برنامج صدى المواطنة: مناضل من بلدي ح35- وثائقي عن المناضلة الأديبة ماري عجمي

صدى المواطنة

في زمن تحطم فيه المرأة السورية كل جدران الخوف، وتقف بين أبناء شعبها ، بل في مقدمتهم ، وقفة الرجال تذود عنهم وتضحي من أجلهم كأم وأخت وابنة ورفيقة ميدان في المظاهرات والمعتقلات وشهادة الدم لأجل الحرية والكرامة والمساواة، تجود علينا ذاكرة الوطن وتاريخه بوجه أنثوي قل مثيله ، فلمع في سماء سورية نجما سرمديا نرفع إليه الرؤوس، إنها ماري عجمي، ياسمينة الشام ، المرأة الدمشقية الأديبة والشاعرة والخطيبة، المناضلة الثائرة في وجه الاستبداد، والعادات والتقاليد لأجل حرية المرأة.

ولدت ماري في دمشق سنة 1888 لعائلة تعود أصولها إلى مدينة حماة، و تلقت تعليمها في المدرستين الإيرلندية والروسية، ثم التحقت بمدرسة التمريض في الكلية الأمريكية في بيروت، لكنها عادت إلى دمشق قبل أن تكمل دراستها، ثم عينت معلمة من الدرجة الأولى في المدرسة الروسية، وتدرجت في سلك التعليم في عدة معاهد في كل من: سوريا وفلسطين ولبنان والعراق ومصر.

ما لبثت ماري عجمي أن لمعت كخطيبة بليغة في الجمعيات والنوادي، وكأديبة ومترجمة وشاعرة، ومع مرور الوقت أنشأت سنة 1910 مجلة العروس أول مجلة نسائية سورية،حيث استمرت بالصدور أربعة سنوات لتتوقف خلال سنوات الحرب، وتعاود إصدارها ثانية في سنة 1918 وحتى1926، وكانت تتولى بنفسها كتابة المجلة كلها إنشاء وترجمة، فتنوعت مواضيعها ما بين الأدب والتاريخ، والمواضيع الصحية والشؤون البيتية، إلى الفكاهات والنوادر والمناظرات والروايات الأدبية التهذيبية، كما استقطبت كبار الأدباء والشعراء العرب في المشرق العربي والمهجر للكتابة فيها من جبران خليل جبران، ميخائيل نعيمة، إيليا أبو ماضي، جميل صدقي الزهاوي، إلى أحمد شوقي، حافظ إبراهيم، الشاعر القروي، الأخطل الصغير، وعباس محمود العقاد، وسواهم.

كان موضوع المرأة شغلها الشاغل، ولهذا أسست مع نازل العابد سنة 1920 النادي النسائي الأدبي، وهو أقدم وأعرق النوادي النسائية في سورية، حيث سعى إلى إحياء نهضة اجتماعية ثقافية ضمن نطاق المرأة العربية، وذلك بإلقاء المحاضرات وإقامة الحفلات الأدبية والفنية وإيجاد مكتبة خاصة بالسيدات، وتعليم الطالبات المحتاجات، وتشجيع المصنوعات الوطنية. كما قامت ماري عجمي فيما بعد بتأسيس جمعية نور الفيحاء ومدرسة بنات الشهداء، وكانت المرأة الوحيدة في جمعية الرابطة الأدبية التي تأسست في دمشق سنة 1921، وعضوة في لجنة النقد الأدبي.

لم يتوقف نشاط ماري في المجال الاجتماعي والثقافي، بل شهدت مواقف نضالية عظيمة في وجه الاستبداد العثماني. فقد ربطتها قصة حب مع بترو باولي وكيل مجلتها في بيروت، إذ جمعت بينهما الأفكار الثورية والوطنية المناهضة للاحتلال التركي، وكانا على وشك الزواج، حين اعتقله الأتراك وسجنوه، فما كان منها إلا أن تتحدى الجنود العثمانيين، لتزوره في سجنه في دمشق وتنقل له الرسائل لتقوي من عزيمته، لتكتب له يوما:”أخي السجين، أكتب إليك على ضوء القنديل، ولكن ما ينفع النور إذا كان القلب مظلماً؟ لقد نسيت العالم منذ رأيتك على هذه الحال..خذ حرية كحريتي، إن شئت، وأعطني سجناً كسجنك.”

لم تتوانَ ماري عن فضح فظاعة السجون والتعذيب والحالة القاسية التي كان يعيشها رفاقها الأدباء الذين سجنهم السفاح جمال باشا، إلا أن كل ذلك لم يمنع الاحتلال من إعدام حبيبها مع قافلة شهداء سورية ولبنان في السادس من أيار1915، لتقول في وصف حبيبها: “وكما يحتفل الفتى بزفافه، هكذا احتفل هذا الشهيد بمشنقته، فما دُعي إلى ارتقائها حتى صاح بشركائه فيها: هلموا أيها الإخوان، إنها لَأُرجوحة الأبطال» لتستصرخ وتشحذ الهمم ثانية فتقول: “أما تبرحون غارقين في سباتكم أيها النائمون؟ أما تعبت أجنابكم من اللصوق بالرمال؟ قوموا، فقد نمتم طويلاً..والجداول تناديكم أن هيّا عودوا إلينا.. لقد كفى القلوب وجداً وأنيناً”.

شكل اسم ماري علامة فارقة ومميزة في مسيرة النهضة العربية، تمتعت بالأصالة في فكرها والانفتاح على ثقافة الآخر دون أن تتخلى عن جذورها، فأكدت من خلال قلمها وخطاباتها ومواقفها السياسية وعيها بأهمية المثقف ودوره في تأكيد قيم التحرر من الاستعمار وفضح زيف أطروحاته عن الحرية والإخاء والمساواة.

انعزلت ماري بقية حياتها في منزلها في باب توما، ولم تتزوج بعد استشهاد حبيبها، فغابت عن الأنظار في عزلة وبؤس بسبب المرض الذي ألم بها حتى فارقت الحياة في كانون الأول 1965 عن عمر يناهز الـ 77 عاما ولم يشارك في جنازتها سوى عدد قليل من المخلصين لها مشوا وراءها إلى مثواها الأخير إلى مقبرة الباب الشرقي في دمشق، لتتوارى دون ضجيج أو جلبة تحت شاهد صغيردُوّن عليه اسمها الخالد في ذاكرة الوطن والإنسانية.

 

التصنيفات : الأخبـــــار

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

%d مدونون معجبون بهذه: