوبي (مصر) وكان برتبة رائد وعُيّن قائداً لكتيبة مدفعية ميدان تابعة للفرقة الثانية مشاة المتمركزة على القناة في منطقة /فايد/ من مدينة الاسماعيلية ، وحتى مدينة السويس ، وقد زرته هناك لأنّني كنت ملازماً في الكتيبة العاشرة مشاة -اللواء الرابع – من الفرقة الثانية نفسها ، ثمّ انتقلت هذه الفرقة إلى القاهرة ، وللصدف انتقل الشهيد إلى اللواء نفسه الذي كنت أخدم فيه، واستلم قيادة مدفعية اللواء ، وأصبحنا في معسكر واحد ، وبعد ذلك نُقِل إلى مدرسة المدفعية لتدريب ضباط قادة اختصاص مدفعية ميدان ( تعادل شهادة أركان حرب ) .. وعندما حدث الانفصال في 28 أيلول / سبتمبر عام 1961 كان موجوداً هناك ، وكنّا نسكن معاً في مصر الجديدة في شارع محمد شفيق ، وفي العمارة والطابق نفسه .. ولم يُسجٓ-;—;–ن يوماً واحداًعلى الإطلاق كما ورد سابقاً .. ( وكان معنا في العمارة نفسها عبد الحليم خدام ، وأسعد غوثاني ) .. لاحظوا الكذب الفاضح في المعلومات الواردة في مركز الشرق وغيره من المواقع والمراجع .. وكيف خلطوا بين المعلومات الخاصة بصلاح جديد ، وحافظ الأسد الذي كان فعلاً ضابطاً طيّاراً يخدم في مصر، واعتقل لعدة أيام بعد الانفصال مباشرة لأسباب أمنية لأنّه كان طيّاراً يعمل في قاعدة أنشاص الجوية القريبة من القاهرة خوفاً من أن يكون له علاقة بقادة الانفصال ويقوم بتنفيذ شيء ما لصالحهم ومٓ-;-ن يخلط بمعلومات مهنية لن تعوزه الحيلة لخلط وفبركة معلومات سياسية كما سنرى لاحقاً …
– كتبت مقالاً موسّعاً حول اللجنة العسكرية قبل عام ، وقد ورد فيه مقطع يردّ على ما ورد من مغالطات واتهامات حول تشكيل اللجنة والغرض منها ، جاء فيه مايلي :
” وفي ظلّ سوء إدارة حكم نظام الوحدة في سوريّة، والأجواء البوليسيّة التي كانت قائمة ، وتهميش قاعدة وكوادر حزب البعث المدنيّين والعسكريّين ، وخوفهم على مستقبل الوحدة ، واعتماد عبد الحكيم عامر على ضبّاط سوريين غير وحدويّين ، وضباط مصريّين محترفين ، التقى عدد من الضباط البعثيّين من ذوي الرتب الأعلى المتواجدين في القاهرة وشكّلوا اللجنة العسكريّة الأولى بهدف تنظيم الضبّاط البعثيّين وحمايتهم من الاحتواء والابتلاع من قبل مخابرات الوحدة ، وقد ضمّت كلّاً من الضباط : العقيد بشير صادق رئيساً ، وعضويّة مزيد هنيدي ، وممدوح شاغوري ، وعبد الغني عيّاش ، ومحمد عمران الأصغر رتبة … وبعد فترة قصيرة نُقِلَ أربعة منهم إلى السلك الدبلوماسي ( في سياق تصفية الضباط البعثيين من الرتب العليا في الجيش ) وبقي عمران وحيداً ، ممّا دفعه لإيجاد اللجنة الثانية البديلة من النسق الثاني من الضبّاط البعثيين ، وتشكّلت بناءً على أسس الأقدمية والتواجد في القاهرة ، والاختصاص العسكري ، وجاءت على الشكل التالي :
المقدّم محمدعمران رئيساً ، وضمّت صلاح جديد ، عثمان كنعان ، عبد الكريم الجندي ، أحمد المير ، منير الجيرودي ، حافظ الأسد ( مدرعات ، مدفعية ، مشاة ، طيران ) ..
وشاءت الصدف أن حضرت لقاءات بعضهم مع المرحوم صلاح جديد في منزله لأنّني كنت أسكن معه في بناية واحدة ، ولم أسمع من أحدهم كلمة أو عبارة يُشتمّ منها أيّ نفس طائفي ، وكان همّهم الوطني ، وغيرتهم وحرصهم على الوحدة هو هاجسهم الطاغي على كلّ نقاشاتهم.” …
الأكاذيب – 3 – : ورد في العديد من المواقع والمقالات وعلى صفحات الفيسبوك أكاذيب أخرى منها :
” وبعد أن استولى حزب البعث على السلطة في انقلاب 8 مارس 1963 فيما عرف باسم ثورة الثامن من آذار، أعيد إلى الخدمة من قبل صديقه ورفيقه في اللجنة العسكرية مدير إدارة شؤون الضباط آنذاك المقدم صلاح جديد، ورقي بعدها في عام 1964 من رتبه رائد إلى رتبة لواء دفعة واحدة، وعين قائدًا للقوى الجوية والدفاع الجوي. وبدأت اللجنة العسكرية بتعزيز نفوذها وكانت مهمته توسيع شبكة مؤيدي وأنصار الحزب في القوات المسلحة. وقامت اللجنة العسكرية في 23 فبراير 1966 بقيادة صلاح جديد ومشاركه منه بالانقلاب على القيادة القومية لحزب البعث والتي ضمت آنذاك مؤسس الحزب ميشيل عفلق ورئيس الجمهورية أمين الحافظ ليتخلى بعدها صلاح جديد عن رتبته العسكرية لإكمال السيطرة على الحزب وحكم سوريا، بينما تولى هو وزارة الدفاع. ”
الحقائق – 3 – إنّ الوثائق والوقائع تدحض هذه الأكاذيب : فبعد الانفصال المشؤوم عاد الضباط السوريّون من مصر وكنت واحداً منهم ، وخدمت في كتيبة مشاة في اللواء25 ، وعلى دراية بكلّ مايجري من تنقّلات وتسريحات وغيرها داخل الجيش من خلال الاطّلاع على النشرات العسكرية التي كانت تُوزّع على قطعات الجيش آنذاك .. وبعد حواي شهر من الانفصال أصدر الانفصاليون نشرة عسكرية تضمّنت تسريح / 63 / ضابطاً ونقلهم إلى وظائف مدنية ، وكان من بينهم محمد عمران ، وصلاح جديد ، وحافظ الأسد ، وعُيّن صلاح جديد في مؤسسة النقل البحري وقد زرته في مقرّه الجديد الذي كان قريباً من فندق أميّة ، وبقي في هذه الوظيفة المدنية حتى قيام 8 آذار / 1963 .. وقد تحدّث اللواء : غسّان حدّاد أطال الله في عمره عن ذلك في كتابه “أوراق شاميّة” ، كما أجرى موقع “الحوار الديمقراطي ” حواراً خاصّاً معه وقد أفاد بما يلي :
” في صبيحة الثامن من آذار 1963 ،صدر عن الفريق الركن لؤي الأتاسي ،رئيس الدولة ، رئيس مجلس قيادة الثورة ، القائد العام للجيش والقوات المسلحة ( وبموافقة مجمل قيادة الثورة ) قراراً بعودة هؤلاء الضباط إلى الخدمة وتم التحاقهم فوراً .وقد شملت هذه القائمة كلاً من الضابطين الراحلين صلاح جديد وحافظ الأسد.”
الحوار الديمقراطي “: وهل تمّ استدعاؤهما معاً في وقت واحد ؟
الأستاذ غسان حدّاد : إنّ عودة هذين الضابطين إلى الخدمة تمّت في وقت واحد وقرار واحد، صادر عن القائد العام الجديد صباح الثامن من آذار 1963.وخلافاً لما ورد في بعض المصادر أن يكون أحدهما قد استدعى الأخر. وقد تمت إعادة كافة هؤلاء الضباط بالرتبة والقدم التي وصل إليها زملاؤهما من أبناء دورتيهما . ”
في : 4 / 3 / 2014 – يتبع في حلقة ثانية –

أكاذيب وحقائق عن الشهيد اللواء صلاح جديد ( الحلقة الثانية )
محمود جديد
قد يظنّ البعض ، أنّ دفاعي عن المرحوم صلاح ينطلق من اعتبارات عائلية ، أو منفعية سابقة كردّ للجميل .. وهنا أوضّح ما يلي : على الرغم من القرابة المركّبة التي تجمعنا والتي أعتزّ وافتخر بها ، إلّا أنّ قرابتي الحقيقية معه هي المبادئ والأهداف التي تجمعنا ، والخط السياسي والفكري الذي آمنّا به ، بغض النظر عن المطبّات والأخطاء التي حدثت أثناء فترة الحكم وإيجاباته وسلبياته …
أمّامن حيث المنافع ، فلم أسعٓ-;—;—–;——-;—- في يوم من الأيام ، ( ولن أسعى ما حييت ) للحصول على منافع خاصة تتجاوز مثقال ذرة حقوقي المشروعة ، سواءفي في فترة حكم الحزب أم بعدها، لا بل كنت في بعض الأحيان لا أنال ما أستحقّه من حقوق ، وأصمت حتى لا يفهمني البعض خطأً ، و أُسِيء للمرحوم عن غير قصد ، وفي الوقت نفسه ، كان بدوره يرفض تأمين مكاسب لأحد مهما كان قريباً أو صديقاً ( وهذا ما سأبرهن عليه لاحقاً) …
الأكاذيب رقم : 4
“يتّهمه العديد من السياسيين ، والكثير من الُمضللين بأنّه هو الذي سرّح عدداً كبيراً من أبناء الطوائف الأخرى لانتمائهم الطائفي ، وجلب عدداً من أبناء طائفته بدلاً عنهم … ”
الحقائق : 4
– لم تبتدئ التسريحات من ( ثورة ) آذار فقط ، بل شهد الجيش السوري موجات عديدة من التسريحات منذ الاستقلال في عام 1946 وحتى قيامها ، وخاصّة في أيّام الوحدة مع مصر ، وفترة الانفصال .. وبالتالي ليست بدعة جديدة بعثّية …
– كان المرحوم صلاح عضواً في مجلس قيادة الثورة ، واللجنة العسكرية ، وعمل نائباً لإدارة شؤون الضبّاط ثمّ مديراً لها لوقت قصير ، ولاحقاً رئيس أركان الجيش لأشهر قليلة وقد تخلّى عن هذا المنصب طواعية ، وهذا قلّما يحدث في العالم الثالث ، لأنّه لم يكُ من اللاهثين وراء التمسّك بالسلطة بل كان يمتلك مشروعاً وطنيّاً قوميّاً تقدّمياً يسارياً حقيقياً، ، وهذا المشروع يحتاج إلى حزب موّهل لتحمّل هذه المسؤولية الجسيمة ، ولم يكن حزب البعث بالمواصفات المطلوبة نتيجة حلّه أيّام الوحدة وتمزّقه والخلل في بنيته التنظيمية من الأساس ، فلذلك تفرًّغ للعمل الحزبي كأمين قطري مساعد بهدف السعي لبناء الأداة الحزبية الثورية المنشودة …
ومن خلال المناصب التي احتلّها لم ينفرد في يوم من الأيّام بقرار التسريحات التي تمّت ، ولم يكن يملك صلاحية ذلك لوحده، بل كان يشاركه في ذلك رفاقه العسكريون على الخصوص داخل اللجنة العسكرية وخارجها ، وكذلك اولئك الضباط القادة والمسؤولون الذين يحتلون مناصب عليا لها علاقة بموضوع التسريح أو الاستدعاء إلى الخدمة مثل المخابرات العسكرية ورئاسة الأركان وقيادة الجيش ورئاسة الدولة .. وعقب سقوط حكم الانفصال كان الفريق لؤي الأتاسي هو رئيس مجلس قيادة الثورة والجيش والدولة ، وخلفه الفريق أمين الحافظ ، وكان اللواء زياد الحريري رئيس الأركان ، وهؤلاء جميعاً شاركوا في اتخاذ القرار بالتسريح والاستدعاء وصدرت النشرات العسكرية بأسمائهم ، وهي موثّقة في الأرشيف العسكري … وهاهو اللواء غسان حدّاد الذي كان رئيس المرحوم صلاح في إدارة شؤون الضباط يروي لنا كيف كانت تتمّ آلية العمل في هذا المجال ( وهو حيّ يُرزق أمدٌ الله بعمره ) ومشهود له بالوطنية والنزاهة والصدق ، حيث يقول في معرض جوابه لسؤال من موقع الحوار الديمقراطي :
” الحوار الديمقراطي” : السيّد اللواء : عندما كنت مديراً لإدارة شؤون الضباط ، وكان المرحوم صلاح جديد برتبة مقدم ونائباً لك والمقدم رمزي الأوربلي معاوناً لمدير الإدارة ، كيف كانت آلية تحركات الضباط من ترفيع أو نقل أو استدعاء الضباط الاحتياط إلى الجيش أو إحالتهم إلى التقاعد …الى غير ذلك ؟هل كانت إدارة شؤون الضباط تملك الصلاحيات العسكرية لاستدعاء ضباط احتياط بمفردها ؟ أم أنّها بحاجة إلى موافقة أو قرار الجهات العسكرية العليا ؟
الأستاذ غسان حداد :بعد نجاح حركة الثامن من آذار وتشكيل مجلس قيادة الثورة ، والقيادة العامة الجديدة للجيش والقوات المسلحة ،قامت القيادة بتشكيل عدد من اللجان التي أنيط بها مهام شؤون الضباط ، فكانت هناك لجنة للترقيات وأخرى للتنقلات وثالثة للاستدعاء ورابعة للإحالة على التقاعد …الخ .وقد قامت هذه اللجان بمهامها وفق توجيهات القيادة العامة للجيش والقوات المسلحة ،وتسليم محاضرها أولاً بأول إلى المقدم رمزي الأوربلي معاون مدير الإدارة ، المخول بتنسيقها وتقديمها الى الفريق الركن لؤي الاتاسي القائد العام للقوات المسلحة لاتخاذ القرار المناسب بشأنها ، بعد التداول مع المختصين حسب أهمية الموضوع .وقد استمرت هذه الصيغة في حدود علمي حتى استقالة الفريق الأتاسي من منصبه ، علما بأن فترة إدارتي لمديرية شؤون الضباط استمرت شهرين ،حيث قدمت استقالتي عند استلامي وزارة التخطيط في 12 أيار 1963 .كما أن المرحوم صلاح جديد تولاها لبضعة أشهر فقط ، انتهت عندما تسلم رئاسة الأركان العامة”
هذا كلام إنسان مسؤول والمعروف عنه أنّه لا يجامل أحدا في قول كلمة الحق ، وقد عرّضته هذه الصفات الطيّبة لكثير من المتاعب في سورية والعراق …
إضافة إلى أهميّة ماذُكِر ، فإنّي أرغب بأن أكون شفّافاً ولا أخفي شيئاً أعرفه ، فإنّ الحزب قرّر تعويض الضباط المسرّحين بضباط احتياط حزبيين سابقين من جميع محافظات القطر ، وتناسب العدد طرداً مع الوجود الحزبي في تلك المحافظات آنذاك والنقص في الجيش ، وشارك رفاقنا العسكريون خارج اللجنة العسكرية وداخلها بفعاليّة في ترشيحهم ، كما ساهم الرفاق المدنيون أيضاً في هذا المجال .. وهنا أودّ التوضيح أنّ جميع هؤلاء المرشّحين كانوا قد تخرّجوا من كليّة ضبّاط الاحتياط ، وبعضم كان معبّأً في وحدات عسكرية احتياطية ، كما أعيد تأهيلهم في دورات عسكرية خاصة لاحقاً . وقد تعرّفت على بعض منهم في الكتيبة التي خدمت فيها في معسكرات قطنا والذين كانوا من مختلف الطوائف والمناطق ، ولا أزال أتذكّر أسماء البعض ، منهم : عطيّة سرحان من درعا ، وقاسم القاضي من بلدة الضمير (ريف دمشق ) ، وأحمد عقيل من يبرود ، وجودت بطرس سلّوم ( من ريف حماه ) ، ومجيد نيّوف من (ريف بانياس الساحل ) .. الخ وكانوا ضبّاطاً جيّدين ، وربّما بعضهم كان أكثر عطاءً وحماساً من الضباط العاملين … ولا أظنّ أنّي نسيت أحداً .. وما الوضع في كتيبتي إلّا نموذجاً لبقية الكتائب مع اختلافات طفيفة ..
وأستطيع الجزم بأنّ المرحوم صلاح لم يقترح أحداً من تلقاء نفسه ، بل اعتمد على ترشيحات رفاقه العسكريين من كافّة محافظات القطر ، وكذلك على ترشيحات فروع الحزب في المحافظات .. ووقتها كان الحماس طاغياً على الجميع ، ولكن لا يعني هذا عدم تسلّل عدد قليل عن طريق المحسوبيات الشخصية خارج الأسس الحزبية المعتمدة ..
وثمّ تتالت التسريحات عقب الانقلابات الفاشلة والناجحة ، وفي هذا الإطار تمّ تسريح الناصريين بعد المحاولة الانقلابية الدموية في العاصمة دمشق ، وقد جرت في منتصف نهار 18تموز / 1963 عندما سيطروا على سريّة الإشارة ، وهاجموا مبنى الأركان العامّة ، ومبني قيادة القوى الجويّة … ، وكذلك تسريح البعثيين المحسوبين على أمين الحافظ والقيادة القومية عقب قيام حركة 23 شباط ، وعقب حركة سليم حاطوم الفاشلة بعد أن اعتقل رئيس الدولة والأمين العام للحزب المرحوم الدكتور نور الدين الأتاسي ، والأمين العام المساعد صلاح جديد في مدينة السويداء وطالبهما تحت تهديد السلاح بالحصول على وعد منهم بتسليمه اللواء سبعين ( الكسوة ) ، وثمّ فرّ إلى الأردن وأجرى مؤتمراً صحفياً في عمّان وهاجم فيه قيادة الحزب ..
وكخلاصة لموضوع التسريح والاستدعاء أقول أنّها جرت لأسباب سياسية وأمنية ، ولم يكن الانتماء الطائفي هو السبب على الاطلاق كما يقول الحاقدون والمُضٓ-;-للون ..
أكاذيب – 5 –
– ” يحمّله البعض ظلماً مسؤولية قمع تحرّك مروان حديد في حماه عام 1964 ”
حقائق – 5 – بعد أن انفجرت الأحداث في حماة عام 1964 على شكل حراك مسلّح بزعامة السلفي مروان حديد وهو شقيق الرائد كنعان حديد(البعثي ) ، وقد احتلّ المسلّحون المساجد وتمترسوا بها ، واستخدموا مآذنها لرصد وقنص الوحدات العسكرية التي وصلت إلى المدينة للتعامل مع التمرّدالمسلّح ، والمساهمة في فرض الأمن فيها ، ( وكان محافظ المدينة آنذاك عبد الحليم خدّام ) وكان المسلّحون قد هاجموا مقرّات الحرس القومي ، وقتلوا شقيق البعثي نصر الشمالي وابن المدينة ، وقد اتخذوا ” جامع السلطان ” مقرّاً لقيادتهم وفتحوا النار من مئذنته على وحدات الجيش ، وقد أصيب الجامع بأضرار نتيجة ردّ الجيش على مصادر النيران التي انطلقت منه ، ونتيجة لتفاقم الوضع في حماة توجّه الفريق أمين الحافظ رئيس الدولة إلى المدينة ، واصطحب معه وزير الدفاع اللواء حمد عبيد ، وقرّرا قصف المتمرّدين بالمدفعية إذا لم يتوقّف التمرّد .. وقد حذّرهم اللواء صلاح جديد من مغبّة تنفيذ هذا القرار ممّا اضطّره للسفر إلى حماة والالتحاق بهم للمشاركة المباشرة بمعالجة الأوضاع المتأزمة هناك ، وفور وصوله طلب الإجتماع إلى وجهاء وشيوخ حماة وعقلائها ،للتحاور والتفاعل المباشر حول حلّ يحقن الدماء ، وتمّ الاتفاق معهم على ضرورة تسليم المتمرّدين أسلحتهم كشرط لإنهاء الأزمة وفرض الأمن ، وتسهيلاً لتنفيذ الاتفاق تمّ الاكتفاء بتسليم ثلاثة بنادق فقط كمخرج يحفظ ماء وجه الجميع ، كما اتخذت القيادة قرارات خاصّة مستعجلة حول تنمية حماة ، وفتح المحلّات المغلقة من قبل السلطات المحلية … هذا وقد اعترف أمين الحافظ في شهادته على العصر على قناة الجزيرة ، بالدور الإيجابي الذي لعبه صلاح جديد في معالجة العصيان المسلّح في حماة ، على الرغم من هجومه الحاد والظالم عليه والمبني على أحقاد ثأرية نتيجة إزاحته من السلطة في 23 شباط / 1966 … علماً أنّهما كانا يعرفان بعضهما منذ أيام الوحدة ، وأنّ صلاح ساهم بقرار استدعائه من الأرجنتين وترشيحه رئيس الدولة ، وكان الكثيرون من رفاقنا العسكريين معجبين بعفويته وحماسه ( وكدعنته ) ووطنيّته ، ولكنّهم فوجئوا بمحدوديّة قدراته في تسييرأمور دولة …
وهنا ، سأروي ماحدث معي له علاقة بموضوع حماة ، ففي إحدى زياراتي العائلية لمنزل المرحوم صلاح ( زوجتي أخته ) وكان يوم جمعة ، وجلست في غرفة الضيوف مع رجلين يرتديان اللباس الحموي العربي الأصيل ، وعرفت من سياق حديثهما مع المرحوم صلاح بأنّهما من مدينة حماة وقد جاءا ليشكراه على معالجته الحكيمة لتمرّد مروان حديد وإنقاذ حماة من كارثة …
أكاذيب – 6 – ” اتّهام صلاح جديد بترفيع حافظ الأسد لرتبة لواء وتسليمه القوات الجوّية ”
حقائق – 6 – إنّ ترفيع حافظ الأسد كان انعكاساً لحساسية شخصيّية بين أمين الحافظ ، ومحمد عمران ، فكان الأوّل لا ( يستسيغ ) الثاني ، ويعود ذلك لغيرة الحافظ من الأدوار البارزة التي لعبها عمران بدءاً من انقلاب مصطفى حمدون على الشيشكلي عام 1954 ، حيث كان عمران ذراع حمدون الأيمن في الانقلاب ، فهو الضابط الذي احتلّ إذاعة حلب بسريّة الدبّابات التي كان قائدها ، وأصبح فيما بعد رئيساً للجنة العسكرية ، ومشاركاً بارزاً في التخطيط لحركة آذار / 1963 وتنفيذها ، كما أنّه يتمتّع بثقافة حزبية وسياسية أكثر عمقاً واتساعاً ، ويُضاف إلى ذلك دوره الهام في إعادة الحافظ من الأرجنتين وتسليمه المسؤولية البارزة في سلطة ( ثورة ) آذار وربّما الحافظ كان يشعر بالنقص الممزوج بالغيرة والكبرياء من تبؤّ عمران هذا الدور .. وكان الرجلان يتناكفان في الاجتمعات الحزبية والرسمية ، ولهذه الحساسية المفرطة قرّر الحافظ إبعاده عن سورية إلى إسبانيا على الرغم من كونه عضو قيادة قومية ، وكان ذلك مخالفة صريحة للأسس الحزبية شاركه فيها القياديّون الحزبيّون الذين وافقوه … ومن منظار الحسابات الطائفية أراد الحافظ البرهنة على أنّ تصرّفه هذا لم يكن لدوافع طائفية ( وهو في الحقيقة لم يكن كذلك حسب تقديري ) في ذلك الوقت ، ولذلك قام بترفيع حافظ الأسد الذي كان برتبة مقدّم وقائداً لقاعدة الضمير الجوية إلى رتبة لواء وتسليمه قيادة القوات الجويّة .. ولم يكن صلاح جديد مرتاحاً لذلك ، وسمعت منه مباشرة قوله :” لم يكن من مبرّر لهذا الترفيع … “ومن مفارقات القدر بعد أنْ اشتدّ الصراع في عام 1965 بين تيّار القيادة القومية المتحالفة مع أمين الحافظ ، وتيّار القيادة القطرية قام الحافظ والقيادة القومية باستدعاء محمد عمران ، وعيّنوه وزيراً للدفاع بعد أن كان مغضوباً عليه في عام 1964 من الحافظ نفسه …
– أمّا موضوع تسليمه وزارة الدفاع بعد قيام حركة 23 شباط ، فالقيادة القطرية هي التي اتخذت بشكل جماعي هذا القرار ومن ضمنها صلاح جديد .. وقد سمعت من الرفيق المرحوم : الدكتور إبراهيم ماخوس بأنّ اللجنة المصغّرة من القيادة القطرية ، و التي كانت مكلّفة بالتخطيط لحركة 23 شباط ، والإشراف على تنفيذها كانت متّفقة أن يكون صلاح جديد هو وزير الدفاع .. وفي الاجتماع الموسّع للقيادة القطرية طرح أحدأعضائها ترشيح حافظ الأسد لوزارة الدفاع ، ولم يبدِ أي عضو منها اعتراضاً على ذلك ، أو يقدّم اقتراحاً بديلاً وهكذا مرّ الأمر .. بينما كان من المفروض أن تعبّر اللجنة عن رأيها بشكل صريح ومسبق لباقي أعضاء القيادة القطرية في الاجتماع الذي عقدته لتشكيل الوزارة … هذا ما أعرفه وبكلّ صدق وشفافيّة عن هذا الموضوع …
في : 8 / 4 / 2014. – يتبع في حلقة ثالثة –

– أكاذيب : 7
” إلصاق تهمة الطائفية بصلاح جديد ”
حقائق : 7
تمتّع صلاح جديد برصيد من الأخلاق والفضيلة قلّ نظيره ، كما لم يستلم عملاً في حياته العسكرية أو المدنية إلّا أجاده ، ولم يلهث وراء جاهٍ أو مال ، وبالتالي ، كان متعذّراً على خصومه وأعدائه اختراق حصنه الأخلاقي والسلوكي وليّ ذراعه سياسيّاً وتشويه سمعته ، أو تطويعه ، ولذلك كان السلاح الأسهل والجاهز دوماً للاستعمال ضدّه هو تهمة الطائفية دون أيّ دليل على ذلك ، بينما كان المرحوم صلاح أبعد الناس عن هذه التهمة ، وأكثر الناس مقتاً للطائفية وتفهّماً لأبعاد ونتائج وانعكاسات هذا المرض ، وهنا أتحدّى أي إنسان أن يأتي بموقف أو تصريح أو مقابلة أو خطاب أو قرار أو تصرّف داخل الحزب ، أو خارجه صدر عن صلاح جديد يؤكّد هذه التهمة ، ومعظم هذه التهم كانت تنحصر بالأكاذيب التي دحضتها سابقاً ، وأضيف إليها ما يلي :
– عقب هزيمة حزيران العسكرية / 1967 / اجتمعت القيادتان القومية والقطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي الحاكم لتدارس الأوضاع بعد العدوان الإسرائلي (كان يُطلق عليه الاجتماع المشترك ) وفي ذلك الاجتماع طرح المرحوم صلاح موضوع تغيير وزيرالدفاع ورئيس الأركان ( حافظ الأسد ، وأحمد سويداني ) ، وقدّ علّل ذلك بالاستناد إلى الدروس المستفادة من تجارب الشعوب والقائلة : بأنّ أية قيادة عسكرية منتصرة أو منهزمة يجب أن تُغيَّر، فالمنتصرة سيصيبها الغرور الذي يقودها في غالب الأحيان إلى الديكتاتورية والمغامرات التي تجلب الكوارث على الوطن والأمة… والمنهزمة غير قادرة على استخلاص عبر الحرب بموضوعية وصدق، والسير بخطا جادة على طريق إعداد الجيش، وتأهيله معنويا وماديا من أجل تنفيذ المهام الوطنية والقومية الموكلة عليه، وعلى رأسها خوض معارك التحرير المقبلة، وكانت نتيجة التصويت على اقتراح تغيير قيادة الجيش بفارق صوت واحد ، ( مع الأسف ) ، وهنا ، لا أحمّل أحداً بمفرده مسؤولية ماحدث ، فبغضّ النظر عن قناعة ودوافع الذين صوّتوا ضدّ الاقتراح فإنّ معظمهم قضوا زهرة شبابهم ظلماً في سجون حافظ الأسد بدون محاكمة ..
هذا وقد كانت تنحية حافظ الأسد لا تستأهل أكثر من قرار من الاجتماع المشترك ، لأنّ وضعه النفسي والعسكري كانا متردّيين إلى أبعد الحدود ، حيث اعتكف في مطار المزّة عند أخيه رفعت الذي كان متمركزاً مع سرايا دفاعه فيه.. وقد أخبرني الرفيق الراحل إبراهيم ماخوس ” أنّه زار حافظ الأسد هناك وأقنعه بضرورة التخلّي عن وزارة الدفاع ، وكان موافقاً من حيث المبدأ “..
ولكنّ أجواء الاجتماع المشترك ونتيجة التصويت أنعشته ، وجعلته ينطلق بمخطط جديد يستهدف تحصين نفسه من المحاسبة مستقبلاً من جهة ، وتدعيم موقفه على طريق الارتداد والتصحيح المزيّف من جهة أخرى ، هذا ” التصحيح ” الذي شكّل نقطة البداية للمسار الذي أوصلنا إلى الأوضاع المأساوية التي تعيشها سوريّة هذه الأيام …
– وفي عام 1968 بذل المرحوم صلاح وبعض رفاقه في قيادة الحزب جهوداً كبيرة لاتخاذ قرار من قبل الاجتماع المشترك للقيادتين القومية والقطرية يقضي بتبديل مراكز القوى من أماكنهم ، وفيما يلي نصّ القرار ، والتعميم الذي تبعه و الصادر من الأمين العام المرحوم الدكتور نور الدين الأتاسي .. وهاتان الوثيقتان تلقيان الضوء جيّداً على ما حدث ، وتوضّحان الصورة لمن يبغي الحقيقة بعيداً عن الاتهامات والتشكيك ..
“. الإجتماع المشترك
الرقم: 464/3 تعميم يبلغ لكامل الجهاز الحزبي فور تبلغه
التاريخ 21/10/1968
أيها الرفاق
تحية عربية
نظرا لبدء مرحلة جديدة بعد المؤتمر القطري الرابع والمؤتمر القومي العاشر، والتي تستلزم المزيد من التركيز على ترسيخ الأسس الحزبية، وجعل الحزب فوق أشخاصه، وبعد دراسة بعض الثغرات التي تولدت في المراحل الأخيرة من مسيرتنا، وحرصا على الحزب وثورته ومستقبل الجماهير العربية، ومن أجل مواجهة المراحل القادمة وخاصة مرحلة تحرير الأرص المحتلة.
فقد قرر ” الإجتماع المشترك” للقيادتين القومية والقطرية بجلسته المنعقدة بتاريخ 20/10/1968 ما يلي:
1 – ممارسة النضال الذاتي للتغلب على مظاهر المرض الجديد ( الإنزلاق نحو تشكيل مراكز القوى) وهو في طوره الأولي، والقيادة على ثقة بأن ذلك ليس صعبا على أي عضو منها كمناصل ثوري.
2 – تطبيق قرارات المؤتمر حول النقد والنقد الذاتي.
3 – اعتبار أن هذه القيادة هي مصدر الحلّ وهي القيادة الشرعيّة صاحبة الحقّ في إيجاد الحل. 4 – الإلتزام الحزبي الطوعي والمسؤول بكلّ ما يصدر عن هذه القيادة من حلول واعتبار أي خروج عن ذلك خروجا عن إرادة الحزب وإرادة الجماهير.
– إجراء تغيير شامل في المسؤوليات الحزبية والحكومية ولا سيما لمن أمضى دورة حزبية كاملة في مكان واحد، وتكليف الرفيق الأمين العام الدكتور نور الدين الأتاسي بتشكيل وزارة جديدة، على أن يطبّق مبدأ التغيير الشامل في المسؤوليات الحزبية والحكومة بكلّ دقّة .

إعلان ذلك فورا على الجهاز الحزبي كلّه لأخذ العلم ولقطع الطريق على التشويش القائم والقلق النفسي الذي يسود منظمات الحزب وجماهيره”.
الأمين العام
** *** ** ** ** ** ** ** ** ** **
” القيادة القومية
الرقم: 465/3 تعميم يُوزّع على مستوى الفرقة
التاريخ 25/10/1968
في يوم الخميس24/10/1968 اجتمعت القيادتان: القومية والقطرية وبحثتا في المراحل التي توصلتا إليها في حلّ الأزمة الحزبية وقد اتخذتا قرارا بتفويض الأمين العام للحزب باتخاذ التدابير التي يراها ضرورية لتجاوز الأزمة، بما يحقق متابعة الحزب لنضاله في مجابهة التحديات المصيرية” على ضوء مقررات المؤتمر القطري الرابع والمؤتمر القومي العاشر” ويرسخ وحدته الفكرية والتنظيمية ويعزّز سلطة مؤسساته القيادية المختلفة على أن يباشر الأمين العام للحزب عمله فورا لتشكيل وزارة جديدة. والأمين العام للحزب إذ يحمل هذه المسؤولية الكبيرة يناشد الرفاق جميعا أن يعملوا بكل وعي وتصميم على التغلب على الأزمة وأن ينتقلوا من مرحلة ردود الفعل السلبية إلى مرحلة الفعالية الثورية التي تدرك ظروف المرحلة ومتطلباتها، فإن الخطر لا يأتي فقط من قوى الثورة المضادة التي تتربص بالحزب.. بل الخطر كل الخطر أن تتجه قوى الحزب نفسه اتجاها تناحريا تهدر فيها طاقات من واجبنا أن نوفّرها باتجاه الخطر الذي يهدد وجودنا ومصيرنا.
إنّ مواقف الحزب ونضاله لم تعد ملكا له وحده ، وإنما هي ملك الجماهير العربية التي تتطلع إليه ليكون كما كان دائما أملا تنشد إليه وهاديا يرشد إلى الطريق وطليعة في المسيرة الصعبة وقدوة في التضحية والبذل والعطاء.
إنّ الوقت الذي نبذله لحل الأزمة وقت لانملكه، ولذلك علينا أن نتجاوز الأزمة بأقصر وقت ممكن لننصرف جميعا إلى متابعة نضالنا في الميادين المختلفة التي نعمل بها، وان الكلمات التي تقال هنا وهناك وما تخلقه من منعكسات على مجمل نضالنا وتحرّكنا يجب أن نستعيض عنها بمواقف إعداد وحزم ورجولة في وجه أعداء أمتنا وشعبنا..
إنني أقول للرفاق جميعا وأنا على ثقة ممّا أقول، أن العمل على تجاوز الأزمة قد بدأ بشكل جدي في الوقت الذي أعلن فيه جميع الرفاق الذين اُنتخِبوا من المؤتمر القطري الرابع كأعضاء في القيادة القطرية أنهم ملتزمون التزاما كاملا بالنضال لتحقيق مقررات مؤتمر الحزب وملتزمون بما صدر عن قيادات الحزب لتنفيذ هذه المقررات.
أيها الرفاق:
– إلى النضال لترسيخ وحدة الحزب الفكرية والتنظيمية.
– إلى العمل الجاد لتعميق مسيرة الحزب وتمتين بنيته سواء كان ذلك في القطاع المدني أو العسكري، إن المرحلة الخطيرة التي تمر بها أمتنا العربية تتطلب منا جميعا أن نرتفع إلى مستوى الأهداف التي نناضل من أجلها والمعركة التي نخوضها”. الأمين العام ” ” انتهى الاقتباس ”
ولكنّ قرار الاجتماع المشترك ، وتعميم الأمين العام بقيا حبراً على ورق من حيث التغيير الفعلي لمراكز القوى ، لا بل ازدادت الهوّة اتساعاً بين الإرادة الحزبية المجسّدة في مضمون القرار وبين جنوح حافظ الأسد نحو الارتداد والديكتاتورية ، وأصبحت معالم إزدواجية السلطة بادية لأعين المراقبين السياسيّين ، وللوفود الرسمية الزائرة التي كانت تعمل على تأمين لقاء مع وزير الدفاع بغض النظر عن طبيعة مهمّة الزيارة وهدفها .. كما فسحت هذه الازدواجية الباب لأطراف داخليّة وخارجية للتدخّل واللعب في ساحة الحزب ، وإعطاء الإيحاءات بالدعم والمساندة والتشجيع لحافظ الأسد ، وكان لكلّ طرف أهدافه وغاياته الخاصة .. وقد لعب النظام العراقي آنذاك دوراً مهمّا ونشطاً في هذا المجال بهدف دفع التناقض الحزبي إلى نهايته التي ترمي إلى التخلّص من قيادة الحزب ، كمحطّة أولى ، وتمهيد لمرحلة لاحقة يتمّ فيها تصفية الحساب النهائي مع حافظ الأسد ، وكانوا يتوقّعون أنّها لن تدوم أكثر من ستة أشهر .. ولهذا أوعزت القيادة القومية المتواجدة في بغداد لأتباعها في سوريّة كي يدعموا حافظ الأسد في معركته مع قيادة الحزب ، و تأكد لنا هذا الخبر لاحقا من عدة مصادر كانت على علاقة مع جماعة ما كان يُطلٓ-;—;–ق عليه ” التنظيم القومي .” وقد تحدّثت عن ذلك في حينه ، وقد أثبتت الأحداث لاحقاً صحّة تلك المعلومة من خلال اصطفاف بقايا هذا التنظيم في الجيش إلى جانب حافظ الأسد ، وتعاونهم معه بحماس بعد الردّة التشرينية …
وفي ظلّ هذه الأجواء ، وعدم توفّر الإرادة الحازمة في قيادة الحزب لتنفيذ قرار تغيير مراكز القوى ، والنهج التوافقي ، وعقليّة تبويس اللحى والتي سادت قبل انعقاد المؤتمر القطري الرابع الاستثنائي في آذار 1969 ، وخلاله تمّ التراجع عن هذا القرار ، الأمر الذي شكّل الضربة ماقبل النهائية لنجاح الردّة التشرينية … ولكنّ السؤال هنا ، ما هو موقف المرحوم صلاح ممّا جرى ؟
كان صلاح جديد لاعباً مهمّاً في اتخاذ قرار تغيير مراكز القوى لأنّه كان يرى في هذا القرار بديلاً وتعويضاً عن اقتراحه بتغيير قيادة الجيش عقب هزيمة حزيران العسكرية ، والذي سقط كما أشرت سابقاً ، وفي الوقت نفسه ، كان يدرك أهميته الفائقة في صيانة المسيرة اليسارية لتجربة الحزب ، وبناء الأداة الثورية القادرة على النهوض بالشعارات والأهداف الطموحة التي اعتمدها ، وهذا هو الدافع الرئيسي الذي جعله يتخلّى طواعية عن رئاسة الأركان ليتفرّغ لإنجاز هذا البناءالضروري كما أشرت في حلقة سابقة ، وعلى ضوء ذلك كان متحمّساً لتطبيق ذلك القرار ، واعتبار التراجع عنه سيشكّل حافزاً لكلّ المهزومين في الخامس من حزيران / 1967 والانتهازيين ، وللخلايا النائمة أو المكشوفة المناهضة للحزب المتبقية في الجيش بشكل خاص ، والساحة السورية بشكل عام للالتحاق بحافظ الأسد ،وتشجيعه على استكمال الارتداد ، من خلال إدراكهم أنّ قيادة الحزب عاجزة عن إزاحته من منصبه في وزارة الدفاع ، وبالتالي فهو الطرف المرشّح لربح الجولة ، ولذلك رأى المرحوم صلاح في خطوة التراجع عن تطبيق القرار خطأً كبيراً ، وقد سمعت منه هذا الكلام بشكل مباشر … ”
– ورد في الجزء الثالث من كتاب نقد تجربة الحزب الصادر عن حزب البعث الديمقراطي عام 1980 مايلي :
” – فمنذ ” الإجتماع المشترك” الأول الذي عقد بعد المؤتمر القطري الرابع الإستثنائي تبيّن صعوبة معالجة أي أمر جدي أو البت بأي موضوع يتصور أعضاء القيادة أنه قد يثير قيادة الجيش!… فلقد حاول بعض الرفاق وفي مقدمتهم الرفيق الأمين العام المساعد / صلاح جديد / إقتراح ودراسة المشاكل والأمراض التي يشكو منها الحزب والسلطة، والتي تفاقمت خلال الأزمة، بحيث تعود الأمور تدريجيا إلى نصابها الصحيح، وذلك على أساس الفهم الموضوعي الحقيقي ” لشعار الإيجابية واستعادة الثقة” الذي طُرِح في المؤتمر. وفي مقدمة تلك الأمراض ظاهرة الطائفية في الجيش التي برزت أثناء الإزدواجية ، وبدأت تُستخدم كسلاح خطر من قبل أعداء الحزب والوطن، والتي كان لابدّ من التصدي لمعالجتها بالروح الحزبية الثورية المطلوبة. ” انتهى الاقتباس ” ..
وعقب ذلك ثارت ثائرة حافظ الأسد غاضباً ومندّداً بهذا الطرح ونافياً له ، ولم يتخذ الاجتماع المشترك أيّ موقف تجاه الأمر .. وعلى كلّ حال ، كان صلاح جديد من طليعة الأوائل في قيادة الحزب الذين لاحظوا بروز ظواهر ومؤشّرات طائفية في الحزب خلال فترة الإزدواجية وأشار إليها ونقدها ، وطالب باتخاذ موقف تجاهها.
– بدون غوص في المفهوم الفلسفي للطائفية ، نستطيع القول : إنّ الطائفي هو الشخص الذي يجعل من انتمائه للطائفة التي وُلِد فيها يتقدّم على انتمائه الوطني والقومي والسياسي والحزبي ..الخ ، ويجسّد ذلك في مواقفه النظرية والعملية ، وانسجاماً مع هذا الفهم والتوجّه سينحاز الطائفي لعشيرته وأسرته .. فهل بهذه المعايير قادر أي ّ إنسان موضوعي أن يعرض قولاً أو عملاً صدر عن صلاح جديد في هذا المجال ..؟ فهو لم يقدّم خدمة خاصّة لقريب أو بعيد من أسرته أو قريته بشكل يميّزه عن أيّ مواطن آخر ، كما لم يُولِ محافظتي اللاذقية وطرطوس برعاية خاصة زيادة عن باقي المحافظات ( ولم يستلم منصباً يؤهُله لذلك أصلاً)، لا بل ، لم يزر تلك المناطق ولا مرّة واحدة خلال وجوده في السلطة والحزب ، حسب علمي ….
وأختتم موضوع تهمة الطائفية بما كتبته في مقال خاص عقب استشهاده :
” وخلاصة القول في هذا المجال: أن الشهيد صلاح كان أشد الناس كرها للطائفية، وأدراهم معرفة بمخاطرها على الوطن والأمة، ولم يجسّد قولا أو عملا عكس ذلك في يوم من الأيام، لأنه كان يحصر انتماءه الوحيد بأمته العربية الواحدة، ويحدد انحيازه الصريح والواضح إلى جانب كادحيها وفقرائها، وبالرغم من ذلك تعرّض إلى حملات ظالمة، بعضها كان مشبوه المقاصد، وبعضها الآخر نتيجة الضلال والتضليل، وجهل جوهر وحقيقة ومعدن الشهيد /أبي أسامة/ وإن كان المرء يتفهم بعض الدوافع والمبررات للتقييمات الخاطئة والظالمة للشهيد قبل عام 1970، فهل يبقى الآن إنسان مصمم على الاستمرار في خطئه هذا بعد استشهاده وصموده الأسطوري 23 سنة داخل سجن المزة العسكري الشهير، إلا إذا كان قاصر العقل أو جاهلاً ،أو مأجورا؟ ” ولكنّني سأضيف إلى هؤلاء : والطائفيين أو الحاقدين سياسيّاً …
– يتبع في حلقة تالية –
اتّخذ الكثير من القوى والأحزاب والأفراد من اللجنة العسكرية قاعدة انطلاق لهجوم طائفي مركّز على محمد عمران وصلاح جديد وحافظ أسد ، وقد نال المرحوم صلاح قسطاً كبيرا من ذلك ، حيث اعتبروها أسّ البلاء والكوارث التي عاشتها وتعيشها سورية منذ أكثر من خمسين عاماً ..
حقائق : 8
كان صلاح جديد عضواً مهمّاً في اللجنة العسكرية منذ إعادة تأسيسها عام 1960 وحتى حلّها ، ولذلك سأستعين بالحقائق الدامغة التي تقوم على الأسماء والتواريخ والمراحل ، وليس بالدحض النظري الإنشائي كما فعل خصومها :
– في ظلّ سوء إدارة حكم نظام الوحدة في سوريّة، والأجواء البوليسيّة التي كانت قائمة ، وتهميش قاعدة وكوادر حزب البعث المدنيّين والعسكريّين ، وخوفهم على مستقبل الوحدة ، واعتماد عبد الحكيم عامر على ضبّاط سوريين غير وحدويّين ، أو انتهازيين ، وضباط مصريّين محترفين ، التقى عدد من الضباط البعثيّين من ذوي الرتب الأعلى المتواجدين في القاهرة وشكّلوا اللجنة العسكريّة الأولى ، بهدف تنظيم الضبّاط البعثيّين وحمايتهم من الاحتواء والابتلاع من قبل مخابرات الوحدة ، وخاصّة بعد أن تمّ حلّ حزب البعث في سورية ، وقد ضمّت كلّاً من الضباط : العقيد بشير صادق رئيساً ، وعضويّة مزيد هنيدي ، وممدوح شاغوري ، وعبد الغني عيّاش ، ومحمد عمران الأصغر رتبة …
وبعد فترة قصيرة نُقِلَ أربعة منهم إلى السلك الدبلوماسي ، وبقي عمران وحيداً ، ممّا دفعه لإيجاد اللجنة الثانية البديلة من النسق الثاني من الضبّاط البعثيين ، وتشكّلت بناءً على أسس الأقدمية والتواجد في القاهرة ، والاختصاص العسكري ، وجاءت على الشكل التالي :
المقدّم محمدعمران رئيساً ، وضمّت صلاح جديد ، عثمان كنعان ، عبد الكريم الجندي ، أحمد المير ، منير الجيرودي ، حافظ الأسد ( مدرعات ، مدفعية ، مشاة ، طيران ) ..
وشاءت الصدف أن حضرت لقاءات بعضهم مع المرحوم صلاح جديد في منزله لأنّني كنت أسكن معه في بناية واحدة ، وطابق واحد ، ولم أسمع من أحدهم كلمة أو عبارة يُشتمّ منها أيّ نفس طائفي على الإطلاق ، وكان همّهم الوطني ، وغيرتهم وحرصهم على الوحدة هو هاجسهم الطاغي على كلّ نقاشاتهم …
اللجنة العسكرية رقم 3 :
بعد جريمة الانفصال في أيلول عام 1961 عاد الضباط السوريّون الى دمشق ، وبعد فترة قصيرة قامت سلطة الانفصال بتسريح 63 ضابطاً معظمهم من البعثيّين ، وشملت جميع أعضاء اللجنة العسكرية رقم 2 ، ولكنّهم بقوا داخل سوريّة ، غير أنّ الظروف الجديدة والضرورة فسحت المجال لتوسيع دائرة اللجنة من رفاق آخرين نجوا من التسريح فأُضِيف إلى تشكيلة اللجنة السابقة كلّ من : الرائد حمد عبيد ( جبل العرب ) ، الرائد موسى الزعبي ( درعا ) ، النقيب محمد رباح الطويل ( مدينة اللاذقية ) ، والنقيب المسرّح حسين ملحم ( إدلب ) ..
وكانت اللجنة حتى ذلك التاريخ بعيدة عن الاتهامات الطائفية ، أو استقطاب الأجنحة داخل حزب البعث الذي تبعثر نتيجة حلّ نفسه كمهر للوحدة … وبعد المحاولة الانقلابية الوحدوية بقيادة العقيد جاسم علوان في 28آذار / مارس / عام 1962 ، والتي شارك فيها الضبّاط البعثيّون بفعاليّة تمّ اعتقال معظم أعضاء اللجنة ، وبقي رئيسها محمد عمران في السجن حتى قبيل قيام حركة 8 آذار ، وخلال فترة اعتقاله استلم صلاح جديد رئاستها حسب تسلسل الأقدمية ، واستمرّت في التعاون مع الضباط الوحدويين الآخرين لإسقاط حكم الانفصال ، وهذا ما تمّ في 8 آذار / 1963 ..
اللجنة العسكرية رقم 4 ( في مرحلة السلطة ) :
استعرضنا حتى الآن تشكيل اللجان العسكرية قبل وصول حزب البعث إلى السلطة ، وحتى هذا التاريخ لم ينطق اي مخلوق حرفا واحدا يمس نزاهة ووطنية هذه اللجنة وبعدها عن الطائفية وسواها من الأمراض الاجتماعية ، علماً أنّ عدد أعضائها الذين وُلِدوا في الطائفة العلوية لم يتجاوز الثلاثة في كلّ مراحل تشكيلها ، وتقلّص هذا العدد لاحقاً ، وكان جميع أعضائها ضبّاطاً وطنيّين مخلصين وأكفّٰ-;—;–اء ، ولم يكونوا نكرات أو أمعات ، سواء اختلفنا أو اتفقنا سياسيّاً مع هذا أو ذاك فيما بعد …
بعد أن وصل البعث إلى السلطة عام 1963 أُعِيْدَ تشكيل اللجنة العسكرية من خلال إضافة الضباط :
العميد أمين الحافظ ، أحمد سويداني ، سليم حاطوم ، مصطفى الحاج علي ، توفيق بركات ، وبذلك صار عددها 16ضابطاً ، وبرئاسة العميد أمين الحافظ الأقدم بينهم .. وبقي من ضمنها ثلاثة ضبّاط وُلِدوا في الطائفة العلوية ، ولم يُتَّهم أحد منهم حتى تاريخ تشكيلتها الجديدة بالطائفيّة ، وكانت الاعتبارات الحزبية والنضالية والعسكرية هي السائدة فيما بين أعضائها … وفي عام 1964 تمّ إبعاد محمد عمران كما أشرت في حلقات سابقة .
بقيت اللجنة العسكرية متكاتفة متضامنة عندما كان الحزب يخوض صراعاً مع الآخرين داخليّاً وخارجيّاً ، وبعد أن استكمل انفراده بالسلطة ، وتربّع أمين الحافظ على عروش السلطات التنفيذية والعسكرية والأمنية والحزبية من خلال جمعه رئاسة الدولة ، ورئاسة الوزراء ، والقائد الأعلى للجيش للقوات المسلّحة ، ورئيس اللجنة العسكرية ، والأمين القطري لحزب البعث .. ونعتبر تمركز السلطات بيد شخص كان خطأً ، و سيوصل إلى الدكتاتورية كما علّمتنا دروس وعبر التاريخ …
وفي آذار عام 1965 حلّ المؤتمر القومي الثامن لحزب البعث اللجنة العسكرية رسميّاً واستُبدِلَت بمكتب عسكري تابع للقيادة القطرية ، وتمّ تشكيله من سبعة ضبّاط منتخبين من مؤتمر عسكري هم : المقدّم موسى الزعبي ، المقدّم مصطفى طلاس ، المقدّم حسين ملحم ، الرائد محمد رباح الطويل ، الرائد جمال جبر ، الرائد طالب خلف ، الرائد عبدو الديري .. ومن سبعة بحكم المنصب العسكري : قائد الجيش ، رئيس الأركان ، وقائد القوى الجويّة ، وقائد القوى البحريّة ، وقائد الجبهة ، ومدير إدارة المخابرات العسكرية ، ومدير إدارة شؤون الضباط ، وأصبح هذا المكتب بشقّيه يشكّل لجنة شؤون الضبّاط في قيادة الجيش المسؤول عن ترفيع ونقل الضباط وأيّة مسائل أخرى تتعلّق بأمورهم … وهكذا يبدو بوضوح موثّق أنّ صلاح جديد لم يكن منفرداً بسلطة عسكرية مطلقة في الجيش كما يطرح المغرضون والمُضٓ-;—;–لّلون …
ملاحظات واستنتاجات حول اللجنة العسكرية ، وتوظيفها سياسيّاً :
1 – كان عمر اللجنة العسكرية في ظلّ السلطة عام ونصف العام فقط ، ولم تستمرّ متماسكة سوى أشهر قليلة ، واستلم أمين الحافظ رئاستها منذ بداية حكم الحزب ، وبالتالي ، فإن إضفاء الطابع الطائفي عليها يعتبر باطلاً وظالماً ، وتوظيفاً خبيثاً في أمور خارجة عن هدف تشكيلها ، والمسار الذي أخذته …
2 – ساهمت اللجنة العسكرية بفعالية للوصول إلى السلطة ، وسُرِّحتْ ، وسُجِنَتْ ، وعلى الرغم من ذلك قدّمت الحكم على طبق من فضّة للقيادة القومية ( عفلق – البيطار ..) والذي كان تنظيمها لا يتعدّى خمسمائة عضو في سوريّة .. وكان بإمكنها الاستئثار بها ، مع العلم أنّ اللجنة العسكرية كانت تمتلك في جعبتها الكثير من الملاحظات على تلك القيادة ، ولكنّها فضّلت اتّباع أفضل الطرق الحزبية …
3 – لم تصل مجموعة عسكرية للسلطة في أيّ بلد في العالم إلّا وكان لها دور مثل دور هذه اللجنة وأكبر في الحياة السياسية ( في مصر – العراق – الجزائر – اليمن – دول العالم الثالث قاطبة ) ، واللجنة العسكرية لم تكن محصّنة من الخطأ ، وكان السماح بتمركز السلطات بيد شخص واحد أيّ كان من أكبر أخطائها ، وسابقة لا مبرّر لها .
4 – إنّ السبب الرئيسي لاستهداف اللجنة العسكرية ودورها في تاريخ سوريّة كان الإساءة إلى المرحوم صلاح جديد ورفاقه في حركة 23شباط ، وقطع الطريق على مشروعهم الاستراتيجي لبناء تجربة جديدة متميّزة في الحكم وقادرة على الإشعاع والاستقطاب والجذب في الوطن العربي تقود الأمّة العربية على طريق توحيد أقطارها ، وتحرير أراضيها المحتلّة في فلسطين وخارجها ، وإنصاف الجماهير الشعبية الفقيرة والكادحة.
5 – عملت القوى المعادية لأمّتنا وحلفاؤها وأتباعها ، وعملاؤها على شيطنة اللجنة العسكرية ، وتصويرها لجنة سريّة يحرّكها صلاح جديد بإصبعه تنفيذاً لمخطّط طائفي ، لصالح المخططات الأجنبية .. هذا مع العلم ، أنّ المرحوم صلاح جديد كان قد اكتشف مخاطر الطائفية مبكّراً ، وعمل جاهداً على محاربتها ، ولكنّ نقص الوعي السياسي عند بعض الرفاق ، ومجمل الظروف الذاتية والموضوعية الأخرى كانت الأقوى .. وقد استشعر بالأزمة الراهنة في سورية منذ ارتداد حافظ الأسد عن الخط اليساري للحزب ، ومراهناته السياسية والاقتصادية على الأنظمة الرجعية العربية والغرب واعترافه بقرار مجلس الأمن رقم 242، وتدخّله في لبنان عام 1976 …وكان المرحوم صلاح في كلّ زيارة له في السجن عندما تخبره أسرته عن تردّي الأحوال في القطر يقول لها : ” القادم هو الأصعب والأدهى “..
أكاذيب : 9
مسؤولية صلاح جديد وباقي القيادة السياسية عن إعلان سقوط القنيطرة في حزيران 1967.
حقائق : 9
تخلّى صلاح جديد عن رئاسة الأركان في خريف عام 1964 ، وتفرّغ للعمل الحزبي كأمين قطري مساعد للحزب ، ولم يكن له علاقة مباشرة يومية بتسيير أمور الجيش على الإطلاق .. وبعد حوالي ثلاث سنوات حدث العدوان وأصدر حافظ الأسد بلاغ سقوط القنيطرة دون استشارة أحد من القيادة السياسية .. وعندما علم صلاح جديد لاحقاً بالخرق اقترح إغلاقه والتصدّي له بالمجموعة القتالية المكوّنة من اللواء 70 المدرّع وكتيبة مشاة ميكانيكية مفرزة له من اللواء 25 ( اللواء نفسه الذي كنت أخدم فيه قائد كتيبة آنذاك والمتمركز في معسكرات قطنا ) وكتائب مدفعية ووحدات هندسة .. الخ ، وكان المرحوم العقيد عزّت جديد قائداً لهذه المجموعة ، ومشهوداً له بشجاعته وكفاءته العسكرية ، ويُعتبٓ-;—;–ر اللواء الذي كان يقوده أفضل ألوية الجيش تدريباً وتسليحاً آنذاك ، وهذه المجموعة القتالية كانت تشكّل احتياط الجبهة مهمتها القيام بالهجمات المعاكسة على العدو المخترق لدفاعات الجبهة ، وقد تمركزت في منطقة الصرمان الواقعة شمال شرق القنيطرة وعلى مقربة منها .. وهنا ، أقول للذين كانوا يتّهمون قيادة الحزب بأنّها احتفظت باللواء 70 المدرّع في دمشق للدفاع عن نفسها آنذاك أنّكم تفترون على الحقيقة والتاريخ … كما أشهد بأنّ هذا اللواء قد انسحب انسحاباً منظّماً تنفيذاً لأوامر قيادة الجيش ، ولم يترك شيئاً من عتاده سوى بعض المركبات التي دمّرها الطيران الإسرائيلي ، وعاد جنوده وضبّاطه باستثناء الشهداء نتيجة القصف الجوّي ( أعيدت جثثهم ) ، وقد سلك طريق القنيطرة – سعسع – دمشق وعٓ-;—;–بٓ-;—;–ر الموضع الدفاعي التي كانت كتيبتي متمركزة فيه على هذا الطريق ، وشاهدت الانسحاب بأمّ عينيّٰ-;—;– ..
وكخلاصة لما تقدّم عرضه ، لم تكن القيادة السياسية ومن ضمنها صلاح جديد لها علاقة ببلاغ سقوط القنيطرة على الإطلاق ، ولكنّها مسؤولة معنوياً وسياسيّاً عن الهزيمة العسكرية لكونها تُعتبر السلطة العليا الحاكمة في القطر السوري …
وأخيراً ، نستطيع القول : إنّه جرى توظيف سياسي وطائفي لموضوع اللجنة العسكرية ، ومبالغة في دورها ومداه الزمني ، وتشويه لتكوينها والهدف منه الإساءة لصلاح جديد لشيطنته ظلماً وللحزب الذي ساهم في قيادته ، وطمس مناقبيته العالية والأهداف التي سعى لتحقيقها مع رفاقه في ظلّ قيادة جماعية حقيقية قبل ازدواجية السلطة من خلال بروز ظاهرة حافظ الأسد بوضوح في عام 1968وصولاً إلى ردّته التشرينية عن الخط اليساري للحزب عام 1970 ..
في : 18 / 4 / 2.14

أكاذيب 10 : تهمة التقاعس الموجّهة لصلاح جديد والرفاق العسكريين في التصدّي لحافظ الأسد .
– حاول ويحاول البعض داخل الحزب وخارجه من قصيري النظر أو الجهلة بمجريات الأمور ، أو من منطلق طائفي التساؤل التالي : لماذا كان بالإمكان تنفيذ 23 شباط ضد تحالف القيادة القومية وأمين الحافظ عام 1966، بينما لم تُنفّٓ-;—;–ذ الخطوة نفسها ضدّ حافظ الأسد في عام 1970 ؟
حقائق .1 :
إنّ دوافع وأسباب إثارة هذا التساؤل مفهومة ومبرّرة من قبل أناس غير حزبيين ، ولكنّ إثارته من رفاق كانوا محسوبين على حركة 23 شباط وعاشوا أحداثها ، أو مفصولين من البعث الديمقراطي منذ ثلاثين سنة تدعو للدهشة والاستغراب من جهة ، والابتسام للدوافع الخفيّة لذلك التساؤل من جهة ثانية … ولو قرؤوا جيّدا ماورد في نقد تجربة الحزب المقرّة من المؤتمر القومي الحادي عشرعام 1980 – الجزء الرابع ، والموجودة عند البعض منهم ، وقد ساهم العديد منهم في مناقشة مشروعها وإقراره ، لما احتاجوا إلى طرح مثل هذا التساؤل لو كانت نواياهم سليمة ، ولا إلى فلسفة بعضهم الممزوجة بنرجسية فاقعة … وعلى كلّ حال سنعرض مقتطفات ممّا ورد : ”
إنّ قيادة الحزب كانت تعيش في حالة تردّد بين الإقدام والإحجام ، فكلّما حزمت أمرها وهمّت بالإقدام على حسم الأمور … عادت للتفكّك والاسترخاء والوقوع فريسة منطق العواطف والنوم على ( حرير النوايا ) الطيّبة ، وانسحاب وسلبيّة هذا الرفيق أو ذاك !!!…. وهكذا أصبحت في حالة تراجع متواصل حتّى جُرّدت من كلّ عناصر القوّة وأُحكِم عليها الطوق ، وأُخِذت من مقاتل ضعفها الذاتي ….
– إن تلك القيادة التي كانت متماسكة ومنتجة كحصيلة عامة في الفترة بين 23 شباط وبداية الازدواجية، لم تستطع أن تواصل المحافظة على نفس الصورة السابقة التي لم تُعهد من قبل، في فترة الازدواجية،حيث بدأ يظهر عدم الانسجام وآثار تفاوت التجربة ، والوعي، والقدرات القيادية، والمسؤولية المباشرة بين الرفاق أعضاء القيادة، وينعكس بصورة سلبية قاصرة وعيا وممارسة وإنتاجا … رغم النوايا الطيبة والإخلاص العميق لدى معظم الرفاق، الدين أكدوا إيمانهم بالحزب بصمودهم المشرف والبطولي مند الردّة وحتى الآن في سجون المرتدين، وفي مواصلة النضال لبناء وتجذير الحزب في كل مكان ..؟
– وان الخطأ القاتل والأكبر الذي نتج عن تفاوت الوعي داخل صفوف القيادة تمثّل في سقوط اقتراح تغيير قيادة الجيش بصوت واحد عندما طُرح في قيادة الحزب (الاجتماع المشترك ) بعد هزيمة حزيران، وعدم إدراك القيادة لأهمية وحيوية ذلك التغيير الذي كان يجب أن يتم في الوقت المناسب ، ولا يكلّف الحزب سوى اتخاذ القرار فقط ، لقطع الطريق على المؤامرة الانقلابية من جهة، وإمساك الحزب مباشرة لشؤون القوات المسلحة
وإعادة بنائها وفقا لمقررات المؤتمر القومي التاسع الاستثنائي وبما ينسجم مع خطة القيادة الثورية لمواجهة العدوان ودحره.
فالقيادة الثورية الطليعية هي التي تدرك الأمور قبل وقوعها ، وتستشرف آفاق المستقبل ، وتعرف كيف تتخذ الإجراءات الوقائية لحماية الحزب والجماهير والثورة من المؤامرات والمخاطر قبل حدوثها ، وتتخذ القرار المناسب في الوقت المناسب ، وتنفّذ بمنتهى الحزم الثوري والصرامة التي لا تعرف التردّد ..
ومن الجدير بالذكر ، أنّ التيّار اليساري كان متماسكاً في مرحلة قيام 23 شباط ، مقابل تفكّك وتناقض أطراف اليمين … بينما حدث العكس في مرحلة الازدواجية وفترة الردّة التشرينيّة ضدّ الحزب . ……
*ولابد من الإشارة أيضا إلى تردّد الحزب والسلطة في تعميق وتجذير التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ووضعها تحت رقابة الجماهير ، وفي تطهير أجهزة الدولة، وبناء الجهاز الطبقي الجديد الذي يبقي الدولة في خدمة الجماهير والخط الوطني الديمقراطي الاشتراكي….
( انتهت المقتطفات المقتبسة من الجزء الرابع من نقد تجربة الحزب الصادر عام 1980 .. )
– نعم ، كانت القيادة الحزبية ( القيادتان : القطريّة والقوميّة معاً ) مترددة ، ولم تحسم أمرها في اتخاذ قرار حازم لمواجهة حافظ الأسد ، أو تكليف لجنة قيادية لتنفيذ هذه المهمّة ، أو شخصاً بعينه ، وهذا ماكان يطالب به المرحوم صلاح جديد .. لأنّه كان يرى أنّ قيام أي شخص بمواجهة عسكرية مع حافظ الأسد بدون قرار حزبي سيصبح ديكتاتوراً في حال النجاح ، كما سيجد الرفاق الآخرون أنفسهم غير جديرين بقيادة الحزب والسلطة معه … وفي حال الفشل سيوصمونه بالمغامرة وتدمير الحزب والقوات المسلّحة… وأضيف فإنّ أيّ فشل كان سيعزّز فرديّة وتمرّد حافظ الأسد ، وستتحوّل هذه القيادة إلى مجرّد واجهة شكليّة لا حول لها ولا قوّة .. علماً أنّ صلاح جديد لم يكُ تحت سلطته المباشرة قوات عسكرية تأتمر بأمرته وتلكّأ في استخدامها ضدّ حافظ الأسد ، بل كان سلاحه التزام الرفاق العسكريين بالقرارات الحزبية ، وثقتهم بحكمته وسلوكه ، وغنى تجربته وحسن قيادته ، وصوابيّة آرائه المعهودة ..
وعلى كلّ حال ، كان صلاح جديد من أكثر الرفاق المدنيين والعسكريين حماساً للمواجهة مع حافظ الأسد ، وفي كلّ المحطات بدءاً من هزيمة حزيران ، وهذا ما أشرت إليه في الحلقات السابقة عندما طرح بنفسه وأمام القيادتين القطرية والقومية في اجتماع مشترك ضرورة تغيير وزير الدفاع ورئيس الأركان وسقط الاقتراح بفارق صوت واحد ، أو عند اتخاذ قرار تبديل مراكز القوى وضرورة الحزم في تطبيقه ، وخطأ التراجع عنه ..، وكان رافضاً أيّة مساومة مع حافظ الإسد داخل سجن المزّة طيلة 23 سنة اعتقال بدون محاكمة …
ونتيجة لتردّد قيادة الحزب وعجزها عن اتخاذ القرار الصحيح الحازم في الوقت المناسب ، لجأت إلى فكرة عقد المؤتمر القومي العاشر الاستثنائي عام 1970 لبحث أزمة الحزب والاستقواء به ، غير أنّ الزمن كان قد تأخّر كثيراً لأنّ وزير الدفاع كان قد استخدم صلاحيته الشرعية وغير الشرعية لإجراء تنقلات بين ضباط الجيش بما يعزّز قوته ويُضعف قيادة الحزب ، ويفقدها إمكانيّة الاعتماد على قطعات عسكرية متماسكة قريبة من دمشق قادرة على فرض قراراتها بالقوة ، وخاصة أنّ حافظ الأسد كان يعرفهم ضابطاً ضابطاً من خلال العمل في حزب واحد ، والمشاركة في تنفيذ 8 آذار 1963 ، و23 شباط عام 1966 ، وقد أبعد أبرزهم واحداً واحداً .. بينما عشيّة المواجهة مع أمين الحافظ كانت القيادة القطرية موحّدة الموقف ، ووقّع جميع أعضائها على قرار استخدام العنف الثوري الاضطراري ، بينما لم تتمكّن من اتّخاذ مثل هذا القرار في فترة الازدواجية … كما كان يتوفّر للحزب بالقرب من دمشق كتيبة مغاوير في حرستا ، ومدرسة المدرعات في القابون واللتان شكّلتا رأس الحربة للمواجهة مع أمين الحافظ ، وإزاحته واعتقاله …أمّا فيما بعد ، فكانت الفرقة الخامسة مشاة ، المتمركزة في درعا والسويداء ، واللواء 99 المدرّع المتمركز في إزرع هما التشكيلان العسكريّان الرئيسيان المعلّقة الآمال عليهما … وكانت قيادة الفرع العسكري فيهما على تواصل مع قيادة الحزب ، واستمرّت حتى تنفيذ حافظ الأسد انقلابه على القيادة الشرعية للدولة والحزب ..
وعودةً لموضوع المؤتمر ، فقد أخبرني الرفيق إبراهيم ماخوس بأنّ الرفيق صلاح جديد لم يكن متحمّساً لعقد المؤتمر قبل أن تنضج الظروف الملائمة لعقده ، لأنّ عقده سيضع الأزمة في نهايتها الفاصلة والحاسمة في وقت غير مناسب للحزب … ولكنّ إلحاح الرفاق الآخرين وحرد هذا الرفيق أو ذاك ، وشكوك البعض ، جعل هذا الطريق ممرّاً إجباريّاً لا بدّ من عبوره ، وإلّا سيفهمون سبب عدم دعوة المؤتمر خطأً ، وسيفرط عقد القيادة ..
– انعقد المؤتمر في جوّ متوتر للغاية وقد قدّم المرحوم صلاح مداخلة قيّمة للغاية تضمّنت رؤية شاملة للأوضاع .. وكذلك فعل العديد من الرفاق ، واستغرق المؤتمر وقتاً أطول من المألوف بهدف إعطاء الوقت الكافي للتوصّل إلى قرارات صائبة ودقيقة وشاملة من جهة ، ولمزيد من التشاور والتفاعل بين قيادة الحزب والرفاق العسكريين الملتزمين بالشرعية الحزبية والسياسية … وقبيل انتهائه وصلتني رسالة من الرفاق العسكريين في الفرقة الخامسة لإيصالها للرفيق صلاح جديد ، وقد حدّددوا موقفهم فيها بوضوح من خلال استعدادهم لحماية مقرّرات المؤتمر بعد صدورها … وسبب اختيارهم لي للقيام بهذه المهمة لأنّني كنت متواجداً في منزلي بإجازة مرضية نتيجة عارض صحّي مفاجئ أجبرني على الدخول إلى المستشفى وكان أحدهم يعرف وضعي الخاص بينما كان باقي الرفاق مستنفرين في قطعاتهم .. فتوجّهت إلى مبنى قيادة الحزب وسلّمتها للرفيق صلاح ، وعندما قرأها هزّ رأسه قائلاً : ” لقد أخطأ الرفاق ، سامحهم الله ، إن حماية مقرّرات المؤتمر تكون قبل صدورها وليس بعده ، لأنّ حافظ الأسد لن ينتظرنا . ” ولآوّل مرّة رأيته متشائماً ، وكانت آخر مرّة قابلته فيها قبل اعتقاله مدة 23 سنة وهو في الرابعة والأربعين من عمره ، وفي أوج نضجه وعطائه ، وهناك في سجن المزّة العسكري تمّ اغتياله بالسمّ في آب 1993 بعد انعقاد مؤتمر مدريد وقبيل توقيع اتفاق أوسلو ..
هذا مع العلم أنّني زوّدت الرفاق بموضوع الرسالة ، وورد ما يشير إلى مضمونها باختصارفي نقد التجربة .
وحسب تقديري ، فإنّ وصول رسالة الرفاق العسكريين من فرع الفرقة الخامسة أملى على القيادة القومية الاجتماع على عجل لمعالجة الأمر ، ” و طرحت فكرة تعليق جلسات المؤتمر مع تركه مفتوحا , لقطع الطريق على تنفيذ الانقلاب , ريثما تلتقط القيادة أنفاسها وترتّب أوضاع الحزب لمواجهة الموقف … كما اُقترِح نقل المؤتمر الى مكان آخر أكثر أمنا لضمان عدم اعتقال الرفاق وهم يشكلون معظم قيادات الحزب الاساسية في الوطن العربي والخارج , و لكن القرار الأخير كان بمتابعة الجلسات, وحسم الموضوع في الجلسة المسائية الأخيرة , التي عُقدت بعد اجتماع القيادة المذكور مباشرة . وقد تمّ ذلك بالفعل وبسرعة واُختتم المؤتمر العاشر الاستثنائي …و سافر معظم الاعضاء الذين جاؤوا من خارج القطر في تلك الليلة … كما سافر عدد مناسب من اعضاء القومية الى لبنان ليتولّٰ-;—;–وا قيادة الحزب في حال قيام الانقلاب النهائي و اعتقال بقية الاعضاء المتواجدين في القطر , كما أُجريت بعض الترتيبات العاجلة لمنظمات الحزب في القطر السوري , تلك الترتيبات التي تبين فيما بعد انها كانت شكلية و عاجزة عن استيعاب و مواجهة ظروف
النضال الجديدة ، وفيما يلي أهمّ القرارات المتّخذة من المؤتمر حول الإجراءات التفيذية لمعالجة الأزمة :
1- إنهاء الازدواجية القائمة في قيادة الثورة , و إعادة السلطة الى الحزب متمثلا بقياداته الشرعية المسؤولة . و ذلك في جميع مجالات الحزب و السلطة و مؤسساتها : العسكرية والمدنية المختلفة , كشرط اساسي لتنفيذ استراتيجية الحزب الثورية ومواجهة المهام التاريخية الملحة الملقاة على عاتق الحزب و الثورة …
2 – إدانة الاجراءات الانقلابية التي تمّت و فرض الآراء بالقوة , باعتباره أسلوبا مرفوضا من الحزب , و مخالفا لأسسه الديمقراطية وقيمه النضالية .
3- إدانة كلّ التجاوزات التي حصلت على قيادات الحزب و قيمه و أنظمته واستراتيجيته .
4 – إدانة كل المواقف و التحركات و الإجراءات المخالفة لاستراتيجية الحزب و مقررات مؤتمراته القومية ……..
5-اعتبار كل القرارات المخالفة لاستراتيجية الحزب و مقررات مؤتمراته القومية , و التي اتخذت خلال العامين الماضيين, ملغاة حكماً .
6 – تسجيل فشل الاسلوب التوفيقي الذي اتبع في المرحلة الماضية لحل أزمة الحزب .
7- إعادة النظر في كل الأوضاع الاستثنائية التي تمّت في القوات المسلحة , و ذلك بغية تعزيز دور الحزب و تنفيذ مقرراته و ضمان إشرافه الكامل على القوات المسلحة , لتكون طليعة ثورية مدافعة عن مصالح الجماهير العربية الكادحة , الممثلة الحقيقية لأمتنا العربية ………
8- إعادة النظر من قبل “الاجتماع المشترك” في كل المؤسسات المنبثقة عن الحزب , و في صلاحية هذه المؤسسات .
9- عدم الجمع بين المسؤوليات في الدولة .
10- إدراكا من المؤتمر أنّ مراكز القوى في الحزب و السلطة في ظروفنا الراهنة , قد تشكل , في حال استفحالها , خطرا حقيقيا على الحزب و الثورة و على الرفاق المسؤولين أنفسهم , كما حصل بالنسبة لمركز القوة البارز في وزارة الدفاع, و الذي تأكد و ضخم , خاصة منذ الأزمة و حتى الآن بحيث أصبح يشكل ظاهرة خطيرة , أحدثت خللا عميقا في حياة الحزب و الثورة .
و إيمانا من المؤتمر بأنً تبديل المراكز ليس استهدافا شخصيا لأي رفيق على الإطلاق , و أنّ الرفيق المناضل يظلّ خلية حية في جسم الحزب , قادرا على التفاعل و العطاء لا من خلال المسؤولية التي يفرضها هو بالذات على الحزب ,بالأساليب و الوسائل غير الحزبية , بل من خلال المسؤولية التي يختارها له الحزب بالوسائل و الأساليب الحزبية الصحيحة .
و ثقة من المؤتمر بأن الرفاق المناضلين لا يمكن أن يفرّطوا بحزبهم و ثورتهم و قضية الأجيال و الوطن العربي المقدسة من أجل التمسك بأيّة مراكز يضعهم فيها الحزب مهما كانت أهمية هذه المراكز , و خاصة بالنسبة للرفاق القياديين الذين يجب أن يمارسوا أدوارهم في قيادة الحزب , و أن يشكلو القدوة المثلى في الوحدة و التفاعل والعقل الجماعي الديمقراطي الملتزم ..
و من أجل اعادة الثقة و الطمأنينة و الحالة الطبيعية إلى الحزب و الثورة و البدء فورا بالنهوض بمهام المرحلة المقبلة الخطيرة بروح نضالية جديدة و تماسك ثوري مطلق …
فإن المؤتمر القومي العاشر الاستثنائي يقرّر:
أ- تشكيل حكومة جديدة في القطر السوري تحشد فيها الكفاءات الحزبية الجيدة , و العناصر التقدمية المخلصة القديرة لمواجهة أعباء المرحلة الحاسمة المقبلة .
ب- إبدال العمل الحالي “للرفيقين ” وزير الدفاع و رئيس الأركان العامة , بعمل آخر في الحزب و الثورة حسب المسؤولية التي تحددها قيادة الحزب المختصة .
و نظرا للظروف السائدة حاليا في الحزب و الجيش , فإن المؤتمر يطلب من “الرفيق ” وزير الدفاع التعاون مع قيادة الحزب في تنفيذ هذا القرار بما يضمن وحدة الحزب و الجيش ، و يعزز مسيرة الثورة في المرحلة القادمة.
11- تشكيل لجنة محاسبة من ” الاجتماع المشترك ” لمحاسبة الذين أثروا بشكل غير مشروع , أو استغلوا مسؤولياتهم بالاساءة للجماهير و أهدافها و سمعة الحزب و الثورة . ” انتهت
لقد جاءت هذه المقرّرات متأخرة عاماً ونصف ، ولو تمكّنت قيادة الحزب اتخاذها في المرحلة الأولى من الازدواجية لقطعت الطريق على الارتداد ، وساهمت في بناء نظام سياسي مؤهّل للإشعاع والاستقطاب على صعيد الوطن العربي برمّته ، لأنّ الحزب كان يمتلك من القدرات العسكرية الكافية التي تضمن تنفيذ قراراتها بالقوة عند الضرورة في ذلك الوقت … ولكن مع الأسف شكّلت تلك المقرّرات بالمحصّلة وقفة عزّ فقط في وجه المرتدّين والمنحرفين ..
ومن المفيد الإشارة إلى أنّ مجموعة عريضة من القوى اليمينية والرجعية داخل الحزب وخارجه تلاقت وعززت موقف قيادة الجيش وقدراتها الذاتية، بالرغم من أن كلا منها كان له حساباته التكتيكية الخاصة، ولكنها كانت تجمع على ضرب تجربة الحزب الثورية ، والبدء بإزاحة / صلاح جديد/ باعتباره رقما صعبا في المعادلة الأساسية في سورية … بالإضافة إلى حرص التحالف الامبريالي – الصهيوني – الرجعي على إزالة العقبة الكأداء في وجه مخطط تصفية القضية الفلسطينية، وترتيب الأوضاع في المنطقة، ووضعها على سكة التصالح مع العدو الصهيوني الذي نعيش فصوله المأساوية الخطيرة في هذه الأيام السوداء…
– وأخيراً وددت الاعتماد على الوثائق الحزبية والمعمّمة على الجهاز الحزبي في هذه الحلقة وغيرها حتى تكون ردّاً على تخرّصات البعض ، وعلى غمز ولمز وشكوك أولئك الذين أدمنوا هذا النهج ، وتاجروا به على موائد هذه التشكيلة السياسية أو تلك لجني مكاسب خاصة وفقاً لحركة أسهم البورصة السياسية ، وخاصة ( الإسلامية منها ) وبعد أن خلعوا جلباب الماركسية ، واعتمدوا النفخ في الذات بمناسبة وبدونها حتى في رثائهم لمن يعرفونه أو يجهلونه …. فهل من عاقل فيه الحدّ الأدنى من الموضوعية والضمير يستمر في التشكيك بموقف صلاح جديد من حافظ الأسد بعد أن أمضى ظلماً 23 سنة في سجونه بغير محاكمة ، ودون أن تلين له قناة ، وفي الوقت نفسه ، لم يبغِ جاهاً شخصيّاً أو مالاً ، ولم يسعٓ-;—;– إلى مباهج الحياة ومتعها في كلّ المراحل والظروف ، وشكّل الهدف الأوّل والرئيسي لحافظ الأسد والذي حاول المساومة عليه مع الرفاق الآخرين للانفراد به وحده وبقاء الأمور على حالها ، ولكنّهم رفضوا بإباء وشمم ، ومٓ-;—;–نْ عايش الأحداث في عام 1970 يتذكّر جواب المرحوم الرفيق الدكتور نور الدين الأتاسي رئيس الدولة والأمين العام للحزب عندما أرسل إليه حافظ الأسد مجموعة من الضباط برئاسة العميد عبدالغني إبراهيم ليعرض عليه بقاءه في منصبه مقابل التخلّص من صلاح جديد فقط ، وكيف رفض وما هي التعابير التي وجهّها لهم
وكانت آخر كلمات صلاح جديد لابنته وفاء قبل 12 يوماً من استشهاده ، وكتبها بخطّ يده … على غلاف كتاب أهداه لها ، وفيما يلي المقطع الأخير من الرسالة.
” لا أدري ياحبيبتي قد نلتقي يوماً ما بدون رقابة وبدون سجن فنتحدّث … ونتحدّث طويلاً … ولكنّ هذا حلم …قد لا يتحقّق أبداً … إذن فليس لي الآن إلّا الصمت ، والأحلام والصمود … على طريق الرسالة التي نذرت نفسي لها … وسأموت من أجلها … فهل سنلتقي يا وفاء … على هذا الطريق … ؟ ”
في : 7 / 8 / 1993 أبوك صلاح
( في : 25 / 4 / 2014 ( يتبع في حلقة تالية )

التصنيفات : المقالات

الكاتب:syr2015

صوت المعارضة السورية الصادق

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: