2011- 2014 هل ربح النظام وخسر معارضوه

“منذر خدام-الاخبار اللبنانية”منذر-خدام

يعد رايان كروكر – سفير أمريكي سابق في سورية وفي العديد من الدول الأخرى، والخبير في شؤون المنطقة العربية-أحد أبرز ممثلي “الواقعية” السياسية في الأوساط الدبلوماسية الأمريكية، وهو معروف أيضاً، على الصعيد العالمي، كخبير وممثل جيد للبراغماتية الدبلوماسية الأمريكية. مناسبة هذا الكلام عن السيد كروكر، الذي لا يضيف شيئا لما هو معلوم عنه، هو إطلالته اللافتة، في هذا الظرف الذي تمر به سورية ، على صفحات جريدة نيويورك تايمز ليقول ناصحاً إدارته ” نحن بحاجة لبدء التحدث مع نظام الأسد مرة أخرى…”، لكنه ينصح بأن يتم ذلك ” بسرية للغاية، وبهدوء..”. ويبرر كروكر ضرورة التحدث مع الأسد بقوله ” فعلى الرغم من سوء الأسد، لكنه ليس بسوء الجهاديين الذين يمكن أن يتولوا الحكم في حال غيابه”.

يعترف كروكر بأن النظام قد لعبها صح، وبنى إستراتيجيته كلها على أساس أن العنف المفرط هو الذي سوف يدفع الناس إلى حمل السلاح، وسوف يخلق، بالتالي، كل الظروف الملائمة لصعود القاع الاجتماعي، الريفي منه على وجه الخصوص، إلى الواجهة ليتقدم صفوف المعارضة المسلحة الجهادية المتطرفة، ويحوز على قطبيتها السياسية والعسكرية في مواجهة قطبية النظام. هذا في الجانب الموضوعي من المسألة، لكن النظام لم يكتفي بذلك، بل عمل عليه بصورة مباشرة أيضاً، من خلال إخلاء سجونه، في بداية الانتفاضة، من كل القوى المتطرفة الجنائية وغير الجنائية ودفعها إلى ساحة الفعل العسكري كما تشي بذلك معلومات كثيرة. يقول كروكر لقد نجح ” نظام بشار الأسد في خلق وتسويق المنظمات الإرهابية التي يحتاج لها للبقاء على قيد الحياة، على الأقل في جزء من سورية “. وبدلاً من أن يشعر كروكر بالخجل والحياء مما آلت إليه أوضاع سورية والسوريين التي قادهم إليها نظامهم، بمشاركة موضوعية ومباشرة من قبل إدارة بلده، من خلال دعمها منذ البداية للخيار العسكري في سورية وتزويدها “المجاهدين” بالمال والسلاح، في تأمين مباشر لنجاح إستراتيجية النظام، فهو يطالب بالثناء عليه. يقول كروكر ” النظام يستحق الثناء الكامل…” لما تميز به من ” جرأة وعزم وفكر دموي”، فهو ” حرق سورية بالنيران “، وبطبيعة الحال هذا ما تريده أمريكا والغرب عموما، وإسرائيل على وجه الخصوص، وإذ يشكره كروكر فإنه يشكره لهذا السبب. وبعد إنجاز هذه المهمة بنجاح وفق المقاييس الأمريكية، يطالب كروكر بتفهم الأسد إذ يقدم نفسه على أنه ” رجل إطفاء”. ولذلك ينبغي أن يسحب من التداول وفوراً، بل نسيان الحديث عن ” الخطوط الحمراء التي لا يمكن تجاوزها”، وعن ضرورة ” تنحي الأسد”.

هكذا إذا، ينبغي أن يسحب من التداول المطلب بتنحي الأسد، بحسب كروكر، كما تقتضي “الواقعية السياسية”، ليس لأنه صار يواجه القوى الجهادية المتطرفة، التي يخشاها الغرب عموماً، بل لأنه ببساطة قد انتصر على ” الولايات المتحدة والغرب” ،وأنه بالتالي قد حان الوقت لوضع ” شروط الاستسلام”. ومهما وصفتم النظام بعبارات أخلاقية سلبية، تأثراً بفظاعة ما يقوم به يومياً من ” جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية “، فهو النظام الذي ” ينبغي ” أن تبدؤوا “الحديث معه”.

بالطبع السيد كروكر لا يقول كلمة واحدة عن مسؤولية بلاده فيما وصلت إليه الأوضاع في سورية، وكيف أنها كانت تراقب عن كثب صناعة التطرف في سورية ليس فقط من قبل النظام، بل ومن قبل دول عديدة فاعلة في المنطقة وفي أوربا، بل وكانت تشارك في ذلك مع الآخرين بتشجيع قدوم آلاف الإرهابيين من مختلف دول العالم ومن أمريكا وأوربا بالذات إلى سورية، وتقديم الدعم المالي والعسكري لهم. لقد قيل الكثير، ويبدو لي فيه وجه صواب، أن أمريكا وحلفاءها عملت بصورة مدروسة على تجميع الإرهابيين من جميع دول العالم وسوقهم إلى المحرقة في سورية، غير مكترثين بأن نار هذه المحرقة سوف تطال السوريين وعمرانهم ومصادر رزقهم.

اليوم فقط، وبعد نحو ثلاث سنوات على الصراع المسلح في سورية، تعلن الخارجية الأمريكية في بيان رسمي لها عن ضرورة منع الإرهابيين من القدوم إلى سورية، وتجفيف منابع الدعم المالي والعسكري لهم(كذا). لقد حققت أمريكا كل أهدافها في سورية، فقد تحقق لها أولاً؛ تدمير البلد وتمزيق وحدة شعبه وخروجه من معادلة الصراع مع إسرائيل لعقود من السنين. وثانيا نجحت في تجميع الإرهابيين من كل دول العالم في سورية لتصفيتهم، ولن تقبل بأقل من ذلك في أية تسوية محتملة تصدر عن مؤتمر جنيف2. وثالثاً؛ فقد شوهت سمعة حزب الله كحركة مقاومة كان لها في قلوب السوريين منزلة مقدسة، عداك عن تكبيده خسائر بشرية كبيرة جراء تدخله العسكري في سورية. ورابعاً؛ فقد حالت دون تحول انتفاضة الشعب السوري إلى ثورة حرية وكرامة وديمقراطية،الأمر الذي كانت تخشاه كثيراً نظرا لموقع سورية الجيواستراتيجي، وتأثير ذلك على أمن إسرائيل وأمن واستقرار المنطقة عموماً.

ويبقى السؤال عن دور السوريين أنفسهم، نظاما ومعارضة، في تنفيذ هذه الإستراتيجية الأمريكية؟ في الحقيقة من الأصح حصر السؤال بالمعارضة فقط، باعتبار أن النظام كان قد بنى إستراتيجيته في مواجهة مطالب شعبه منذ البداية على العنف، بل والإفراط فيه، مما قضى على انتفاضة الشعب السوري في سبيل الحرية والديمقراطية، وحول الصراع الجاري إلى صراع بينه وبين قوى إرهابية موصوفة. إن مسؤولية المعارضة التي صارت توصف بالخارجية، والأصح أن توصف بالمعارضة المصنعة أمريكيا إذا أخذنا على محمل الجد تصريحات السيد روبرت فورد لا تقل عن مسؤولية أمريكا وحلفاؤها في إعادة تعويم النظام، بل هي شريك موضوعي ومباشر في وأد انتفاضة الشعب السوري من خلال استجابتها دون تبصر إلى إغواء السلاح فشجعت على عسكرة الانتفاضة، وهذا بالضبط ما كان يريده النظام.

اليوم ومن خلال مؤتمر جنيف كانت قد لاحت فرصة تاريخية، ربما لن تتكرر، لكي تصوب هذه ” المعارضة الخارجية” بعض أخطائها القاتلة بحق الشعب السوري، وذلك من خلال التركيز على هزيمة النظام سياسياً من خلال ضمان مستقبل ديمقراطي حقيقي لسورية، والعمل من ثم على وقف العنف، ومنافسته في صندوق الاقتراع، لكنها لم تفعل للأسف ، بل استمرت في تقديم الذرائع له للاستمرار في العنف من خلال إعلانها وفاة الخيار السياسي وهذا ما كان يريده النظام بالضبط.

التصنيفات : المقالات

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

%d مدونون معجبون بهذه: