برنامج صدى المواطنة: وثائقي عن العلامة محمد كردعلي ح36

صدى المواطنة

كانت سورية في أواخر القرن التاسع عشر بلدا غارقا في بحر من الظلم والظلام، شأنها شأن كل الأقطار العربية الأخرى التي رزخت تحت الاحتلال العثماني، فكان من يتقن القراءة والكتابة في ذلك العهد عملة نادرة يقل وجودها، ولا تصرف إلا بصعوبة بالغة ضمن مجتمع متخلف على كل الصعد والمستويات، فلا مدارس ولا علم بالمعنى والنهج الصحيح سوى بعض الكتاتيب الصغيرة التي يدرس فيها القرآن وفرائض العبادة.

في ذلك الجو من الجهل والأمية وُلِد محمد كرد علي في قرية جسرين إحدى قرى غوطة دمشق اليافعة الخضراء عام 1876 لأب كردي تعود أصوله إلى كرد السليمانية وأم جركسية، وما أن شب في ربوع الشام الخلابة وعبق التاريخ حتى بدأ شغفه بالمطالعة وقراءة الكتب هاجسه الأول ومطلبه الأحب، فكان يسهر إلى ساعات متأخرة وهو يقرأ على مصباح الزيت إلى أن ضعف بصره، دون أن يستجيب لنصح الناصحين بالاعتدال،فتنبه والده إلى شغفه هذا وشجعه على اقتناء الكتب وقراءتها، وقدم له المساعدة الدائمة للتغلب على أميته حتى اشتد ساعده بالعلم والمعرفة وأخذ يقرأ باللغتين الفرنسية والتركية إضافة إلى العربية، فزادته المطالعة تعلقاً بالعلم، وعشقاً للصحافة، وحين بلغ السادسة عشرة أخذ يكتب المقالات والأخبار، ويبعث بها إلى الصحف، إضافة إلى تعلقه بالشعر والنثر والسجع الأنيق، فانكب يدرس الأدب على أيدي شيوخه ومدرسيه، وفي طليعتهم العلامة طاهر الجزائري وسليم البخاري.

بعد أن أتم كرد علي دراساته الأولية عُين كاتباً في قلم الأمور الأجنبية عام 1892، وهو مازال في سن السابعة عشرة، وما إن بلغ الثانية والعشرين حتى عمل في تحرير الصحف، فحرر جريدة «الشام» أول صحيفة ظهرت في دمشق، حتى اضطرته الظروف إلى مغادرة المدينة في خريف 1908، بعد أن نشر مقالة أغضبت الوالي العثماني في جريدته “المقتبس” التي أنشاها بالتعاون مع أخيه “أحمد”، فصدر أمر بمصادرة الصحيفة وأغلاق المطبعة، ما أجبره على السفر إلى أوروبا رحالة في سبيل العلم، ليزور بعض المدن الفرنسية، ومن ثمة الأستانة ليعود مجددا إلى وطنه في مطلع 1909، بعدها بأربعة أعوام رحل ثانية إلى إيطاليا لمطالعة الكتب والمخطوطات الثمينة في مكتبة المستشرق الإيطالي الأمير «ليوني كيتاني»، كي يتمكن من وضع كتابه «خطط الشام»، ثم توجه إلى سويسرا ففرنسا والمجر وأثينا، وقد ضمن الجزء الأول من كتابه «غرائب الغرب» مشاهداته وانطباعاته في هذه الرحلات.

تابع كرد علي أسفاره في أعقاب الحرب العالمية الأولى، فترأس سنة 1921 بعثة طلابية إلى فرنسا، وزار بلجيكا وهولندا وإنجلترا، وفي شتاء 1922 زار إسبانيا، ومنها أبحر إلى طنجة، ثم واصل أسفاره إلى ألمانيا وإيطاليا، فوصف هذه الرحلات في الجزء الثاني من كتابه «غرائب الغرب»، واشترك سنة 1928 في مؤتمر المستشرقين في أكسفورد.

خلال أسفاره تلك عرج كرد علي على مصر فكانت اقامته في القاهرة فرصة تعرّف خلالها على علماء مصر وأدبائها وعمل في صحافتها، فاتسع أفقه وذاع صيته، وشارك في تحرير بعض الصحف، ثم أصدر مجلة المقتبس الشهرية، ونشر فيها الدراسات الأدبية والبحوث العملية والتاريخية، وأخذ يترجم عن المجلات الأجنبية أحدث أنباء العلم والاختراع، كذلك ترجم عدداً من الكتب المخطوطة النادرة.

كان للحضارة الغربية أثر بالغ عليه حيث ألهمته باريس بصرحها الحضاري المجمع العلمي الفرنسي، أن ينشئ في سورية شيئا مماثلا، وكان لسقوط دمشق في أيدي الحلفاء، عقب الحرب العالمية الأولى، وزوال الحكم العثماني وبدأ العهد الفيصلي الهاشمي، الفرصة المواتية التي التقفها العلامة كرد علي على الفور لتحقيق حلمه، فعرض الفكرة على الحاكم العسكري رضا باشا الركابي فوافق على تحويل ديوان المعارف برئيسه وأعضائه، وجعله مجمعاً علمياً عربياً، ثم ما لبث كرد علي أن أصدر له مجلة هامة نشر له وحده فيها 41 مقالة أدبية وتاريخية قيمة، واستمر في إدارة ورئاسة ذاك الصرح الحضاري حتى أواخر أيامه.

يعتبر محمد كرد علي ركناً متيناً، ودعامة قوية في صرح الحياة الأدبية والفكرية، لا في سورية فحسب بل العالم العربي كله، إذ بلغت مؤلفاته اثنين وعشرين كتاباً جاوزت صفحاتها العشرة آلاف، عدا صفحات مجلته “المقتبس” التي نافت صفحاتها على ستة آلاف صفحة، وبقي علامتنا يتمتع بحيوية نادرة وعقل وقاد في الكتابة والتأليف حتى وافته المنية في الثاني من نيسان عام 1952، فشُيع في دمشق ودُفن إلى جانب معاوية بن أبى سفيان.

كان أصدق مما قيل في حفل تأبيه ما رثاه به الأديب الراحل منير العجلاني حيث قال: «إن ثمة إمارتين معقودتين في العالم العربي، إمارة الشعر، وكانت معقودة اللواء للمرحوم “أحمد شوقي”، وإمارة العلم وكانت معقودة اللواء للفقيد “محمد كرد علي”».

 

التصنيفات : الأخبـــــار

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

%d مدونون معجبون بهذه: