لقاء خاص مع الدكتور عارف دليلة على قناة الآن بتاريخ ٣٠/ ٣/ ٢٠١٤

دليلةالمذيع :
أهلاً وسهلاً بكم إلى هذا الحوار الخاص مع المفكر السوري الدكتور عارف دليلة. أهلاً وسهلاً بكم في تلفزيون الآن .
د. عارف دليلة :
مرحباً بك
المذيع :
بعد دخول الثورة السورية عامها الرابع، أين سوريا اليوم ؟؟
د. عارف دليلة :
هذا سؤال كبير جداً يجدر بكل إنسان وبالأخص إذا كان سورياً أن يفكر به بتمعن، بعمق، بهدوء، بدون انفعال, لكن للأسف قليلون هم الذين يفكرون كما يجب في هذه المسألة، أين سوريا اليوم؟ لم يعد هناك شيء إسمه سوريا بالحقيقة، سوريا التي نعرفها أو سوريا التي كنا نتطلع إليها ونطمح إليها, ودائماً هناك فرق بين الواقع والحلم، فسوريا الواقع لم تكن مُرضية كما هو الواقع دائماً، ولكن أحياناً أكثر بكثير، إذ كان هناك أخطاء كبيرة وكنا نطالب بتصحيحها. أما سوريا الحلم كان يجب أن تكون سوريا دولة لنقل مثل ماليزيا، دولة تشارك الدول المتقدمة في المستوى الإقتصادي والعلمي والتكنولوجي، وفي الخمسينيات كانت سوريا أفضل منها, علماً بأن الإمكانيات وعدد السكان متشابه, ولكن مع فارق كبير أن ماليزيا في طرف العالم وسوريا في قلب العالم.
المذيع :
لكن دكتور ربما أنت تقارن بين ماضي سوريا والعهد الحالي أو أسرة الأسد، نحن نتحدث أكثر عن الثلاث سنوات التي مرت بها سوريا، أنت قلت أن سوريا لم تعد كما كانت، هذا ربما بسبب الحرب لكن هل تعتقد أن الوضع الآن الذي وصلت له سوريا أكثر ضبابية أو ربما هو بسبب المرحلة أو الاقتتال الدائر داخل سوريا ؟
د. عارف دليلة :
ليتها كانت أكثر ضبابية لكان هناك احتمالات، لكن الواقع يمكن رؤيته بالعين المجردة وبشفافية كاملة, أن سوريا أصبحت مهشمة كدولة وكقوة إقتصادية وكشعب وكجغرافيا، على جميع المستويات، لا يوجد شيء يمثل سوريا أو يعطي صورة عن سوريا كدولة وكشعب وكاقتصاد موحد .
المذيع :
عندما تتحدث عن التمثيل هنا يجدر السؤال, خصوصاً بعد دخولنا العام الرابع, من الذي يمثل الشارع السوري الآن، النظام يقول أنه يمثله, والائتلاف الوطني والمجلس الوطني، هناك انقسامات كبيرة اليوم في سوريا, حقيقةً من يمثل تطلعات هذا الشعب السوري ؟
د. عارف دليلة :
هذا سؤال مهم جداً و كنا نسأله قبل هذه الأحداث يعني على مدى عشرات السنوات، كيف يمكن للشعب السوري أن يعبر عن نفسه وأن يمثل نفسه على جميع المستويات, وفي جميع السلطات القضائية والتنفيذية والتشريعية والإعلامية, وفي الداخل وفي الخارج أمام العالم. هل الأشكال التي كانت قائمة كانت تمثل سوريا؟ لم تكن على الإطلاق في يومٍ من الأيام تمثل سوريا, لأن أحداً لم يستشر الشعب السوري, فإذا كان ذلك قبل ثلاث سنوات فكيف الآن، الآن لا أحد يستطيع أن يدعي أنه يمثل سوريا لا كلاً ولا جزءاً حتى, لماذا، لأن الشعب لا يستطيع أن يقول أي كلمة في أي شيء يخصه .
المذيع :
لكن الشعب السوري قال كلمته في البداية والشعارات التي رفعها الشعب السوري واحد ويريد الحرية وكانت مطالب واضحة للشعب السوري، هل تعتقد أن الشعب السوري سبق ربما من أتى مؤخراً وقال أنه يمثله بخطوات وحاولت المعارضة مواكبة هذا الشعب ؟
د. عارف دليلة :
قال ذلك بشكلٍ عفوي, وبدافع من الضرورة التي كانت تتراكم في داخله وفي داخل كل إنسان وبداخل الشعب بشكل عام، لكنه كان يجب أن ينتقل إلى تحقيق ذلك بشكل عملي على الأرض, وهذا ما كان يجب أن يقوم به الإصلاح السياسي والإصلاح الإقتصادي الإجتماعي، هذا الإصلاح الذي يجب أن يكون مهمة يومية وليست قضية مناسبات, وتقوم به السلطة الواعية القوة الواعية, الطلائع والقاعدة الشعبية العامة, ولكن لم يكن ذلك متاحاً على الإطلاق، فلذلك انفجر بشكل عفوي, وكان هذا الإنفجار يمكن منذ البداية إعطائه فرصة لكي ينضج ولكي يتحول إلى عمل منظم، إلى طريقة يستطيع فيها الشعب السوري أن ينتخب ممثليه ويعبر عن مطالبه وآراءه عبر وسائل إعلام متاحة للجميع باعتبار كل المواطنين يمولونها بشكل مشترك, ولكنها لم تكن كذلك وهي حتى اليوم ليست كذلك, والمنظمات التي كنا نسميها منظمات شعبية بالإضافة إلى السلطات الرسمية لم تكن كذلك، وعندما انطلقت التظاهرات كانت تطالب بالإصلاح المستحق على جميع المستويات, لكن هذا كان يجب أن يتم تبنيه وينتقل إلى التنفيذ, ولكن كان يتطلب وعياً وصدقاً ومستوى عالي من الفهم والإدراك والإدارة والإحساس بالمصلحة الوطنية ومصلحة البلد, التي كما قلت كان يجب أن تكون في مستوى مثل ماليزيا بينما هي الآن- طبعاً الآن لا يمكن الحديث عن شيء ولكن لنقل حتى قبل الأحداث- كانت تتراجع، أنا أذكر في الثمانينيات كنا نتحدث أن سوريا وفق الإحصاءات الدولية انتقلت إلى الفئة الأولى من الدول النامية, والدول النامية كانت تصنف ثلاث فئات, وكنا في مصاف الدول التي تشكل الفئة الأولى من الدول النامية، والآن لم تعد إطلاقاً في أي موقع من هذه الفئات الثلاثة .
المذيع :
في هيئة التنسيق الكثير من الإتهامات وُجِّهت لكم، كيف تعارضون النظام ولا تزالون داخل سوريا وفي دمشق، وسبب التواصل بينكم وبين روسيا وحزب الله وإيران. حقيقةً كيف تستطيعون معارضة النظام الآن في ظل هذه الظروف وبقاء الكثير من هيئة التنسيق داخل سوريا ؟
د. عارف دليلة :
شيء يدعو إلى التساؤل، هل هذا شيء شاذ واستثنائي أم هو المفروض أن يكون الشيء الطبيعي, وما عداه هو الشكل الاستثنائي والشاذ والذي يدعو إلى التساؤل، ولكن لماذا سوريا وحدها من بين حتى الدول العربية التي شهدت أحداث الربيع العربي وبشكل عام على نطاق تاريخي شامل هي الشعب الوحيد الذي لا يستطيع أولاً أن يعارض في الداخل وثانياً أن يجتمع في الداخل لمناقشة شؤونه العامة، لماذا إخواننا في تونس ومصر وحتى اليمن كانوا يجتمعون في الداخل, وكان لديهم حتى في ظل الأنظمة القمعية الدكتاتورية كان لديهم معارضة وأحزاب ووسائل إعلام .
المذيع :
وأنتم أيضاً في هيئة التنسيق اجتمعتم في دمشق هنا الشيء الغير طبيعي
د. عارف دليلة :
لذلك أقول نحن بالذات كنا متمسكين بهذا المبدأ, أنك كسوري وكمعارض يجب أن تبقى في الداخل ومن هناك تستطيع أن تعمل أكثر ودون غض النظر على الإطلاق عن كل المثبطات وكل المحاذير وكل المخاطر .
المذيع :
ألا تتعرضون للاعتقال ؟
د. عارف دليلة :
زملاؤنا الآن مختفون عن الأنظار لا أحد يعترف بهم، الدكتور عبد العزيز الخير وإياس عيّاش وماهر طحان ورجاء الناصر أمين سر هيئة التنسيق وآخرون كثيرون، لا أحد يعترف بوجودهم .
المذيع :
لديكم قنوات اتصال مع حزب الله اللبناني وروسيا وإيران والصين ؟
د. عارف دليلة :
كان لدينا اتصال مع كل الأطراف ولقاءات وليس فقط هذه الأطراف حتى مع الأطراف الغربية
المذيع:
ما هي طبيعة التواصل وخاصة مع حزب الله تحديداً وهو يعتبر اليوم طرف في القتال في سورية ؟
د. عارف دليلة :
حزب الله كان هناك علاقة ضعيفة جداً, فله طبيعة معينة ونحن لنا طبيعة أخرى لذلك لم يكن هناك علاقة قوية أو مستمرة, ولكن ما نوع هذه العلاقة بيننا وبين كل هذه الاطراف! هي علاقة ذات طبيعة واحدة, تبادل الرأي توضيح مشكلة معينة أو قضية والوضع السوري بشكل عام, يجب أن ننقل وجهة نظرنا الى الآخرين ومطالبنا. أنا أذكر لقاء لنا قبل خروج السفراء الغربيين من دمشق مع 22 سفير ولمدة 3 ساعات أنا والدكتور عبد العزيز الخير والأستاذ حسن عبد العظيم وعرضت وجهة نظري شخصياً ووجهة نظر هيئة التنسيق والمعارضة الداخلية بشكل عام في مسألة العقوبات والحصار الإقتصادي وكتبت ذلك وأعلنته أكثر من مرة أننا ضد العقوبات وضد الحصار, لأن الذي يدفع الثمن هو المواطن والحياة العامة ومستوى المعيشة للشعب.
المذيع :
تقصد بالعقوبات هو عقوبات دول الإتحاد الأوربي والغرب بشكل عام, إذا برأيك العقوبات التي تضيق على النظام لا تشمل المواطن! أنت أستاذ في الأقتصاد والسياسة, وعليه ما هي العقوبات التي تضيق على النظام ولا تضيق على المواطن ؟
د. عارف دليلة :
هناك عقوبات تفرض, مثلاً العقوبات التي تفرض على روسيا الآن تفرض على الأشخاص كمنع سفر أشخاص, إستيلاء على حسابات أشخاص,إستيلاء على أملاك أشخاص التي تعتبرها الدول الأخرى مؤثرة ونافذة .. إلخ
هذه العقوبات لا نستطيع التأثير فيها .. لكن كيف نقبل بعقوبات تمنع المواطن من الحصول على المواد الغذائية والطبية, وكيف تمنع حصول المصانع على المواد الأولية وقطع التبديل !
المذيع :
ربما هناك بعض الأفراد الذين يمولون في سورية الشبيحة أو الذين يقمعون الثورة فهذه العقوبات ربما تشمل بعض هؤلاء و منهم التجار وأصحاب أموال كانو يمولون الكثير من رجال الشبيحة
د. عارف دليلة :
العقوبات التي تؤثر على منع العنف, التي تعطي فرصة للشعب لممارسة حريته بجميع أشكالها, هذه العقوبات ربما يمكن فصلها ويجب فصلها عن العقوبات التي تقع على المواطن وخاصة المواطنين الفقراء منهم. للأسف الشديد أنا قلت دائماً أن السلطة تستطيع تدبير أمورها لمواجهة أية عقوبات كانت, ولكن كانت العقوبات تقع على من لا يستطيعون تدبير أنفسهم.
المذيع :
نعود لهيئة التنسيق والمجلس الوطني والائتلاف والنظام, اليوم الشعب السوري مشتت بينهم. برأيك كمفكر سوري من اليوم يطمح لتمثيل الشعب السوري, من يحاول أن يمثل الشعب السوري ! من هو الذي يمكن أن يكون بديل سياسي للنظام ؟
د. عارف دليلة :
كما قلت الظروف غير الطبيعية الإستثنائية التي فرضت على الشعب السوري وسورية سواء كانت على مدى عقود سابقة أو بشكل خاص عند بدء الأحداث منذ 3 سنوات لم تتح أي فرصة للشعب السوري أن يعبر عن نفسه, لأن يتنظم ولأن تنضج فيه منظمات شعبية وحركات وأحزاب ومجتمع مدني وغير ذلك. كما أن السلطة في أحسن الظروف لو كانت ممثلة لما أوصلت البلاد لهذا الذي نحن فيه, إذا كانت السلطة أقل الجهات تمثيلاً فبالأحرى الآن, فإن التشرذم في المعارضة التي للأسف الشديد فإن مشكلة بهذه الفظاعة تواجه بمعارضة بمثل هذا التشرذم واللا مسؤولية والتي لم ترتقِ لقيادة الشعب بشكل سليم.
المذيع :
مشكلة بهذه الكارثة التي تدمر سورية, ألم يكن بالأحرى أن تكون المعارضة على قدر المسؤولية بتحمل هذا الأمر, وتمثل المطالب التي رفعها الشعب السوري لإيجاد بديل يقود سوريا في المرحلة القادمة ؟هل المرحلة أوجدت هؤلاء الأشخاص السيئين كما تفضلت !
د. عارف دليلة :
الحقيقة أصبح الكثير يتسائلون ! هل هي خاصية بالشعب السوري لماذا لم نرَهَا لدى الشعب التونسي أو المصري! لماذا السوريون كل واحد فيهم يقول أنا الممثل الوحيد والشرعي ؟ أنا الملهم المرسل من الله أنا لا شيء يجمعني مع الأخر, في الحقيقة لها جانب خاص أو سمة خاصة بالسورين بشكل عام نتيجة نصف قرن من انعدام الحياة الإجتماعية والسياسية, من التركيز على أن الشعب السوري ذرات رمل لا يربطها أي رابط تهب الرياح فتذروها في كل الإتجاهات
المذيع :
سورية عرفت دائماً باللوحة الفسيفسائية بالنسبة لمكوناتها. النسيج الإجتماعي بين جميع مكونات الشعب السوري هل هو اليوم في خطر أو ربما في المستقبل ؟في مرحلة ما بعد النظام ؟
د. عارف دليلة :
هذا الفسيفساء الذي كنا نتفاخر به عادة على أنه إغناء لصورة الدولة والشعب في سورية, للأسف كان يمكن أن نتحدث عنه في فترات قصيرة جداً بعد الإستقلال, عندما تشكلت أحزاب سياسية لم تعطَ فرصة للنضج لأنها بترت منذ بداية الوحدة وما زالت مبتورة حتى الآن. كان في الحزب الواحد مواطنون من كل الطوائف والمحافظات والطبقات أيضاً, وبالتالي كنت تجد في اجتماع الحلقة أو الفرقة الحزبية أناس من جميع الأطراف, ولم يكن أحد منهم يشعر بأنه مختلف عن الآخر, كانوا ينصهرون في قضية واحدة ويؤمنون بقضية واحدة. هذا كان يجب أن يستمر, لو استمر ذلك لكنا الآن في صف الدول المتقدمة, لكن قُطع الطريق على ذلك وأُريد تغير هندسة الشعب والدولة والإنسان في سورية, بحيث أن هذه الملايين من المواطنين التي قال عنها شاعر عربي في الستينيات في مدرج جامعة دمشق في قصيدة شهيرة, هذه الملايين ليست أمة العرب, لماذا؟ لأنها أصبحت ذرات رمل كما قلت .
المذيع :
النظام هو الذي عمل وهدف إلى إيصال الأمر لهذا الوضع وليس الشعب, لكن عندما تحدثت عن النسيج الإجتماعي لم أقصد علاقة النظام مع الشعب بل قصدت المناطقية بين الناس, في مناطق كدمشق هناك تداخل بين الناس والطوائف والمكونات وفي العادات الإجتماعية والناس يحتفلون بأعياد بعضهم الدينية. فأنا قصدت الوضع الإجتماعي هل هو في خطر؟.
د. عارف دليلة:
معك حق في الحياة الإجتماعية, في الحياة العادية, ربما كنت أقصد أكثرفي الحياة السياسية, في الحياة الإجتماعية, في الحياة العادية كانت الأمور جيدة جداً باستمرار, ولكن مع ذلك كانت هناك منغصات تتضخم تدريجياً.
المذيع:
من المسبب في هذه المنغضات؟
د. عارف دليلة :
المسبب هو تلك الشروط القاسية التي فُرضت على الحياة العامة, عدم إتاحة الفرصة لكي تنضج الحياة الإجتماعية المشتركة, نقابات!! لم يعد في سورية نقابات, حتى وسائل التعبير العامة, وسائل الفن مثلاً سينما مسرح, نحن نعرف أنه في سورية حتى في الستينيات كان هنالك مسرح متطور وكان هنالك سينما, وكان الناس يقضون أوقاتهم في السينما كنوع من الترفيه وقضاء الوقت بشكل ثقافي ممتع جداً في الخمسينيات والستينيات, الآن أنا لا أذكر أني منذ أكثر من أربعين سنة في سورية أو أكثر دخلت مسرح أو سينما.
الحياة الجامعية مثلاً كانت مختلفة جداً , أنا أذكر عندما دخلت الجامعة كانت الجامعة تعجّ بالحيوية, الشباب فيها فعلاً شيء مختلف تماماً, مختلف نوعياً عما هو الآن, كنا ننظر للمستقبل بتفائل بطموح هائل لاحدود له, الآن لم يعد هناك أي نوع من أنواع الطموح. كنا نتطلع إلى التخرج من الجامعة, للوصول إلى وظيفة مرموقة إجتماعياً, محترمة, من الناحية المادية تكفي لبناء حياة عائلية جيدة, وعلى النطاق الإجتماعي الإقتصاد سيتطور باستمرار, لكن كل ذلك أصبح يتراجع.
المذيع:
الاقتصاد اليوم, وكنت دكتور الإقتصاد وعميد كلية الإقتصاد في جامعة دمشق. الاقتصاد السوري كيف صمد لمدة ثلاثة سنوات, نحن نعرف السنة الماضية إنهارت الليرة بشكل كبير أمام الدولار, كيف صمد النظام إقتصادياً لمدة ثلاثة سنوات.
د. عارف دليلة :
الوجه الآخر للدمار, الوجه الآخر للمأساة, بالإضافة إلى وجهها الإنساني البشع جداً هو وجهها الإقتصادي, لا أعتقد أن مصطلح أن الإقتصاد صمد يصدق على الوضع الراهن, فعندما تجد أن القطاعات الإنتاجية أصبحت في شبه عطالة كاملة, أين الإنتاج الوطني الذي كنا نسميها منتجات استراتيجية, الحبوب القمح القطن الشمندرإلخ.. التي كانت تنتج على مساحات واسعة وتشغّل عدد كبير من الناس.
المذيع:
وتكلفة الإنفاق على العمليات العسكرية والمعارك
د. عارف دليلة :
المشروعات والبنى التحتية, هذه دفع الشعب السوري ثمنها غالياً على مدى 50 أو 60 سنة حتى وصلنا إلى هذا المستوى وإن كنا نعتبره مستوى متخلف ويجب تطويره بشكل حثيث, ومع ذلك الآن لم يبق منه شيء.
المصانع, أنا كنت قبل 4-5 سنوات زرت عدد من المصانع في حلب, وجدت شيء مذهل, مصانع جديدة تنتج منتجات حديثة متطورة!
المذيع:
نعم وصلنا إلى مستوى عالي في الصناعة, لكن اليوم ليس فقط تدمير المدن تدمير البنى التحتية والمصانع, لكن أقصد النظام, تكلفة الحرب وتكلفة الأسلحة والجنود هذا ألا يكلفه الكثير, كيف استطاع النظام الصمود, ليس فقط التدمير وتوقف الصناعة والتجارة, إنما أيضاً الإنفاق! هل النظام قادر على الإنفاق لسنة أخرى أو ربما لأعوام قادمة؟
د. عارف دليلة :
سيدي, الإيفاء بالحاجات الضرورية الدنيا للسلطة ليست مسألة صعبة, بالأخص في عصرنا التي تصدر فيه النقود الورقية التي تطبع بكبسة زر, بدليل في الثمانينيات كان الدولار بأربع ليرات, 380 قرش, لماذا في آخر الثمانينات أصبح خمسين ليرة سورية, ارتفع الدولار 12 ضعف على الأقل, وفي ذلك الوقت لم تكن هنالك أحداث خطيرة كما الآن.. أيضاً قبل الأحداث كان الدولار 46 الآن وصل 300 ثم عاد 170 ثم 155 إلخ.. هذا بحد ذاته دليل على أنه لم يعد هناك في سورية اقتصاد مركزي, الآن حجم الدائرة قطر الدائرة الإقتصادية ربما لا تتعدي 70 كلم ما بين المنتج والمستهلك بالإضافة للقطاع العام الخارجي تصدير واستيراد, أين الثروة الحيوانية التي كنا نتباهى بها! الغنم العواس الذي كان البعض يقدره بعشرين مليون رأس, الآن كيلو اللحم أصبح ليس في متناول 90% من السوريين اللهم إلا الذين يسرقون وينهبون.
المذيع:
يعني هذا الوضع الإقتصادي, أنا كنت أهدف من السؤال دكتور, ألا يزيد الضغط على النظام, يعني أنه لو استمر سنة تانية أو 3 سنوات ربما, ما في خزينة رح تخلص من عند النظام ربما؟, ما رح يوقف الحرب ما رح يزيد عليه الضغط بعد 3 سنوات, بالعكس عم نشوفه عم يشن بالحملة بقوة أكثر مثل ما بدأ بأول سنة, هل هذا بسبب وقوف روسيا وإيران يلي عم تمده بالمال عم تمده بالقوة, يعني مارح نوصل لمرحلة أنه منبع هذا المال رح يخلص؟
د. عارف دليلة :
للأسف الآن هناك مصادر تمويل خارجية كثيرة, فقدنا المصادر الطبيعية الداخلية التي تؤمن للناس العمل والحياة الكريمة التي كنا نطالب بتطويرها وتحسينها, وحلت محلها مصادر خارجية, ترك الناس كلهم العمل وتحولوا إلى إما النهب وإما التسلح وممارسة العنف. السلطة كما قلت يمكن أن تدبر رأسها بطرق كثيرة, بمقدار ما تقلصت مواردها تقلص إنفاقها.
المذيع:
لكن المواطن اليوم أيضاً يدفع الثمن, الغلاء في المواد الأولية الأساسية انعكس على المواطن السوري أيضاً في منطقة النظام وليس خارجها فقط.
د. عارف دليلة :
طبعاً لأن القسم الأكبر من المواطنين خرجوا من دائرة مسؤولية السلطة, هذا يخفف من النفقات والأموال المطلوبة, بالإضافة إلى أن الإنفاق العسكري معظمه هو إنفاق لموارد متراكمة على مدى خمسين أو ستين سنة!
المذيع :
ما هو الحل اليوم في سورية, هل هو حل سياسي حقيقة, هل يمكن لحل سياسي أن ينجح مع هذا النظام؟ أم هو الحل العسكري؟
د. عارف دليلة :
إذا كنت تذكر أن الشهور الأولى كانت تتراوح فيها الحلول, كان هناك من يفكر بالحل السياسي بالحوار, وكان هنالك بالمقابل من يفكر بالحسم العسكري, وأذكر أننا استُشرنا في ذلك الوقت.
المذيع مقاطعاً :
من استشاركم؟
د. عارف دليلة :
استًشرنا من قبل الدكتورة بثينة شعبان والأستاذ فاروق الشرع وقالوا نريد أن نسمع آراءكم, نحن مكلفون بسماع آراءكم لرفعها إلى المستوى الأعلى. وكنت أنا وكان آخرون عديدون, ووقتها قالوا أن النظام يسير في طريق الحل السياسي أو الحوار, وبدليل أننا نجتمع مع فلان وعلان وانتشر في الأعلام وحكينا. وقُطع الطريق في نقطة معينة وقُطع هذا التأرجح وانتقلوا للحل العسكري.
الحل السياسي, كان وسيبقى وما زال هو الحل الوحيد, لأن الحل العسكري لن يوصل الى نتيجة, قلت قبل يومين على إحدى المحطات أن المنتصر الأكبر, الآن كل طرف يقول عن نفسه هو المنتصر, أنا قلت أن المنتصر الأكبر سيكون هو المهزوم الأكبر, لأنه حتى لو افترضنا أن أحد الطرفين انتصر فإنه سيستلم بلداً مهشماً محطماً. أنا قلت قبل أكثر من سنة, إذا وقفت العمليات العسكرية الآن وعادت الحياة طبيعية فجأة, فإن سورية تحتاج إلى أكثر من 100 مليار دولار لكي تقف على رجليها. ويحتاج الشعب السوري إلى 25 سنة من الجهد للعودة لنقطة الصفر, ولكن أين سيصبح العالم بعد 25 سنة. الآن أصبحنا بحاجة ليس إلى مئة مليار بل إلى 200 وإلى 300 مليار, علماً أنه ليس لدينا مثل الدول العربية النفطية وغيرها العراق وليبيا إلى آخره, ليس لدينا أي مصدر ولن يكون هناك أي طرف خارجي مستعد لمد اليد إلا إذا قبلنا أن نجلس في جيبه.
المذيع :
قلت أنكم وصلتم إلى نقطة وبعدها توقفت وذهب النظام إلى الحل العسكري، يعني النظام الذي من بدأ الحل العسكري، يعني كيف يمكن للحل السياسي أن ينجح، أنتم تتواصلون مع الروس ومع الإيرانيين وحزب الله حلفاء النظام، هل الروس ربما يقبلون بفكرة إزالة رأس السلطة، نحن نعلم أن كل الإدارة في سورية تكون من خلال رأس السلطة أي رأس النظام، هل الروس من الممكن أن يقبلوا بهذا الأمر، هل لمستم أي شيء من الروس أو من الإيرانيين بأنهم يقبلون برحيل الأسد عن السلطة أو إيجاد بديل لإدارة المرحلة من خلال الحل السياسي وهل سيقبل النظام بهذا الأمر ؟
د. عارف دليلة :
المشكلة هي محاولة شخصنة المسألة من قبل كل الأطراف، السلطة كما تعلمون تشخصن المسألة والأطراف الأخرى أيضاً تشخصن المسألة، الآن هناك من يرتب نفسه بصورة طبق الأصل عن السلطة، والآن لا نستطيع أن نتحدث عن معارضة ككتلة, الآن هناك أشكال كثيرة على الأرض وبين المعارضات السياسية وغير ذلك، إذاً الأطراف الخارجية لا تساعد ولم تكن في يوم من الأيام ولن تكون في المستقبل مساعدة على الخروج من الكارثة والانتقال إلى الحل السياسي.
المذيع :
إذاً لماذا تتواصلون مع الروس وإيران ؟
د. عارف دليلة :
نتواصل ليس من باب التبعية، نحن نتواصل لأنها أطراف مؤثرة في الأرض وموجودة شئنا أم أبينا، وليس فقط روسيا وإيران كما قلت, وأعود وأؤكد أن التواصل مع كل الأطراف، والتواصل لأجل تبادل الرأي, ومن أجل أن ننقل قناعتنا, ولنقول أن هناك حل آخر هو ضمان سوريا دولة وشعباً ككتلة. الآن أصبحت جرة مهشمة وكل يوم، أنا منذ البداية ومنذ بداية الأحداث أنا أقول الآن الزمن لا يقاس لا بالسنوات ولا بالشهور ولا بالأسابيع، بل بالساعات يجب أن لا نضيع ساعة واحدة ولكن للأسف ضيعوا ثلاث سنوات, والآن نسمع بأن هذه الحرب يمكن أن تتحول لحرب أهلية وتمتد لعشرات السنوات, ويمكن أن تنتهي سوريا إلى كانتونات، هي على الأرض فعلياً الآن كانتونات .
المذيع :
من يملك الحل اليوم في سوريا وإخراج الشعب السوري من هذه الأزمة ؟
د. عارف دليلة :
الحل هو بعودة السوريين إلى ذاتهم والحل هو بيد الشعب لكن عن أي شعب، كلٌ يقول لا نقبل أي فرض من الخارج، القرار هو للشعب السوري, هل الذين يتحدثون بذلك يعلمون أين أصبح الشعب السوري؟؟ كأنهم يعيشون في عالم آخر وفي كوكب آخر!! كيف يمكن أن أتحدث عن شعب أنه هو الذي سيقرر وهو الذي سينتخب وهو الذي يتخذ قراره بشكل مستقل إذا كان هناك ثلاثة ملايين مهجر خارج الحدود, وهناك سبعة ملايين في الداخل خارج بيوتهم, وإذا كان هناك 80% من الشعب السوري لا يمكنه أن يأكل و ينام وينتقل من مكان إلى آخر بشكل طبيعي, كيف يمكن لشعب بهذا الوضع. لذلك نحن بحاجة إلى مرحلة إنتقالية، مرحلة إنتقالية تتولى قيادة البلاد فيها تلك السلطة التي تحدث عنها جنيف الأول ويفترض في جنيف الثاني، للأسف كان مهزلة ليس لها مثيل في التاريخ، كانا طرفان كل منهما يغني في واد، لم يتناقشا بأي شيء ولم يتحاورا بأي شيء، لم يأتِ أحد منهما إلى جنيف وفي ذهنه أن يتوصل إلى نقطة وإلى حل أو إلى قرار ما يوقف الكارثة، أنا أقول أن السؤال الأساسي هو وقف الكارثة والعنف، نحن عندما أُنشئت هيئة التنسيق طرحت شعارات ثلاث ” لا للطائفية، لا للعنف والعسكرة، لا للتدخل الخارجي “، لو أن كل الأطراف انطلقوا من هذه الشعارات الثلاثة لكانت سوريا استطاعت بأقل ما يمكن من التكاليف أن تعود.
المذيع :
لكن دكتور أنت قلت أن النظام بدأ بالحوار معكم منذ بداية الأزمة, ولكن وصل إلى نقطة ومن ثم ذهب إلى الخيار العسكري، هذا يعني أنه هو من بدأ الحل العسكري وهذا جوبه سواء بوجود تشكيلات الجيش السوري الحر أو غيره وتعددت الأسماء ولكن تشكلت بسبب الدفاع عن النفس، بدأت بالدفاع عن النفس ومن ثم انتقلت الآن إلى السيطرة على المناطق ونرى الآن جماعات متشددة وتمارس جرائم لا تختلف عن ما مارسه النظام، اليوم الشعب السوري كيف يمكنه إيقاف العنف وإيقاف التدمير وآلة الحرب في سوريا والعودة إلى الحل السياسي، كيف يمكن أن نعود إلى هذا الأمر ؟ وهل ستقبل الأطراف بذلك؟
د. عارف دليلة :
أنا أختصر المسألة هذه بكلمتين، بمقدار ما هي الأزمة السورية من أعقد الأزمات بمقدار ما هي من أبسط الأزمات، يعني الخروج منها يحتاج إلى وقفة ضمير، كتبت عن العقل والضمير في البداية وقفة عقل وضمير، ولكن أين هذا العقل والضمير، إنه مفقود عند جميع المشاركين للأسف, الذين أصروا منذ البداية بأن الحل هو بالحسم العسكري, ولكن حتى في داخل السلطة كان هناك من يرفض استخدام السلاح وبالمقابل كان هناك في المعارضة اتجاهات سلمية كبيرة جداً, لكن جاءت التدخلات الخارجية السيئة النية المعبأة بالمال والسلاح وغير ذلك فبدأت العملية تتحول إلى مناطحة، ولكن من الذي يذهب ضحية هذه المناطحة وتدمير كل شيء فوق الأرض وتدمير كل حي داخل البلد أو تهجيره .
المذيع :
سأختم بهذا السؤال دكتور، هل تعتقد بأن هذا العام يحمل تفاؤل للسوريين أو ربما نهاية الدمار والقتل والمعارك ؟
د. عارف دليلة :
قبل أيام عدت من فيينا من دعوة من قبل مجموعة دولية عنوانها المبادرة من أجل السلام في سوريا، كان هناك مدعوون من كل الأطراف, لكن رُفض سفر 33 شخص من داخل سوريا كان يجب أن يأتوا ويشاركوا في الحوار. لو أمكن عقد ما نسميه دائماً مؤتمر وطني شامل موسع, ولكن يأتون مجردين من الإلتزامات التي دمرت سوريا ويجتمعون بشكل منعزل, وقلت لو أمكن ذلك أن يعقد ضمن الأرض السورية, ولكن بما ان احداً لا يؤمن جانبه نتيجة تجربة, وقلنا أن ذلك بضمانة وكفالة جامعة الدول العربية وبعد ذلك كوفي عنان والأمم المتحدة والأخضر الإبراهيمي والدول الداعمة للسلطة والداعمة للمعارضة وبغطاء من الأمم المتحدة وأن يعقد في منطقة محررة من كل الأطراف، مثل هذا المؤتمر لو أمكن عقده أعتقد أنه سيحدث تنفيس كبير للإحتقانات وربما سيضع اللبنة الأولى في الحل .
المذيع :
شكراً جزيلاً لك دكتور عارف دليلةالمذيع :
أهلاً وسهلاً بكم إلى هذا الحوار الخاص مع المفكر السوري الدكتور عارف دليلة. أهلاً وسهلاً بكم في تلفزيون الآن .
د. عارف دليلة :
مرحباً بك
المذيع :
بعد دخول الثورة السورية عامها الرابع، أين سوريا اليوم ؟؟
د. عارف دليلة :
هذا سؤال كبير جداً يجدر بكل إنسان وبالأخص إذا كان سورياً أن يفكر به بتمعن، بعمق، بهدوء، بدون انفعال, لكن للأسف قليلون هم الذين يفكرون كما يجب في هذه المسألة، أين سوريا اليوم؟ لم يعد هناك شيء إسمه سوريا بالحقيقة، سوريا التي نعرفها أو سوريا التي كنا نتطلع إليها ونطمح إليها, ودائماً هناك فرق بين الواقع والحلم، فسوريا الواقع لم تكن مُرضية كما هو الواقع دائماً، ولكن أحياناً أكثر بكثير، إذ كان هناك أخطاء كبيرة وكنا نطالب بتصحيحها. أما سوريا الحلم كان يجب أن تكون سوريا دولة لنقل مثل ماليزيا، دولة تشارك الدول المتقدمة في المستوى الإقتصادي والعلمي والتكنولوجي، وفي الخمسينيات كانت سوريا أفضل منها, علماً بأن الإمكانيات وعدد السكان متشابه, ولكن مع فارق كبير أن ماليزيا في طرف العالم وسوريا في قلب العالم.
المذيع :
لكن دكتور ربما أنت تقارن بين ماضي سوريا والعهد الحالي أو أسرة الأسد، نحن نتحدث أكثر عن الثلاث سنوات التي مرت بها سوريا، أنت قلت أن سوريا لم تعد كما كانت، هذا ربما بسبب الحرب لكن هل تعتقد أن الوضع الآن الذي وصلت له سوريا أكثر ضبابية أو ربما هو بسبب المرحلة أو الاقتتال الدائر داخل سوريا ؟
د. عارف دليلة :
ليتها كانت أكثر ضبابية لكان هناك احتمالات، لكن الواقع يمكن رؤيته بالعين المجردة وبشفافية كاملة, أن سوريا أصبحت مهشمة كدولة وكقوة إقتصادية وكشعب وكجغرافيا، على جميع المستويات، لا يوجد شيء يمثل سوريا أو يعطي صورة عن سوريا كدولة وكشعب وكاقتصاد موحد .
المذيع :
عندما تتحدث عن التمثيل هنا يجدر السؤال, خصوصاً بعد دخولنا العام الرابع, من الذي يمثل الشارع السوري الآن، النظام يقول أنه يمثله, والائتلاف الوطني والمجلس الوطني، هناك انقسامات كبيرة اليوم في سوريا, حقيقةً من يمثل تطلعات هذا الشعب السوري ؟
د. عارف دليلة :
هذا سؤال مهم جداً و كنا نسأله قبل هذه الأحداث يعني على مدى عشرات السنوات، كيف يمكن للشعب السوري أن يعبر عن نفسه وأن يمثل نفسه على جميع المستويات, وفي جميع السلطات القضائية والتنفيذية والتشريعية والإعلامية, وفي الداخل وفي الخارج أمام العالم. هل الأشكال التي كانت قائمة كانت تمثل سوريا؟ لم تكن على الإطلاق في يومٍ من الأيام تمثل سوريا, لأن أحداً لم يستشر الشعب السوري, فإذا كان ذلك قبل ثلاث سنوات فكيف الآن، الآن لا أحد يستطيع أن يدعي أنه يمثل سوريا لا كلاً ولا جزءاً حتى, لماذا، لأن الشعب لا يستطيع أن يقول أي كلمة في أي شيء يخصه .
المذيع :
لكن الشعب السوري قال كلمته في البداية والشعارات التي رفعها الشعب السوري واحد ويريد الحرية وكانت مطالب واضحة للشعب السوري، هل تعتقد أن الشعب السوري سبق ربما من أتى مؤخراً وقال أنه يمثله بخطوات وحاولت المعارضة مواكبة هذا الشعب ؟
د. عارف دليلة :
قال ذلك بشكلٍ عفوي, وبدافع من الضرورة التي كانت تتراكم في داخله وفي داخل كل إنسان وبداخل الشعب بشكل عام، لكنه كان يجب أن ينتقل إلى تحقيق ذلك بشكل عملي على الأرض, وهذا ما كان يجب أن يقوم به الإصلاح السياسي والإصلاح الإقتصادي الإجتماعي، هذا الإصلاح الذي يجب أن يكون مهمة يومية وليست قضية مناسبات, وتقوم به السلطة الواعية القوة الواعية, الطلائع والقاعدة الشعبية العامة, ولكن لم يكن ذلك متاحاً على الإطلاق، فلذلك انفجر بشكل عفوي, وكان هذا الإنفجار يمكن منذ البداية إعطائه فرصة لكي ينضج ولكي يتحول إلى عمل منظم، إلى طريقة يستطيع فيها الشعب السوري أن ينتخب ممثليه ويعبر عن مطالبه وآراءه عبر وسائل إعلام متاحة للجميع باعتبار كل المواطنين يمولونها بشكل مشترك, ولكنها لم تكن كذلك وهي حتى اليوم ليست كذلك, والمنظمات التي كنا نسميها منظمات شعبية بالإضافة إلى السلطات الرسمية لم تكن كذلك، وعندما انطلقت التظاهرات كانت تطالب بالإصلاح المستحق على جميع المستويات, لكن هذا كان يجب أن يتم تبنيه وينتقل إلى التنفيذ, ولكن كان يتطلب وعياً وصدقاً ومستوى عالي من الفهم والإدراك والإدارة والإحساس بالمصلحة الوطنية ومصلحة البلد, التي كما قلت كان يجب أن تكون في مستوى مثل ماليزيا بينما هي الآن- طبعاً الآن لا يمكن الحديث عن شيء ولكن لنقل حتى قبل الأحداث- كانت تتراجع، أنا أذكر في الثمانينيات كنا نتحدث أن سوريا وفق الإحصاءات الدولية انتقلت إلى الفئة الأولى من الدول النامية, والدول النامية كانت تصنف ثلاث فئات, وكنا في مصاف الدول التي تشكل الفئة الأولى من الدول النامية، والآن لم تعد إطلاقاً في أي موقع من هذه الفئات الثلاثة .
المذيع :
في هيئة التنسيق الكثير من الإتهامات وُجِّهت لكم، كيف تعارضون النظام ولا تزالون داخل سوريا وفي دمشق، وسبب التواصل بينكم وبين روسيا وحزب الله وإيران. حقيقةً كيف تستطيعون معارضة النظام الآن في ظل هذه الظروف وبقاء الكثير من هيئة التنسيق داخل سوريا ؟
د. عارف دليلة :
شيء يدعو إلى التساؤل، هل هذا شيء شاذ واستثنائي أم هو المفروض أن يكون الشيء الطبيعي, وما عداه هو الشكل الاستثنائي والشاذ والذي يدعو إلى التساؤل، ولكن لماذا سوريا وحدها من بين حتى الدول العربية التي شهدت أحداث الربيع العربي وبشكل عام على نطاق تاريخي شامل هي الشعب الوحيد الذي لا يستطيع أولاً أن يعارض في الداخل وثانياً أن يجتمع في الداخل لمناقشة شؤونه العامة، لماذا إخواننا في تونس ومصر وحتى اليمن كانوا يجتمعون في الداخل, وكان لديهم حتى في ظل الأنظمة القمعية الدكتاتورية كان لديهم معارضة وأحزاب ووسائل إعلام .
المذيع :
وأنتم أيضاً في هيئة التنسيق اجتمعتم في دمشق هنا الشيء الغير طبيعي
د. عارف دليلة :
لذلك أقول نحن بالذات كنا متمسكين بهذا المبدأ, أنك كسوري وكمعارض يجب أن تبقى في الداخل ومن هناك تستطيع أن تعمل أكثر ودون غض النظر على الإطلاق عن كل المثبطات وكل المحاذير وكل المخاطر .
المذيع :
ألا تتعرضون للاعتقال ؟
د. عارف دليلة :
زملاؤنا الآن مختفون عن الأنظار لا أحد يعترف بهم، الدكتور عبد العزيز الخير وإياس عيّاش وماهر طحان ورجاء الناصر أمين سر هيئة التنسيق وآخرون كثيرون، لا أحد يعترف بوجودهم .
المذيع :
لديكم قنوات اتصال مع حزب الله اللبناني وروسيا وإيران والصين ؟
د. عارف دليلة :
كان لدينا اتصال مع كل الأطراف ولقاءات وليس فقط هذه الأطراف حتى مع الأطراف الغربية
المذيع:
ما هي طبيعة التواصل وخاصة مع حزب الله تحديداً وهو يعتبر اليوم طرف في القتال في سورية ؟
د. عارف دليلة :
حزب الله كان هناك علاقة ضعيفة جداً, فله طبيعة معينة ونحن لنا طبيعة أخرى لذلك لم يكن هناك علاقة قوية أو مستمرة, ولكن ما نوع هذه العلاقة بيننا وبين كل هذه الاطراف! هي علاقة ذات طبيعة واحدة, تبادل الرأي توضيح مشكلة معينة أو قضية والوضع السوري بشكل عام, يجب أن ننقل وجهة نظرنا الى الآخرين ومطالبنا. أنا أذكر لقاء لنا قبل خروج السفراء الغربيين من دمشق مع 22 سفير ولمدة 3 ساعات أنا والدكتور عبد العزيز الخير والأستاذ حسن عبد العظيم وعرضت وجهة نظري شخصياً ووجهة نظر هيئة التنسيق والمعارضة الداخلية بشكل عام في مسألة العقوبات والحصار الإقتصادي وكتبت ذلك وأعلنته أكثر من مرة أننا ضد العقوبات وضد الحصار, لأن الذي يدفع الثمن هو المواطن والحياة العامة ومستوى المعيشة للشعب.
المذيع :
تقصد بالعقوبات هو عقوبات دول الإتحاد الأوربي والغرب بشكل عام, إذا برأيك العقوبات التي تضيق على النظام لا تشمل المواطن! أنت أستاذ في الأقتصاد والسياسة, وعليه ما هي العقوبات التي تضيق على النظام ولا تضيق على المواطن ؟
د. عارف دليلة :
هناك عقوبات تفرض, مثلاً العقوبات التي تفرض على روسيا الآن تفرض على الأشخاص كمنع سفر أشخاص, إستيلاء على حسابات أشخاص,إستيلاء على أملاك أشخاص التي تعتبرها الدول الأخرى مؤثرة ونافذة .. إلخ
هذه العقوبات لا نستطيع التأثير فيها .. لكن كيف نقبل بعقوبات تمنع المواطن من الحصول على المواد الغذائية والطبية, وكيف تمنع حصول المصانع على المواد الأولية وقطع التبديل !
المذيع :
ربما هناك بعض الأفراد الذين يمولون في سورية الشبيحة أو الذين يقمعون الثورة فهذه العقوبات ربما تشمل بعض هؤلاء و منهم التجار وأصحاب أموال كانو يمولون الكثير من رجال الشبيحة
د. عارف دليلة :
العقوبات التي تؤثر على منع العنف, التي تعطي فرصة للشعب لممارسة حريته بجميع أشكالها, هذه العقوبات ربما يمكن فصلها ويجب فصلها عن العقوبات التي تقع على المواطن وخاصة المواطنين الفقراء منهم. للأسف الشديد أنا قلت دائماً أن السلطة تستطيع تدبير أمورها لمواجهة أية عقوبات كانت, ولكن كانت العقوبات تقع على من لا يستطيعون تدبير أنفسهم.
المذيع :
نعود لهيئة التنسيق والمجلس الوطني والائتلاف والنظام, اليوم الشعب السوري مشتت بينهم. برأيك كمفكر سوري من اليوم يطمح لتمثيل الشعب السوري, من يحاول أن يمثل الشعب السوري ! من هو الذي يمكن أن يكون بديل سياسي للنظام ؟
د. عارف دليلة :
كما قلت الظروف غير الطبيعية الإستثنائية التي فرضت على الشعب السوري وسورية سواء كانت على مدى عقود سابقة أو بشكل خاص عند بدء الأحداث منذ 3 سنوات لم تتح أي فرصة للشعب السوري أن يعبر عن نفسه, لأن يتنظم ولأن تنضج فيه منظمات شعبية وحركات وأحزاب ومجتمع مدني وغير ذلك. كما أن السلطة في أحسن الظروف لو كانت ممثلة لما أوصلت البلاد لهذا الذي نحن فيه, إذا كانت السلطة أقل الجهات تمثيلاً فبالأحرى الآن, فإن التشرذم في المعارضة التي للأسف الشديد فإن مشكلة بهذه الفظاعة تواجه بمعارضة بمثل هذا التشرذم واللا مسؤولية والتي لم ترتقِ لقيادة الشعب بشكل سليم.
المذيع :
مشكلة بهذه الكارثة التي تدمر سورية, ألم يكن بالأحرى أن تكون المعارضة على قدر المسؤولية بتحمل هذا الأمر, وتمثل المطالب التي رفعها الشعب السوري لإيجاد بديل يقود سوريا في المرحلة القادمة ؟هل المرحلة أوجدت هؤلاء الأشخاص السيئين كما تفضلت !
د. عارف دليلة :
الحقيقة أصبح الكثير يتسائلون ! هل هي خاصية بالشعب السوري لماذا لم نرَهَا لدى الشعب التونسي أو المصري! لماذا السوريون كل واحد فيهم يقول أنا الممثل الوحيد والشرعي ؟ أنا الملهم المرسل من الله أنا لا شيء يجمعني مع الأخر, في الحقيقة لها جانب خاص أو سمة خاصة بالسورين بشكل عام نتيجة نصف قرن من انعدام الحياة الإجتماعية والسياسية, من التركيز على أن الشعب السوري ذرات رمل لا يربطها أي رابط تهب الرياح فتذروها في كل الإتجاهات
المذيع :
سورية عرفت دائماً باللوحة الفسيفسائية بالنسبة لمكوناتها. النسيج الإجتماعي بين جميع مكونات الشعب السوري هل هو اليوم في خطر أو ربما في المستقبل ؟في مرحلة ما بعد النظام ؟
د. عارف دليلة :
هذا الفسيفساء الذي كنا نتفاخر به عادة على أنه إغناء لصورة الدولة والشعب في سورية, للأسف كان يمكن أن نتحدث عنه في فترات قصيرة جداً بعد الإستقلال, عندما تشكلت أحزاب سياسية لم تعطَ فرصة للنضج لأنها بترت منذ بداية الوحدة وما زالت مبتورة حتى الآن. كان في الحزب الواحد مواطنون من كل الطوائف والمحافظات والطبقات أيضاً, وبالتالي كنت تجد في اجتماع الحلقة أو الفرقة الحزبية أناس من جميع الأطراف, ولم يكن أحد منهم يشعر بأنه مختلف عن الآخر, كانوا ينصهرون في قضية واحدة ويؤمنون بقضية واحدة. هذا كان يجب أن يستمر, لو استمر ذلك لكنا الآن في صف الدول المتقدمة, لكن قُطع الطريق على ذلك وأُريد تغير هندسة الشعب والدولة والإنسان في سورية, بحيث أن هذه الملايين من المواطنين التي قال عنها شاعر عربي في الستينيات في مدرج جامعة دمشق في قصيدة شهيرة, هذه الملايين ليست أمة العرب, لماذا؟ لأنها أصبحت ذرات رمل كما قلت .
المذيع :
النظام هو الذي عمل وهدف إلى إيصال الأمر لهذا الوضع وليس الشعب, لكن عندما تحدثت عن النسيج الإجتماعي لم أقصد علاقة النظام مع الشعب بل قصدت المناطقية بين الناس, في مناطق كدمشق هناك تداخل بين الناس والطوائف والمكونات وفي العادات الإجتماعية والناس يحتفلون بأعياد بعضهم الدينية. فأنا قصدت الوضع الإجتماعي هل هو في خطر؟.
د. عارف دليلة:
معك حق في الحياة الإجتماعية, في الحياة العادية, ربما كنت أقصد أكثرفي الحياة السياسية, في الحياة الإجتماعية, في الحياة العادية كانت الأمور جيدة جداً باستمرار, ولكن مع ذلك كانت هناك منغصات تتضخم تدريجياً.
المذيع:
من المسبب في هذه المنغضات؟
د. عارف دليلة :
المسبب هو تلك الشروط القاسية التي فُرضت على الحياة العامة, عدم إتاحة الفرصة لكي تنضج الحياة الإجتماعية المشتركة, نقابات!! لم يعد في سورية نقابات, حتى وسائل التعبير العامة, وسائل الفن مثلاً سينما مسرح, نحن نعرف أنه في سورية حتى في الستينيات كان هنالك مسرح متطور وكان هنالك سينما, وكان الناس يقضون أوقاتهم في السينما كنوع من الترفيه وقضاء الوقت بشكل ثقافي ممتع جداً في الخمسينيات والستينيات, الآن أنا لا أذكر أني منذ أكثر من أربعين سنة في سورية أو أكثر دخلت مسرح أو سينما.
الحياة الجامعية مثلاً كانت مختلفة جداً , أنا أذكر عندما دخلت الجامعة كانت الجامعة تعجّ بالحيوية, الشباب فيها فعلاً شيء مختلف تماماً, مختلف نوعياً عما هو الآن, كنا ننظر للمستقبل بتفائل بطموح هائل لاحدود له, الآن لم يعد هناك أي نوع من أنواع الطموح. كنا نتطلع إلى التخرج من الجامعة, للوصول إلى وظيفة مرموقة إجتماعياً, محترمة, من الناحية المادية تكفي لبناء حياة عائلية جيدة, وعلى النطاق الإجتماعي الإقتصاد سيتطور باستمرار, لكن كل ذلك أصبح يتراجع.
المذيع:
الاقتصاد اليوم, وكنت دكتور الإقتصاد وعميد كلية الإقتصاد في جامعة دمشق. الاقتصاد السوري كيف صمد لمدة ثلاثة سنوات, نحن نعرف السنة الماضية إنهارت الليرة بشكل كبير أمام الدولار, كيف صمد النظام إقتصادياً لمدة ثلاثة سنوات.
د. عارف دليلة :
الوجه الآخر للدمار, الوجه الآخر للمأساة, بالإضافة إلى وجهها الإنساني البشع جداً هو وجهها الإقتصادي, لا أعتقد أن مصطلح أن الإقتصاد صمد يصدق على الوضع الراهن, فعندما تجد أن القطاعات الإنتاجية أصبحت في شبه عطالة كاملة, أين الإنتاج الوطني الذي كنا نسميها منتجات استراتيجية, الحبوب القمح القطن الشمندرإلخ.. التي كانت تنتج على مساحات واسعة وتشغّل عدد كبير من الناس.
المذيع:
وتكلفة الإنفاق على العمليات العسكرية والمعارك
د. عارف دليلة :
المشروعات والبنى التحتية, هذه دفع الشعب السوري ثمنها غالياً على مدى 50 أو 60 سنة حتى وصلنا إلى هذا المستوى وإن كنا نعتبره مستوى متخلف ويجب تطويره بشكل حثيث, ومع ذلك الآن لم يبق منه شيء.
المصانع, أنا كنت قبل 4-5 سنوات زرت عدد من المصانع في حلب, وجدت شيء مذهل, مصانع جديدة تنتج منتجات حديثة متطورة!
المذيع:
نعم وصلنا إلى مستوى عالي في الصناعة, لكن اليوم ليس فقط تدمير المدن تدمير البنى التحتية والمصانع, لكن أقصد النظام, تكلفة الحرب وتكلفة الأسلحة والجنود هذا ألا يكلفه الكثير, كيف استطاع النظام الصمود, ليس فقط التدمير وتوقف الصناعة والتجارة, إنما أيضاً الإنفاق! هل النظام قادر على الإنفاق لسنة أخرى أو ربما لأعوام قادمة؟
د. عارف دليلة :
سيدي, الإيفاء بالحاجات الضرورية الدنيا للسلطة ليست مسألة صعبة, بالأخص في عصرنا التي تصدر فيه النقود الورقية التي تطبع بكبسة زر, بدليل في الثمانينيات كان الدولار بأربع ليرات, 380 قرش, لماذا في آخر الثمانينات أصبح خمسين ليرة سورية, ارتفع الدولار 12 ضعف على الأقل, وفي ذلك الوقت لم تكن هنالك أحداث خطيرة كما الآن.. أيضاً قبل الأحداث كان الدولار 46 الآن وصل 300 ثم عاد 170 ثم 155 إلخ.. هذا بحد ذاته دليل على أنه لم يعد هناك في سورية اقتصاد مركزي, الآن حجم الدائرة قطر الدائرة الإقتصادية ربما لا تتعدي 70 كلم ما بين المنتج والمستهلك بالإضافة للقطاع العام الخارجي تصدير واستيراد, أين الثروة الحيوانية التي كنا نتباهى بها! الغنم العواس الذي كان البعض يقدره بعشرين مليون رأس, الآن كيلو اللحم أصبح ليس في متناول 90% من السوريين اللهم إلا الذين يسرقون وينهبون.
المذيع:
يعني هذا الوضع الإقتصادي, أنا كنت أهدف من السؤال دكتور, ألا يزيد الضغط على النظام, يعني أنه لو استمر سنة تانية أو 3 سنوات ربما, ما في خزينة رح تخلص من عند النظام ربما؟, ما رح يوقف الحرب ما رح يزيد عليه الضغط بعد 3 سنوات, بالعكس عم نشوفه عم يشن بالحملة بقوة أكثر مثل ما بدأ بأول سنة, هل هذا بسبب وقوف روسيا وإيران يلي عم تمده بالمال عم تمده بالقوة, يعني مارح نوصل لمرحلة أنه منبع هذا المال رح يخلص؟
د. عارف دليلة :
للأسف الآن هناك مصادر تمويل خارجية كثيرة, فقدنا المصادر الطبيعية الداخلية التي تؤمن للناس العمل والحياة الكريمة التي كنا نطالب بتطويرها وتحسينها, وحلت محلها مصادر خارجية, ترك الناس كلهم العمل وتحولوا إلى إما النهب وإما التسلح وممارسة العنف. السلطة كما قلت يمكن أن تدبر رأسها بطرق كثيرة, بمقدار ما تقلصت مواردها تقلص إنفاقها.
المذيع:
لكن المواطن اليوم أيضاً يدفع الثمن, الغلاء في المواد الأولية الأساسية انعكس على المواطن السوري أيضاً في منطقة النظام وليس خارجها فقط.
د. عارف دليلة :
طبعاً لأن القسم الأكبر من المواطنين خرجوا من دائرة مسؤولية السلطة, هذا يخفف من النفقات والأموال المطلوبة, بالإضافة إلى أن الإنفاق العسكري معظمه هو إنفاق لموارد متراكمة على مدى خمسين أو ستين سنة!
المذيع :
ما هو الحل اليوم في سورية, هل هو حل سياسي حقيقة, هل يمكن لحل سياسي أن ينجح مع هذا النظام؟ أم هو الحل العسكري؟
د. عارف دليلة :
إذا كنت تذكر أن الشهور الأولى كانت تتراوح فيها الحلول, كان هناك من يفكر بالحل السياسي بالحوار, وكان هنالك بالمقابل من يفكر بالحسم العسكري, وأذكر أننا استُشرنا في ذلك الوقت.
المذيع مقاطعاً :
من استشاركم؟
د. عارف دليلة :
استًشرنا من قبل الدكتورة بثينة شعبان والأستاذ فاروق الشرع وقالوا نريد أن نسمع آراءكم, نحن مكلفون بسماع آراءكم لرفعها إلى المستوى الأعلى. وكنت أنا وكان آخرون عديدون, ووقتها قالوا أن النظام يسير في طريق الحل السياسي أو الحوار, وبدليل أننا نجتمع مع فلان وعلان وانتشر في الأعلام وحكينا. وقُطع الطريق في نقطة معينة وقُطع هذا التأرجح وانتقلوا للحل العسكري.
الحل السياسي, كان وسيبقى وما زال هو الحل الوحيد, لأن الحل العسكري لن يوصل الى نتيجة, قلت قبل يومين على إحدى المحطات أن المنتصر الأكبر, الآن كل طرف يقول عن نفسه هو المنتصر, أنا قلت أن المنتصر الأكبر سيكون هو المهزوم الأكبر, لأنه حتى لو افترضنا أن أحد الطرفين انتصر فإنه سيستلم بلداً مهشماً محطماً. أنا قلت قبل أكثر من سنة, إذا وقفت العمليات العسكرية الآن وعادت الحياة طبيعية فجأة, فإن سورية تحتاج إلى أكثر من 100 مليار دولار لكي تقف على رجليها. ويحتاج الشعب السوري إلى 25 سنة من الجهد للعودة لنقطة الصفر, ولكن أين سيصبح العالم بعد 25 سنة. الآن أصبحنا بحاجة ليس إلى مئة مليار بل إلى 200 وإلى 300 مليار, علماً أنه ليس لدينا مثل الدول العربية النفطية وغيرها العراق وليبيا إلى آخره, ليس لدينا أي مصدر ولن يكون هناك أي طرف خارجي مستعد لمد اليد إلا إذا قبلنا أن نجلس في جيبه.
المذيع :
قلت أنكم وصلتم إلى نقطة وبعدها توقفت وذهب النظام إلى الحل العسكري، يعني النظام الذي من بدأ الحل العسكري، يعني كيف يمكن للحل السياسي أن ينجح، أنتم تتواصلون مع الروس ومع الإيرانيين وحزب الله حلفاء النظام، هل الروس ربما يقبلون بفكرة إزالة رأس السلطة، نحن نعلم أن كل الإدارة في سورية تكون من خلال رأس السلطة أي رأس النظام، هل الروس من الممكن أن يقبلوا بهذا الأمر، هل لمستم أي شيء من الروس أو من الإيرانيين بأنهم يقبلون برحيل الأسد عن السلطة أو إيجاد بديل لإدارة المرحلة من خلال الحل السياسي وهل سيقبل النظام بهذا الأمر ؟
د. عارف دليلة :
المشكلة هي محاولة شخصنة المسألة من قبل كل الأطراف، السلطة كما تعلمون تشخصن المسألة والأطراف الأخرى أيضاً تشخصن المسألة، الآن هناك من يرتب نفسه بصورة طبق الأصل عن السلطة، والآن لا نستطيع أن نتحدث عن معارضة ككتلة, الآن هناك أشكال كثيرة على الأرض وبين المعارضات السياسية وغير ذلك، إذاً الأطراف الخارجية لا تساعد ولم تكن في يوم من الأيام ولن تكون في المستقبل مساعدة على الخروج من الكارثة والانتقال إلى الحل السياسي.
المذيع :
إذاً لماذا تتواصلون مع الروس وإيران ؟
د. عارف دليلة :
نتواصل ليس من باب التبعية، نحن نتواصل لأنها أطراف مؤثرة في الأرض وموجودة شئنا أم أبينا، وليس فقط روسيا وإيران كما قلت, وأعود وأؤكد أن التواصل مع كل الأطراف، والتواصل لأجل تبادل الرأي, ومن أجل أن ننقل قناعتنا, ولنقول أن هناك حل آخر هو ضمان سوريا دولة وشعباً ككتلة. الآن أصبحت جرة مهشمة وكل يوم، أنا منذ البداية ومنذ بداية الأحداث أنا أقول الآن الزمن لا يقاس لا بالسنوات ولا بالشهور ولا بالأسابيع، بل بالساعات يجب أن لا نضيع ساعة واحدة ولكن للأسف ضيعوا ثلاث سنوات, والآن نسمع بأن هذه الحرب يمكن أن تتحول لحرب أهلية وتمتد لعشرات السنوات, ويمكن أن تنتهي سوريا إلى كانتونات، هي على الأرض فعلياً الآن كانتونات .
المذيع :
من يملك الحل اليوم في سوريا وإخراج الشعب السوري من هذه الأزمة ؟
د. عارف دليلة :
الحل هو بعودة السوريين إلى ذاتهم والحل هو بيد الشعب لكن عن أي شعب، كلٌ يقول لا نقبل أي فرض من الخارج، القرار هو للشعب السوري, هل الذين يتحدثون بذلك يعلمون أين أصبح الشعب السوري؟؟ كأنهم يعيشون في عالم آخر وفي كوكب آخر!! كيف يمكن أن أتحدث عن شعب أنه هو الذي سيقرر وهو الذي سينتخب وهو الذي يتخذ قراره بشكل مستقل إذا كان هناك ثلاثة ملايين مهجر خارج الحدود, وهناك سبعة ملايين في الداخل خارج بيوتهم, وإذا كان هناك 80% من الشعب السوري لا يمكنه أن يأكل و ينام وينتقل من مكان إلى آخر بشكل طبيعي, كيف يمكن لشعب بهذا الوضع. لذلك نحن بحاجة إلى مرحلة إنتقالية، مرحلة إنتقالية تتولى قيادة البلاد فيها تلك السلطة التي تحدث عنها جنيف الأول ويفترض في جنيف الثاني، للأسف كان مهزلة ليس لها مثيل في التاريخ، كانا طرفان كل منهما يغني في واد، لم يتناقشا بأي شيء ولم يتحاورا بأي شيء، لم يأتِ أحد منهما إلى جنيف وفي ذهنه أن يتوصل إلى نقطة وإلى حل أو إلى قرار ما يوقف الكارثة، أنا أقول أن السؤال الأساسي هو وقف الكارثة والعنف، نحن عندما أُنشئت هيئة التنسيق طرحت شعارات ثلاث ” لا للطائفية، لا للعنف والعسكرة، لا للتدخل الخارجي “، لو أن كل الأطراف انطلقوا من هذه الشعارات الثلاثة لكانت سوريا استطاعت بأقل ما يمكن من التكاليف أن تعود.
المذيع :
لكن دكتور أنت قلت أن النظام بدأ بالحوار معكم منذ بداية الأزمة, ولكن وصل إلى نقطة ومن ثم ذهب إلى الخيار العسكري، هذا يعني أنه هو من بدأ الحل العسكري وهذا جوبه سواء بوجود تشكيلات الجيش السوري الحر أو غيره وتعددت الأسماء ولكن تشكلت بسبب الدفاع عن النفس، بدأت بالدفاع عن النفس ومن ثم انتقلت الآن إلى السيطرة على المناطق ونرى الآن جماعات متشددة وتمارس جرائم لا تختلف عن ما مارسه النظام، اليوم الشعب السوري كيف يمكنه إيقاف العنف وإيقاف التدمير وآلة الحرب في سوريا والعودة إلى الحل السياسي، كيف يمكن أن نعود إلى هذا الأمر ؟ وهل ستقبل الأطراف بذلك؟
د. عارف دليلة :
أنا أختصر المسألة هذه بكلمتين، بمقدار ما هي الأزمة السورية من أعقد الأزمات بمقدار ما هي من أبسط الأزمات، يعني الخروج منها يحتاج إلى وقفة ضمير، كتبت عن العقل والضمير في البداية وقفة عقل وضمير، ولكن أين هذا العقل والضمير، إنه مفقود عند جميع المشاركين للأسف, الذين أصروا منذ البداية بأن الحل هو بالحسم العسكري, ولكن حتى في داخل السلطة كان هناك من يرفض استخدام السلاح وبالمقابل كان هناك في المعارضة اتجاهات سلمية كبيرة جداً, لكن جاءت التدخلات الخارجية السيئة النية المعبأة بالمال والسلاح وغير ذلك فبدأت العملية تتحول إلى مناطحة، ولكن من الذي يذهب ضحية هذه المناطحة وتدمير كل شيء فوق الأرض وتدمير كل حي داخل البلد أو تهجيره .
المذيع :
سأختم بهذا السؤال دكتور، هل تعتقد بأن هذا العام يحمل تفاؤل للسوريين أو ربما نهاية الدمار والقتل والمعارك ؟
د. عارف دليلة :
قبل أيام عدت من فيينا من دعوة من قبل مجموعة دولية عنوانها المبادرة من أجل السلام في سوريا، كان هناك مدعوون من كل الأطراف, لكن رُفض سفر 33 شخص من داخل سوريا كان يجب أن يأتوا ويشاركوا في الحوار. لو أمكن عقد ما نسميه دائماً مؤتمر وطني شامل موسع, ولكن يأتون مجردين من الإلتزامات التي دمرت سوريا ويجتمعون بشكل منعزل, وقلت لو أمكن ذلك أن يعقد ضمن الأرض السورية, ولكن بما ان احداً لا يؤمن جانبه نتيجة تجربة, وقلنا أن ذلك بضمانة وكفالة جامعة الدول العربية وبعد ذلك كوفي عنان والأمم المتحدة والأخضر الإبراهيمي والدول الداعمة للسلطة والداعمة للمعارضة وبغطاء من الأمم المتحدة وأن يعقد في منطقة محررة من كل الأطراف، مثل هذا المؤتمر لو أمكن عقده أعتقد أنه سيحدث تنفيس كبير للإحتقانات وربما سيضع اللبنة الأولى في الحل .
المذيع :
شكراً جزيلاً لك دكتور عارف دليلة
https://www.youtube.com/watch?v=EA06pWrBWQk

التصنيفات : مقابلات أعضاء الهيئة, اللقاءات الصحفية, تصريحات قيادات الهيئة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: