الوطن طمأنينة، لا حلبة

مقالاتسمير عطا الله (النهار)

لا بد أنك، في مرحلة ما، وخصوصاً في البدايات، قرأت “الأوديسة”، أو قرأت عنها، أو قرأت أمثالها متفرّقة، كمثل كعب أخيل، أو جمال هيلينا، أو حصان طروادة. في القرى، كلما قرّر محدّث أن يلفتك إلى شيء تجهله، قدّم لذلك بالقول: “أنت سِيد العارفين”. كل آداب العالم تبحث عن ملحمة شعرية واحدة، وهذا اليوناني الأسطوري راوي الأساطير، هوميروس، له ملحمتان. لذلك، يشكّك الباحثون في أنه كان رجلاً واحداً. في “الإلياذة” و”الأوديسة” كل شيء خلْفه حكمة، وهذه الحكمة طوّرها العباقرة اليونانيون، إلى ما عُرف لاحقاً بالفلسفة، أو المدرسة التي بُنيت عليها تعاليم الحضارة. وهذه الحضارة كادت تجتاح الجميع، لولا نقطة ضعفها الكبرى. وهي أن الاغريق جعلوا لكل خوف بشري إلهاً، كما يقول الأستاذ أرنست رينان، في حين اختارت الأكثرية البشرية الإيمان بالله الواحد.

ما هي الحكمة الكبرى، أو الأولى، في “الأوديسة”؟ تذكّر طبعاً البداية. وهي أن أسوار طروادة كانت عصيّة على اليونانيين. فما كان من هؤلاء إلا أن بنوا حصاناً خشبياً ضخماً، ملأوا داخله بالمقاتلين، ثم تركوه عند باب المدينة. تطلّع أهل طروادة إلى الحصان الهائل فقالوا لأنفسهم، يا للروعة، إنها هدية الآلهة إلينا.
خرجوا ودفعوا الحصان إلى الداخل، وما أن فرَغوا من ذلك حتى خرج اليونانيون. بقية الأسطورة معروفة ومفادها أن الحرب دامت عشر سنين.
تلك هي الحكمة، أما الحبكة، فأحبّ أن ألفت نظر جنابك، إلى أن الطرواديين هم الذين جرّوا الحصان. كان واضحاً منذ انكشاف التورّط اللبناني في حرب سوريا، أن هناك حصاناً على الجانبين، كما كان واضحاً أن يعود أوديسوس إلى “حياته الطبيعية” إلى جانب ابنه وعائلته. جميع الفنون والحِكَم تحذّرنا من الوقوع في فخ النداء السهْل. إلى الآن يُروى أن فتنة 1860 بين الدروز والموارنة بدأت في شجار بين أطفال، ولكن ماذا عن التعبئة التي استمرت منذ 1840؟ الناس تتذكّر دائماً الشرارة، لذلك، تبدو دائماً عبَثية، كالقول ان الحرب العالمية الأولى اشتعلت بسبب اغتيال فردينان، أرشيدوق النمسا.
كانت أوروبا آنذاك، مثل هذه المنطقة اليوم، مسبحة رخْوة العُقد، كل حبة فيها معرّضة للتفلّت. قوى تقوم وقوى تزول وحدود تنهار من تلقاء نفسها، وقوميات تعزف أناشيدها القديمة على الطبول والقِرَب. وقفتُ الأسبوع الماضي على الجادة الخامسة أشاهد بعضاً من عرض “يوم القديس باتريك”، الذي يقيمه الإيرلنديون منذ عقود في نيويورك ومدن أخرى. لفَتَني أكثر من أي شيء آخر أن الإيرلنديين والإسكوتلنديين عزفوا في حروبهم الآلات نفسها والإيقاعات نفسها وأحدثت هياجهم نحو القتل والموت طبول واحدة.
يكبِّر المُتذابحون في سوريا (وفي سواها) لإله واحد، ويؤدّون شهادة واحدة قبل أن يشرَعوا في المبارزات الأخوية. لا يقبل العرب حتى الأخوة. فما هم إلا أشقاء كاملين. والأدلّة لا تُحصى: سوريا ولبنان. العراق والكويت. الجزائر والمغرب. السودان ومصر. اليمن واليمن.
خسرنا في نيويورك، الأسبوع الماضي، احدى علامات الوحدة، المتروبوليت فيليب صليبا، مطران الروم في أميركا الشمالية. كان هذا الحبر النبيل أسقف الشرق في قارات الغرب. بدأ حبريته نحو 50 أبرشية أرثوذكسية، وخلال 50 عاماً كادت تبلغ الثلاثمئة. وإذا كان المطران جورج خضر قد لقِّب أسقف العربية، فإن صليبا كان أسقف العرب، يوحّد كلمتهم ويرفع قضيتهم، غير آبه لتنوّعهم الطائفي.
كان فيليب صليبا أيضاً علامة من علامات المُغتَرَبْ اللبناني الذي بدأ يتضعضع ويشتدّ بعده وتتسع مسافاته. لقد سئم المهاجرون دلَع المقيمين وإخفاقاتهم ونزواتهم ومقامراتهم ببقائيات لبنان. كما يعرض الإيرلنديون تعلّقهم بالإرث في الأرض وعبر البحار، يتحوّل لبنان، مقيماً ومهاجراً، إلى عرض علني لأحصنة طروادة، المليئة بالمقاتلين. من كل نوع.
هاجر الإيرلنديون بسبب ما يُسمى مجاعة البطاطا الكبرى (1740 – 1741)، وهاجرنا بسبب ما عُرف بمجاعة الحرب الكبرى قبل مائة عام على وجه الضبط. الذين جاؤوا إلى هنا في عذابات لا توصف، تكفّلوا حياة الذين بقوا هناك في عذابات لا يمكن وصفها. ملاحم إنسانية على جانبي الكرة، أنتجت أفراداً مُبهِرين وأخفقت في إقناعهم بقبول الصيغة الفريدة التي وضعها فكر مُبهر. ينضوي اللبنانيون في أميركا تحت قوانين مدنية تطوَّرت حتى أوصلت إلى الرئاسة رجلاً أسود زعتري الشعر، وفي بلدهم يُسقطون ريمون إده وجان عزيز ونسيب لحود وغسان تويني وسليم الحص. بلَغ الرئاسة الأميركية متحدّرون إيرلنديون، أو ذوو جذور من ناحية الأم (روزفلت) لا عدّ لهم. بينهم كينيدي وريغان وكلينتون وبوش. وخاض معركة الرئاسة متحدِّر لبناني واحد هو رالف نادر: خاضها تحت شعار الاعتراض على كل شيء، بما في ذلك الحزبان العمودان، الديموقراطي والجمهوري. والدة أوباما أيضاً إيرلندية.
في أي حال، انتهى عصر الرواد، هنا وهناك. لم يعد من الممكن أن تقطع كاملة رحمة البر والبحر من بشرّي إلى بوسطن ومعها خمسة اطفال أصغرهم يُدعى جبران خليل جبران. أُسكنوا يومها في الحي الإيرلندي الفقير، المتمادي في الفقر، لكن جبران سوف يفوق جميع الإيرلنديين شُهرة هنا. ترك لهم أن يكتبوا أجمل الشعر والنثر في الأدب الإنكليزي مشرّدين في القارة القديمة: جويس، بيكيت، برنارد شو، وسائر الأعلام. أما في العالم الجديد فلا يزال مَلِكاً على لائحة الكتب الأكثر مبيعاً.
نردّد الأمثولات، لكننا لا نتعلّمها. كثير مما نكتب ونحدِّث جاءنا من الأساطير ولغتها: سيزيف وعقدة أوديب وصندوق باندورا ونرسيس. وأن تنسَ لن تنسَ التعهّد الـ “البروميتيوسي” الذي طلبه السادة مطارنة الموارنة في بيان شهري. لماذا اختار الأساقفة مثال هذا الجبار من الأسطورة اليونانية؟ لا ندري. لعلّهم أرادوا التنويع عن سمكات طبريا. ثم لماذا يحق للكتّاب أخذ الأمثال من طروادة، ولا يحق للأَحبار أخْذَها من بروميتيوس؟ ألَيْس لأنهم ملّوا كليلة ودمنة وحكايات لافونتين وخصوصاً، خصوصاً، ملحمة العمّ سرفانتس وطواحينه؟ هل تعرف ماذا نسي أن يقول لنا سرفانتس وهو في غلواء حماسته ضد سذاجة دون كيشوت، ساذج كل عصر، طبيب جميع العصور؟ تماماً كما ننسى أن أهل طروادة هم الذين دفعوا الحصان الفخّ إلى ديارهم، نسي سرفانتس أن يلفتنا إلى أن طواحين الهواء في حدّ ذاتها اختراع عظيم. لقد تلقّفه الهولنديون بذكاء هائل، وأفادوا من رياحه، ثم حوّلوا كل شيء إلى لوحات فنية تُباع عند سوذبي بالملايين. مسكين فان غوغ، هاجر إلى فرنسا يرسم جمال طبيعتها ويحوّل أعماله إلى ثروة وطنية للفرنسيين. لعل نداء الشمس هو ما أغراه. يُقبِضُ الصدور ضباب هولندا. وقد عوّضها الله بزنبق التوليب، من جميع الألوان، وجميع القامات، وجميع المقاسات. جين فوندا على إنجيلينا جولي على كيم كارديشيان، التي كتبت زميلتنا جمانة حداد، أن البحث جارٍ جدياً لمعرفة ما هو “خِلْقة” فيها، وما هو مُضاف.
نحن، أرسلنا إلى هوليوود، سلمى حايك وشاكيرا (ناهيك بعمر الشريف). أما لماذا جميع الصادرات من زحلة، فلأن مواسمها جميعاً من نوع الخَدْر: كلاسيكي مثل عبقر شفيق معلوف، مُحدِثْ مثل “رندلى” سعيد عقل، طليعي مثل “جلنار” ميشال طراد، و”بندقية” للقرقشة مثل أغاني شاكيرا.
في وداع المتروبوليت صليبا تقف أمامنا المقارنات والنقائض: كيف تزدهر الكنيسة الشرقية في الغرب وتذوب في الشرق نفسه؟ كيف يتفوّق المهاجرون ويسقط المقيمون؟ كيف تستمر مسيرة الإيرلنديين نهاراً كاملاً في الجادة الخامسة، ويعجز مليون لبناني عن تكوين جمعية خيرية؟ كيف يعيش المهاجرون في الحرية والديموقراطية ويُطلق المقيم لقب الديموقراطية على نظام الغَلَبة والإقطاع والخوف والقلق؟
إياك أن تظنّ أن الديموقراطية تعني الطغيان لمجرد حصولها على الأكثرية. أكثرية الجنوب الأميركي كانت تحارب من أجل العبودية. الحروب الصليبية كانت الأكثر شعبية. إمبراطور روما كان يرمي الرجال إلى الأُسود وسط هتاف جماعي، مما يحرّك خلايا النشاط في الإمبراطورة وفي الإمبراطورية. عندما ينتصر الحزب المحافظ في بريطانيا لا يطرد العمال خارجاً، ولا يُرسلهم إلى السجون. بل تقضي الديموقراطية أن يكون كل قرار ضامناً مصالح جميع الناس، حامياً كراماتهم، مترفّقاً بحاجاتهم.
للناس أن تحلم برئيس قوّته في فهمه لمعنى الديموقراطية. أي صلباً في التسوية العادلة، وعادلاً في حقوق الآخرين قبل حقوقه، وفي حفظ اعتبارهم وكراماتهم ومعانيهم ومعنوياتهم. لا يقبل الإهانة لنفسه ولا لسواه. يكون المسؤول ديموقراطياً عندما يعرف أن الانتصار نصراً له، لكنه ليس هزيمة لشريكه. الأوطان ليست حَلَبة، بل طمأنينة.

المقال الوارد لا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

التصنيفات : المقالات

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d مدونون معجبون بهذه: