ما هو مشروع المعارضة السورية.. وهل يختلف عن مشروع جبهة النصرة واخواتها؟

ربيع حسنربيع حسن

قبل 18 آذار(مارس) 2011 كان غالبية السوريين ينظرون للمعارضة على أنها تعني العدالة والحرية واحترام حقوق الإنسان وزيادة الرواتب دون زيادة الأسعار.. هذه النظرة لم تأت من فراغ بل أن السلطة هي التي ساهمت بطريقة غير مقصودة في رسمها في عقول السوريين، وعندما نقول رسم وتخيل فإننا نتحدث عن شيء افتراضي غير موجود على أرض الواقع، لذلك ومن وحي الخيال والواقع السيء (نسبيا) الذي كان يعاني منه السوريون وخاصة سكان الريف كانت صورة المعارضة المفترضة هي البديل الحتمي والمعاكس تماما لهذا الواقع السيء والذي كان يزداد سوءا.

السلطة وبسبب تضييقها على حرية التعبير وقمع الآراء التي لا تتفق مع وجهة نظرها خاصة فيما يتعلق بالقضايا الداخلية، وغياب العمل السياسي غيابا شبه تام إضافة لاقتصار الإعلام على تقديم رأي الحكومة فقط في جميع القضايا سواء الداخلية منها والخارجية باعتباره إعلام حكومي، أضر بالحكومة قبل أي طرف آخر وهذا انعكس بدوره على الوطن ككل عندما بدأت الأحداث في سورية ربيع عام 2011. فقد كان أغلب من ينتقد السلطة في سورية يوصف بأنه عميل وخائن، والشيء المثير للسخرية والألم في نفس الوقت أن من كان يطلق هذه الأوصاف على بعض المعارضين هو نفسه من يدعو اليوم لاحتلال بلده ويهلل للعدوان الإسرائيلي ويحرض باقي الدول على التدخل في سورية، في حين من كان يوصفون بالخيانة والعمالة من المعارضين هم اليوم من يدعون لوقف العنف ورفض الطائفية وعدم التدخل في سورية.

 سلوك السلطة هذا بالإضافة لوجود بذور الفكر المتطرف في بعض المناطق والذي يعارض السلطة من منطلق طائفي فقط لا غير، أدى لتراكم في اللاوعي عند غالبية السوريين هذه الصورة الوردية عن المعارضة السورية.

عندما بدأت الأحداث في سورية تحدثت السلطة عن المؤامرة وعن تآمر قسم كبير من فصائل المعارضة السورية مع الدول الغربية وبعض الدول العربية لتدمير البلد، علمت الحكومة منذ البداية بأن هذا الخطاب لن يصدقه الكثير من السوريين بسبب الضخ الإعلامي الهائل المضاد التي كانت تقوده قناة الجزيرة، بالإضافة إلى أن هذا الخطاب كانت تقوله الحكومة قبل الأزمة عندما يتم الحديث عن المعارضة السورية لذلك عملت على ما أسمته “رفع الوعي عند السوريين في ظل التشويش الكبير من قبل وسائل الإعلام المعادية لسورية” مرحلة رفع الوعي هذه كلفت البلد الكثير وقد أقرت الحكومة فيما بعد بأنها في بداية الأحداث كان دورها بشكل أساسي العمل على زيادة وعي السوريين بحجم المخطط، وبالتالي كان الإعلام هو السلاح الذي استخدمه كل طرف لإقناع السوريين بوجهة نظره، ولأن متابعة الإعلام السوري قبل الازمة كان ضعيفا لأسباب معروفة، وفي ظل شدة وكثافة وجحم الإعلام الآخر وفي ظل الحديث عن الربيع والثورات العربية أدى ذلك لتفاقم الأزمة وانقسام الشعب بين مؤيد ومعارض على الفور.

مرحلة رفع الوعي كما أسمتها الحكومة وهو يقابل ما أسميه “سقوط المعارضة السورية” حصل مبكرا جدا مع بدء استخدام السلاح ضد عناصر الشرطة والأمن، وهنا يسجل للمعارضة السورية أنها هي السبب وراء نجاح السلطة في تصديق قسم كبير من السوريين لراويتها واجتيازها ما أسمته ” زيادة الوعي عند السوريين” فكما أن قمع السلطة للمعارضة خلق لها في أذهان السوريين صورة وردية فإن أقوال وممارسات المعارضة في بداية الأزمة خلقت للسلطة الشعبية والموالاة الكافية لاستحالة سقوطها.

فقد خرج علينا المعارضون على الشاشات العربية والأجنبية مباشرة بعد انتشار أخبار المظاهرات في سورية يتحدثون بخطاب موحد يتمثل في فكرتين أساسيتين هما:

الأولى: العمل على اسقاط النظام المجرم قبل الحديث عن أي خطوة مستقبلية، وبعضهم اعتبر أن السلطة سقطت منذ أول شهر وخلال أيام قليلة “سيعود الوطن لأبنائه السوريين”.

الثانية: الشارع “الثائر” هو من يقود المعارضة لا العكس: اتفق معظم المعارضين على أن من يحدد المطالب هم “الثوار” على الأرض وأي تقصير أو حتى مناقشة مدى صحة وموضوعية وتأثير هذه المطالب على البلد هو نوع من أنواع الخيانة، فقد سمعنا تخوين كل معارض يتحدث بضرورة تقويم الشعارات المرفوعة في الشارع .

في هذه الأثناء كان عدد من “المشايخ” هم من يقود المظاهرات عمليا ويوجه الخطابات عبر قنوات فضائية مخصصة فقط للتحريض ضد سورية وتدمير شعبها. ومنهم عدنان العرعور ويوسف القرضاوي وبعض مشايخ السعودية، فقد ترك المعارضون القيادة وتوجيه المظاهرات لهؤلاء المشايخ فكل الشعارات التي طلب العرعور رفعها كانت ترفع خلال المظاهرات.. وعندما اتهم العرعور أهالي حلب ودمشق بالخيانة وحرض على سكان حلب رأينا الشتائم توجه للحلبيين وعمليات الإجرام والقتل بحقهم. وعندما كان يسأل المعارضين عن الشعارات المسيئة كانوا يعيدون نفس الخطاب بأنهم يقفون وراء مطالب الشعب ويبررون ممارسات القتل التي كان يقوم بها بعض “الثوار” بأن السلطة وراءها.

واليوم هؤلاء المعارضين يتهمون النظام بأنه وراء زرع المتطرفين في قلب الكفاح المسلح كما يصفونه ويتناسون كل حوادث القتل والتحريض الطائفي الذي كان سائدا منذ البداية والذي أدى لهذا التطرف واستقبال كل المتطرفين من كل أرجاء العالم. ألم يكن خطاب المعارضة طوال الثلاث سنوات الماضية أن كل سلاح موجه ضد النظام هو سلاح مقدس حتى لو كان حامل هذا السلاح من سيرلانكا أو كندا أو افغانستان…؟ هذا الخطاب شرع استقبال كل من يريد أن يجاهد في سورية من أي بلد كان.

وعندما نتحدث عن المعارضة لانقصد المعارضة ذات الطابع الإسلامي لأن هؤلاء لديهم عداء مسبق ضد النظام ومشروعهم لا يمكن أن ينجح في بلد كسورية، لكن الحديث على وجه التحديد عن الشخصيات المعارضة التي تصنف نفسها إنها يسارية وعلمانية وتسعى لقيام دولة القانون والعدالة وعدم التمييز بين السوريين على أساس الانتماء الطائفي أو المذهبي أو العرقي .. ومن أهم هؤلاء صادق جلال العظم وميشيل كيلو وجورج صبرا وبرهان غليون وعبد الرزاق عيد وحتى طيب تيزيني .

لكن كيف يمكن لأي مواطن سوري يؤمن بقيام الدولة المدنية واحترام حقوق الإنسان في سورية يقبل أن يمثله معارض كصادق جلال العظم الذي يحرض على العنف والاقتتال بين مكونات الشعب من خلال مواقفه وتصريحاته ومنها مقابلته مع جريدة “رأي الكويتية” منذ شهرين الذي قال فيها حرفيا” إن ما يسمى  نجاح «جنيف 2» مرهون بالقضاء على “العلوية السياسية” حيث لابد من انهاء هذا النموذج «التسلطي الاستبدادي».

كما اعتبر كل الممارسات التي تقوم بها الجماعات المتطرفة في سورية من قتل وذبح وتقطيع للأجساد هي ردة فعل على ممارسات النظام وطائفته فهو يقول حرفيا” لم يكن اسلام التوتر العالي حاضراً كمناخ عام في سورية سابقاً ولكنه نما وتوسع بالتدريج كرد فعل دفاعي على العنف الأعمى لنظام أقلوي طائفي مسلح تسليحاً عالياً جدا.

ولم تكن تصريحات ومواقف ميشيل كيلو أفضل حالا من مواقف وتصريحات العظم عندما تغزل بجبهة النصرة وكل الكتائب الإسلامية فقد وصف قتالها بأنه دفاعا عن السوريين جميعا ولا تميز بين سوري وآخر وبأنها استقبلته استقبال الأبطال على الرغم من أنه مسيحي واسمه ميشيل.

أما عبد الرزاق عيد فكان أكثر وضوحا في موقفه ورؤيته لسورية المستقبل عندما وصف نساء طائفة بأكملها(النساء العلويات) بأنهن عاهرات.

في حين أن برهان غليون الأستاذ بجامعة السوربون والذي له مؤلفات في الفكر الديمقراطي والحداثة يستجدي الناتو للتدخل في بلده ويدافع عن المتطرفين وينظر لهم!!

هذا هو حال شخصيات المعارضة البارزين المنتمين للائتلاف، وفي المقابل فإن هيئة التنسيق تعاني من التناقض ما يجعلنا نستغرب ما الذي يجمع بين أحزابها، فنجد المعارض حسن عبد العظيم يصف “الجيش الحر” بأنه الجيش السوري الحر الوطني ويعتبره أمل الثورة، في حين أن المعارض هيثم مناع منذ بداية الأزمة رفض التسليح، بل كان أول من حذر المعارضة من الوقوع في هذا الفخ وأول من انتقد الممارسات السلبية التي قام بها المعارضون، وأول من دعا لرفض الطائفية ووقف ضد التدخل الخارجي مما جعله في موقع النقد والاتهام بالعمالة للنظام لأنه اتخذ موقف وطني ووضع مصلحة الوطن قبل أي مصلحة أخرى.

للأسف حتى الدكتور طيب تيزيني الذي كان من الممكن أن يلعب دور التقريب بين وجهات النظر المختلفة، قد انحاز للطرف الذي يتهم حزب الله المقاوم بأنه سبب إثارة الفتنة الطائفية في سورية بسبب مساندته للجيش السوري واعتبر أن موقف الحزب مخجل ومجحف حِيال سوريا المنتفضة من أجل الحرية والكرامة والعدالة كما يقول حرفيا. رغم أنه يعلم أن استهداف الحزب سياسيا وإعلاميا والتحريض عليه قد بدأ منذ الأسبوع الأول للأزمة، كما أنه على دراية بأن من أهم أسباب الحرب على سورية محاصرة حزب الله تمهيدا للقضاء عليه من خلال اسقاط النظام الحالي وتسليم البلد لحكومة هدفها الأول التنسيق مع اسرائيل للقضاء على الحزب لأنه سواء اختلفنا معه او اتفقنا هو الوحيد الذي قهر المحتل.

إذا كانت هذه هي مواقف أبرز المعارضين والشخصيات التي كانت تصنف أنها حاملة راية السلام والأمان والفكر المتحرر ورافعة حقوق الإنسان فلماذا ننتقد موقف جبهة النصرة واخواتها الذين يعلنون صراحة بأن مشروعهم إقامة الخلافة الإسلامية في سورية والقضاء على الكفار من الروافض والنصارى وكل من يخالفهم، هؤلاء على الأقل لديهم مشروع معلن ويقاتلون من أجله فما هو مشروع فصائل المعارضة البارزة سوى التنظير والدفاع عن مشروع الجماعات المتطرفة سواء بشكل مقصود أو غير مقصود؟

كاتب سوري

المقالات الواردة لاتعبر بالضرورة عن راي الموقع

التصنيفات : المقالات

الكاتب:syr2015

صوت المعارضة السورية الصادق

2 تعليقان في “ما هو مشروع المعارضة السورية.. وهل يختلف عن مشروع جبهة النصرة واخواتها؟”

  1. مخلص الخطيب
    2014/04/03 في 12:07 #

    وصفٌ دقيقٌ لنخب وسادة نظام سوريتنا الذين هم من مجتمعنا . فالعيب يكمن في مجتمعنا الذي لم ينتج سوى استبداديين وطائفيين وصعاليك خنعوا لنظام مستبد عسكري فاسد ، منذ أكثر من نصف قرن .
    واليوم ما الحل في جو العنف والطائفة والتدخل الخارجي والعسكرة والتسليح ؟ هنا ، وهنا فقط يجب أن نركز تفكيرنا ، وإلاّ فكل ما ننشره يبقى حبراً على ورق ، يصف ما حصل وما يحصل ويتمنى ما يجب أن يحصل .
    لنتجرأ بنقد معايير مجتمعنا الدينية والطائفية ولنمنع دعاتها من التظاهربما يؤمنون به . وقتها تتحقق العلمانية وربما نتمكن من العبور نحو الحرية والديمقراطية والمساواة والمواطنة … رويداً رويداً .

  2. 2014/04/08 في 06:54 #

    كالعادة تحليل رائع للسيد ربيع الحسن واوافقه وخاصة في وصفه للعلمانيين الذين يعتبرون انفسهم ممثلين للشعب المنكوب في ارضه ونظامه ومعارضته ،،،،نعم لا يملكون مشروعا ،،،هم دمى تحرك عن بعد ومن يقرأ كتابات ميشل كيلو في الشرق الأوسط يعلم تماماً انهم موظفون مأجورين ،وان على الارض أجرام كتاب السعودية والنصرة وأجرام نظام البراميل ،،،وبين هؤلاء وهؤلاء لا عزاء للسوريين

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: