برنامج صدى المواطنة: ح37 وثائقي عن اديب البحر الراحل حنا مينة

صدى المواطنة

ها هي أمواج اللاذقية تروح وتجيء لتتساءل عن روايتها، تصل الشاطيء متعبة منهكة ، غاضبة حالمة وديعة أو متشنجة، فأنيسها ترجل من مركبه ورمي ياطره ،عاقدا حبل الوداع الأخير إلى حيث لا عودة ، .. بحر اللاذقية يذوي وكأنه استكان لجزر أزلي مذ فارقه ربان الحياة العاصفة ، مذ فارقه المجداف الذي طالما داعب تخومه الغامضة المستفزة، هناك في حناياها ما زالت تلصف شمس خلقها وسواها فنان بارع وأديب بحر من نوع نادر فريد .. إنه حنا مينة. لم تكن تعلم تلك الوالدة الصبورة في حملها الرابع أن القادم الجديد كان سينسيها ألم العذاب بعد ميلاد ثلاثة إناث، فكان عام 1924 عام فرحة غامرة لعائلة فقيرة معدمة إلا من الحب والكبرياء، هناك في حي المستنقع في إحدى قرى لواء اسكندرون كان الموت يحوم حول فراش حنا الذي كان طراحة على حصيرة فقر يصل حد البؤس، إلا أن جسم الوليد استطاع أن ينتصر للحياة ليضيء شمعة أمل لمن حوله، وفي حي المستنقع البائس ذاك حيث لا أحد كان يتقن القراءة والكتابة يدخل حنا إلى المدرسة وينال الابتدائية شهادته الأولى والأخيرة عام 1936. وما أن بلغ الثانية عشر من العمر حتى دخل المعترك السياسي الحزبي ليناضل ضد الانتداب الفرنسي، فيعاني كغيره من المناضلين في سجون الاحتلال وحتى في سجون الاستقلال على امتداد عهد الإقطاع، إذ يروي حنا مينة نفسه أنه كان يبيع علناً في الشوارع جريدة «صوت الشعب»، وأن أزلام الإقطاعيين لاحقوه وضربوه بالخنجر ليلاً في أحد الشوارع وظنوا أنه فارق الحياة، إلا أنه استطاع النجاة هذه المرة أيضا ليكمل مسيرة حياته بجلد رغما عن الشقاء والمعاناة وضنك العيش. كان حنا قد امتهن الحلاقة بعد الابتدائية، وفي تلك المرحلة بالذات تفتحت مواهبه، فاحترف كتابة الرسائل للجيران وكتابة العرائض للحكومة، كونه الوحيد الذي يفك الحرف في حي المستنقع، وهكذا كانت بدايته الأدبية المتواضعة جداً، وعند انتقال العائلة للاذقية عمل حمّالاً في المرفأ، ووجد أن العمل الحزبي في اللاذقية صعب للغاية، فشرع مع أصدقائه في تأسيس نقابات في المرفأ، ومن ذلك النشاط بكل تناقضاته وصراعاته استوحى فيما بعد روايته نهاية رجل شجاع. إلا أن الحياة كانت قاسية عليه وعلى عائلته المعدمة وغدا رغيف الخبز خيالا يلهث وراءه، فاضطر إلى ركوب البحر مع البحارة ليواجه أخطاره ومعاناته، إلا أنه كان مادته الأكثر التصاقا في عقله ووجدانه فألهمه الكثير من الروايات ليصبح رائدا في أدب البحر الذي لم يسبقه إليه أحد في الرواية العربية، فقد أهدى لقرائه ثمانية روايات عن البحر كان أهمها على الإطلاق «الشراع والعاصفة» التي أطلق النقاد عليها اسم قصيدة البحر أو ملحمة البحر فتُرجِمت إلى الإيطالية وغيرها من اللغات كما نال جائزة عليها. عاش حنا مينة رحلة اغتراب قاسية بين المدن فبعد أن غادر وذويه من اللاذقية إلى سهل أرسوز قرب أنطاكية، مروراً باسكندرونة، ثم اللاذقية من جديد، انتقل حنا عام 1948 إلى بيروت حيث أمضى بعض أشهر قبل أن يستقر في العاصمة دمشق، وما لبث نجمه أن يبدأ بالصعود تدريجياً مع روايته الأولى «المصابيح الزرق» بالاضافة لعمله في الصحافة في جريدة الإنشاء التي أصبح رئيساً لتحريرها فيما بعد. ساهم حنا مينة مع لفيف من الكتاب اليساريين في سورية عام 1951 بتأسيس رابطة الكتاب السوريين، والتي كان من أعضائها : سعد حورانية ـ فاتح المدرس ـ شوقي بغدادي ـ صلاح دهني ـ مواهب كيالي ـ حسيب كيالي ـ مصطفي الحلاج وآخرون، وقد نظمت الرابطة عام (1954) المؤتمر الأول للكتاب العرب بمشاركة عدد من الكتاب الوطنين والديمقراطيين في سورية والبلاد العربية. وما إن تزوج حتى تشرد مع عائلته في منفى اضطراري لمدة عشر سنوات فكانت أوروبا ومن بعدها الصين مكان إقامته التي لم يخترها إلا مقهورا، وبالرغم من ذلك كانت تلك السنوات ملهمة لنسجه الأدبي فكتب خلالها الكثير من الروايات، ولدى عودته إلى الوطن عام 1967 أمضى بضعة أشهر في اللاذقية ثم دمشق، حيث عمل في كتابة المسلسلات الإذاعية. وهكذا بقي أديبنا البحار يتخبط بين أمواج الحياة بشجاعة فريدة وعزيمة نادرة فينسج لنا من تجاربه وقراراته أجمل الانتاجات الأدبية التي ترجمت فيما بعد إلى أكثر من 17 لغة أجنبية فيغني بذلك الثقافة العالمية الانسانية بنظرة وعمق فريدين في السرد والاحساس، فأورث لنا أكثر من ثلاثين عملا أدبيا من بينها “الياطر” و”الأبنوسة البيضاء” و”حكاية بحار” وغيرهم الكثير. وتكاد وصيته قبل وفاته أن تكون دليلا على اصراره ألا يكلف أحدا به حتى وهو مغادرا الحياة التي أحب، إذ طالب ألا يذاع خبر وفاته فى أية وسيلة إعلامية، وأن يُحمل نعشه من بيته على أكتاف أربعة أشخاص مأجورين من دائرة دفن الموتى، وأن يهال التراب عليه فى أى قبر متاح، فينفض الجميع أيديهم، ويعودون إلى بيوتهم، دون حزن أوبكاء، أو لباس أسود، أو تعزيات، والأهم من ذلك كله أنه أوصى بعدم إقامة حفلة تأبين، فالذي سيقال بعد موته ، سمعه فى حياته لهذا استغاث بالجميع أن يريحوا عظامه منها، وربما كان الرجل محقا ، فحسبنا أن ننطق باسمه حتى نحرك مشاعر ملايين قرأوا ما نسج بشجاعة الربان وصدق الانسان.

 

التصنيفات : الأخبـــــار

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

%d مدونون معجبون بهذه: