غزوة الأنفال – في كسب : الدوافع والآفاق .

محمود جديد
شكّلت معارك يبرود ونتائجها محطة هامّة في مسار الحرب المجنونة المدمّرة الدائرة في سورية  ، وإذا أضفنا إليها ماتمّ في قلعة الحصن ومحيطها ، واحتمال متابعة القوات السورية وحلفائها من مقاتلي حزب الله تقدّمهما باتجاه فليطة ورنكوس والالتفاف جنوباً باتجاه محور بلودان –  الزبداني – تكون الحدود السورية – اللبنانية قد أصبحت تحت سيطرة النظام السوري ، وأعطت هامشاً نسبياً من الأمان للبيئة الحاضنة لقوات حزب الله في البقاع والضاحية ، ولا يعني ذلك قطع دابر التسلّل من لبنان باتجاه سورية وبالعكس عن طريق المسالك الجبلية الوعرة التي اعتاد المهرّبون عبورها ..
هذه التطوّرات رفعت إلى حد كبير معنويّات النظام وحلفائه وموالاته  وزادت حلمهم ( بالانتصار) ، وفي الوقت نفسه ، تركت انعكاسات سلبية على المجموعات المسلّحة بمختلف تسمياتها ، واللاهثين وراء الاستنجاد  بالأجنبي لتحقيق ( نصر ) موهوم .. ولقطع الطريق على مفاعيل هذه التطوّرات أسرعت الفصائل المسلّحة إلى مايشبه هجمات معاكسة سريعة في مناطق عديدة منها : الغارة الخاطفة على سجن درعا وإطلاق سراح حوالي 300 من سجنائه وموقوفيه ، وكانت نجاحاً تكتيكيّاً لهم ، كما نشطت الجبهة الشمالية في حلب وأدلب بهدفين : الأوّل : محاولة إحراز مكاسب تكتيكية سريعة في تلك المناطق لردّ الاعتبار ، والثاني : لتشتيت القوات السورية وإضعاف قواها حتى لا تتمكّن من استثمار الفوز في معارك القلمون باتجاهات أخرى ، وتوظيفها سياسيّاً داخليّاً وخارجيّاً ..
وفي هذا السياق أيضاً ، تأتي  معركة كسب ذات الأهداف المركّبة التالية  :
– تحقيق خرق جديد في المنطقة الحدودية المتبقيّة شمالا تحت سلطة النظام والسيطرة على معبرها الوحيد المتبقّي باتجاه تركيّا  ، والوصول إلى البحر المتوسط ( قريّة السمرا ) في الأراضي السورية ..
– تنفيذ تهديد ووعيد قادة الإئتلاف وجبهة النصرة والجبهة الإسلامية وحلفائهم بفتح معركة الساحل التي يعتقدون  بأنّها ستكون مؤلمة  للنظام ، ولسكّان هذه المناطق  ، وعامل ضغط موجع لهم ، ممّا يخلق الظروف المناسبة لانفكاكهم عنه ، والإسراع في إسقاطه ..
– وبما أنّ حشد القوّات اللازمة لهذه المعركة من قبل المجموعات المسلّحة يتعذّر تأمينه بدون الجغرافيا التركية والدعم اللوجستي والعسكري الضروريين من السلطات التركية  ، فإن أوردغان قد يعتبر أنّ  هذه المعركة في توقيتها الراهن تصبّ في مصلحته الانتخابية لأنّها تشدّ عصب قاعدته الشعبية التي تأثّرت بفضائحه ، وخلقت تناقضات حتى  داخل حزبه ،  وهذا ما يفسّر سبب توظيف إسقاط الطائرة السورية  والتباهي بها علناً من قبل أوردغان بديماغوجيته المعهودة في خطبه أمام حشود الجماهير المؤيّدة له ..
رد الفعل النظام وقواته :
===============
– أزعم أنّ هذا الخرق بهذه الكيفيّة كان مفاجئاً لأصحاب القرار السياسي والعسكري نتيجة تقدير موقف سياسي غير دقيق لنوايا حكومة أوردغان بعد زيارته إلى إيران والغزل المشترك بين الطرفين أثناء الزيارة ، وما انعكس عنها لاحقاً …وهذا مايفسّر النقص في الجاهزية القتالية ، وضعف المقاومة التي لاقتها المجموعات المسلّحة المتطرّفة المخترقة على هذا المحور في البدء ، وسرعة الاختراق والتوغّل باتجاه كسب ومرتفعات النسر والنقطة 45 ، والاندفاع باتجاه قرية السمرا ( ضيعة ضايعة ) على البحر .
– مفاجأة النظام بالدعم الناري التركي ( الذي يزعمه )للمجموعات المسلّحة في البدء  ، وهذا ماجعله يعطيه قدراً أكبر من الاهتمام ويُسرع في تقديم شكوى إلى مجلس الأمن … وربّما طلب من حلفائه الروس والإيرانيين القيام بدور ضاغط على أوردغان للجمه عن التصعيد واللعب بالنار ..وعادة مايتمّ مثل ذلك بدون ضجيج إعلامي …
– استهدفت خطة النظام كأفضلية أولى وقف تقدم المجموعات المسلّحة ، وتكبيدها خسائر بنيران المدفعية والطيران دون الإسراع في مهاجمتها قبل حشد القوات اللازمة لذلك ، وفي هذا السياق تمّ استقدام قوّات من محافظة إدلب ، وقوّات خاصّة عن طريق الساحل .، ورفدها بأعداد كبيرة من قوات الدفاع الوطني . وثمّ البدء في مهاجمتها  .. وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الطبيعة الطبوغرافية الجبلية ، والغابيّة ، والعمرانية ، يجعل القتال فيها صعباً جدّاً ، كما يعقّد تنسيق التعاون بين القوات الصديقة البرية والجوية  ، ويحيّد القوات المدرّعة إلى حدّ كبير وتصبح الدبّابات في مثل هذه الشروط عبارة عن قطع مدفعية لا أكثر  ، ولذلك تشكّل القوّات الخاصّة  ذات الكفاءة العالية الوحدات القتالية المؤهّلة لمهاجمة المجموعات المسّلحة برّاً ، هذا بالإضافة إلى الغارات الجويّة  ، وبالتالي ، ستكون عملية الهجوم والتقدّم بطيئة وطابعها الكرّ والفرّ والالتفاف وقطع طرق الإمداد ، والاعتماد على الزمن والمحاصرة والاستنزاف والقضم المتدرّج   ..
ملاحظات واستنتاجات :
————————
– حاول النظام وبسرعة استيعاب الانعكاس السلبي لإسقاط الطائرة السورية وتأثيرها المعنوي بإرسال المزيد من الطائرات إلى ساحة المعركة في اليوم التالي ،  وقصف المجموعات المسلّحة في أماكن قريبة من الحدود التركية كنوع من التحدّي ، ووضع وسائط الدفاع الجوّي في درجة الاستعداد الكامل للاشتباك مع الطيران التركي فوراً ، وقد اعترف الجانب التركي بأنّه اكتشف متابعة تلك الوسائط للطائرات التركية خارج  الحدود مع سورية عن طريق الرادارات التي توجّهها ، وحسب تقديري ، أنّ الإعلان التركي عن ذلك هو خلق الذريعة لعدم التصعيد ، لأنّ رادارات وسائط الدفاع الجوّي تعمل في السابق  ليلاً ونهاراً وبشكل روتيني ..
–  إنّ سقوط أسماء معروفة بولائها للنظام السوري  في المنطقة من عسكريين ومدنيّين أثناء الخرق الأولي المؤقّت ، واحتلال مدينة كسب ، ومرتفعات ذات أهمية استراتيجية مشرفة عليها أنعشت هذه النتائج بعض الشيء المجموعات المسلّحة والإئتلاف وأمثاله  ، وعوّضت جزئيّاً من الناحية المعنوية  ما خسروه في هذا الجانب نتيجة انعكاسات معركة يبرود وباقي مناطق القلمون .. وهذا مالمسناه من تعليقاتهم وتصريحاتهم ، وقد تكون بعضها مفبركة ومن باب تضخيم الذات  …
– إنّ ” غزوة كسب ” وما سبقها ورافقها من تهديدات ، و قصف لمدينة اللاذقية أعطت نتائج عكسية لجهة موقف سكان الساحل من النظام لأنّها تضع  شرائح واسعة منهم أمام خيارات صعبة ، وقد تكون محصّلتها  دعم النظام أكثر فأكثر … وخاصة بعد سماعهم شريط فيديو التكفيري السعودي / عبدالله المحيسني / عند وصوله إلى كسب ، وتهديداته الطائفية  الإرهابية الموجّهة لهم  ..
– إنّ الموقف التركي الحقيقي من دعم المجموعات المسلّحة سيتّضح  بعد إجراء الانتخابات البلدية في 30 / 3  /2014 ، وسيؤثّر على مجرى المعركة ومدّتها ، ففي حال ضبط الحدود التركية ستتمكّن القوات السورية من إنجاز مهامها في هذه المنطقة دون إبطاء خارج تأثير العوامل الطبواغرافية على حركة وعمل هذه القوات … أمّا في حال تقديم دعم عسكري تركي للمجموعات المسلّحة فالمعركة ستكون صعبة وشاقّة وطويلة وخطيرة  بالنسبة للقوات السورية …
– إنّ تسريب شريط عن اجتماع أمني في مكتب وزير الخارجية التركي وبحضورمستشاره ومسؤول الأمن، ورئيس الأركان ، وبمشاركة هاتفية من قِبَل أوردغان ،  سيشكّل عامل ضغط على القيادة التركية ويجبرها على التراجع عن تصعيد الموقف العسكري مع سورية ، أو استغلال ” مسمار جحا ” قبر سلمان أوغلو المتواجد في الأراضي السورية  كذريعة للتدخّل في حال مهاجمته من قبل داعش .. ومن هنا ، أظنّ أنّ وزارة الدفاع هي التي سرّبت ذلك الشريط حتى تكبح جماح أوردغان ووزير خارجيته نحو التصعيد والتدخّل العسكري ، لأنّ القيادة العسكرية التركية – على ما يبدو –  لا ترغب بالتدخّل  خارج مظلّة الناتو والشرعية الدولية ، من جهة ، ولعدم قناعتها بمبرّراتها وجدواها من جهة ثانية ..
وأخيراً ، فإنّنا نؤكّد على مواقفنا السابقة الرافضة لاستمرارالحرب المجنونة المدمّرة الدائرة ، وللعنف المزدوج الذي ينجم عنها ويرافقها ، وللتدخّلات الخارجية من أيّة جهة جاءت ، وشجبنا الدائم  للفكر التكفيري الإرهابي وتجسيداته ، وممارساته وللمنظّرين له ، ولمموّليه  .. وعلى قناعتنا الثابتة بأنّ الحلّ السياسي المضمون دوليّاً من حلفاء وخصوم النظام هو الطريق الصحيح للوصول إلى تشكيل حكومة بصلاحيات تنفيذية كاملة  يشارك فيها النظام والمعارضة للدخول في مرحلة انتقالية ووضع دستور وقانون للاحزاب والانتخابات ، وثمّ إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية حرّة ونزيهة وتحت إشراف دولي … وبأنّ اللهث وراء تحقيق الانتصار من أي طرف هو مقامرة خطيرة ستدمّر ما تبقّى من سورية ، ومَن يتوهًم أنً كفّته سترجح لن يكون منتصراً لأنّه لن يرث سوى الموت والدمار والخراب على كافّة الأصعدة ، وسيكون مهزوماً في المحصّلة النهائية …
محمود جديد

التصنيفات : المقالات

الكاتب:syr2015

صوت المعارضة السورية الصادق

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: