” المؤتمر الوطني العام ” من جديد؟

لم يكن أحد من الشباب المتظاهرين يتخيل أنه قد يحتاج للسلاح للدفاع عن نفسه، عندما ما فاجأهم الخطاب الأول لرئيسهم يعلن فيه استعداده للمعركة (30/ آذار/ 2011).

أعلن النظام حربه على الشعب تحت شعار (الأسد أو نحرق البلد)، وقد دلت كل سلوكياته ومحاكاته لمطالب الجماهير بالتغيير الديمقراطي, على أنه يعتبر نفسه, المصدر الوحيد الأوحد للإصلاحات, وأن هذا الشعب ” المتخلف ” و” الذي يحتاج لأجيال ليتعلم شيئاً عن الديمقراطية “, لا يستطيع أن يفرز من صفوفه بديلاً.
لذلك دعا ” للحوار الوطني العام ” وأنجزه بينه وبين نفسه, وكثيراً ما رأينا ونرى حتى الآن لوحات كبيرة في شوارع دمشق, تحمل صورة لدمشق أو إحدى المدن الأخرى مكتوب عليها ” سوريا تتحاور “, لا يقلل من مصداقية تلك اللوحات, من وجهة نظر النظام, أصوات القذائف, وهدير الطيران, وارتجاج الأبنية المستمر لساعاتٍ طويلة من النهار, ولا حتى اهتزاز اللوحات نفسه.

يبدو أن هذه الأجواء (الإرهابية) هي الأجواء المناسبة للحوار الوطني بمفهومه، ولنتذكر أنه بنفس تلك الأجواء وتلبية لمطالب ” الجماهير ” كُلفت لجنة بإعداد دستور جديد للبلاد, تم إعداده والتصويت عليه وإقراره, بينه وبين نفسه أيضاً, ليحكم العلاقة بين الشعب وحاكمه.
والآن وبعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على ثورة الحرية والكرامة التي أرداها الشعب ثورة سياسية سلمية, تهدف إلى خلاص كافة أبنائه على امتداد كامل تراب الوطن, من نير الاستبداد الأمني لبناء الديمقراطية, وبنفس الأجواء التي خلقها النظام, أجواء القتل والتدمير, اجواء التهديد والخطف وقصف الأحياء والمدن واستمرار الاعتقالات لناشطين سلميين لمجرد قيامهم بأعمال إغاثة المشردين والنازحين المدمرة منازلهم, في هذه الأجواء تعود مقولة ” المؤتمر الوطني العام” للتداول مدغدغة رغبات أبناء الشعب المنكوب في الخلاص.

كأن النظام يظن أن الشعب والعالم قد اقتنع أخيراً أنه يقاتل إرهابيين أجانب (قد تكون بعض تعبيراتهم أصابع علي فرزات، أو حنجرة القاشوش أو السماعة الطبية للدكتور الشهيد عدنان وهبي) وأنه دفاعاً عن الوطن في وجه ” المؤامرة الكونية ” يدمر القرى والمدن بالبراميل الحارقة ويحاصر المناطق حتى الموت أو الاستسلام ويزج بأبناء الشعب بعشرات ومئات الآلاف في سجون أصبحت طريقاً آخر للموت أو التصفية.

هناك من يسأل: أين أصبح الشعب الذي انتفض يريد رحيل النظام؟!! ظاناً أنه خلال بضعة أسابيع سيستجيب النظام لإرادته على الطريقة التونسية أو المصرية.
وهل تخلى الشعب عن مطلبه بعد أن خُلق له عدو جديد يناهز النظام عنفاً ودموية, عدو يهدد أمنه ومستقبله ووجوده؟
كيف أصبح الشعب بين مطرقة النظام الذي يخون كل من يعارضه ويرسله إلى المقصلة عبر محاكمه الميدانية, وسندان التطرف الأصولي الجهادي الذي يكفركل من يعارضه ويرسله إلى المقصلة عبر محاكمه الشرعية.

لهذا الشعب الذي ابتدأها سلمية مصلحة ورغبة وإرادة في الحل السياسي, هو الوحيد صاحب الحق في ادعاء السلمية, لأنه لم يحمل السلاح إلا مرغماً ودفاعاً عن النفس ودفاعاٌ عن الوطن لأنه هو الوطن, وهو ينظر بعين الشك والريبة إلى الدعوات المشبوهة, كالدعوة ” لانتخابات ديمقراطية حرة ” للرئاسة والدعوة ” لمؤتمر وطني عام ” يجمع المعارضة والنظام, لأنه بعفويته الخلاقة التي ابتكرت الثورة وبخبرته المتراكمة عقوداً بهذا النظام يدرك أن هذا النظام بنيوياً لا يمكن أن يتخلى عن منطق القهر والقتل, وأنه ليس محل ثقة, وأن أية دعوة تصدر عنه ليس إلا محاولة لإعادة انتاج هيمنته بلبوس جديد, في حين أن الشعب يريد الخلاص ممن سبب مأساته وممن يستمر في خداعه وممن يهدد أمنه ومعاشه ومستقبل أبنائه, في نفس الوقت الذي يريد به الخلاص من الوجه الأخر للاستبداد الأمني – الاستبداد الأصولي -.

واهم من يظن أن الشعب سيتخلى عن أهدافه أو أنه لن يستطيع الدفاع عنها بكافة السبل، في الوقت الذي لا يتردد فيه عن وضع يده بأية يد وطنية صادقة في توجهها إلى الحل السياسي،فهو بموروثه الفكري الأخلاقي يجنح إلى السلم حال جنوح الآخر.
لا تراهنوا على خديعة هذا الشعب من جديد.

زياد وطفة

الأراء الواردة في المقالات لاتعبر بالضرورة عن رأي هيئة التنسيق الوطنية

التصنيفات : المقالات

One Comment في “” المؤتمر الوطني العام ” من جديد؟”

  1. عبد الله المظلوم
    2014/04/17 في 09:52 #

    مقولة : ليس العاقل من يعرف الخير من الشر فقط ، بل العاقل من يعرف أخير الخيرين وأشر الشرّين : هي مقولة صحيحة ، ويبدو أن لجوء الحراك الشعبي للتسلحّ ، كان في الحقيقة : هو المؤامرة الحقيقية ، لأنه خدم النظام ، ومدّه بأسباب البقاء ؛ على مبدأ الكحل خير من العمى … ومايثبت المؤامرة هو : ظهور الملسلحبن بأعداد كثيرة من الوهلة الأولى ، وممارسة جرائم قتل يشعة ، والخطف والذبح بخلفية طائفية ـ دينية ومذهبية ـ لإثارة الفتنة الطائفية ، وعمليات تخريب وتدمير البنى التحتية ، والمرافق العامة ، و بدعم قوى الرجعية العربية ، الملتزمة بأوامر وتوجيهات الرأسمال المتصهين المتوحش ، فتكشّف خبث المؤامرة التي ظهر جليّاً هدفها الحقبقي واضحاً ، لتدمير الدولة ككيان سياسي ، بتمزيق وحدته ، وليس الهدف إسقاط النظام السياسي ، كما زعم من يحركون خيوط الدمى خلف شعارات مزيّفة ، وقد استندوا على ممارسات النظام ، وفساد أجهزته ، واعتمدوا التضليل الاعلامي المعد مسبقاً ـ بشكل هائل ـ وإعلنوا الدعم بالمال والسلاح للتكفيريين الارهابيين …. فكانت النتيجة ، انكفاء الجماهير الشعبية ، تحت وطأة ضغط الارهاب ، لتلوذ بالسلطة القمعية ، والاحتماء بالنظام الفاسد ، مفضلة الكحل على العمى .

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: