برنامج صدى المواطنة: وثائقي عن البطل السوري جول جمال

صدى المواطنة

هذه هي البارجة المدرعة جان بار العملاقة ، جوهرة الأسطول الفرنسي وفخر بحْريته في خمسينيات القرن المنصرم، كانت اول سفينة مزودة برادار في العالم، وكان يُلقى على عاتقها أن تقوم بعملية اختبار لإرادة المصريين وتدمير ما تبقى من مدنهم الساحلية خلال عدوان نفذ في عام 1956 بعد أن اتخذ الرئيس جمال عبدالناصر قرار تأميم قناة السويس لصالح مصر وشعبها في السادس والعشرين من تموز للعام نفسه.

في تلك الأثناء كان هناك من الشباب السوريين الذين ذهبوا ليدرسوا في الكلية الحربية المصرية، وكانت أواصر التعاون بين مصر وسورية في ذروتها للذود عن الوطن ، والتصدي لمحاولات الامبريالية الغربية اخضاع شعوب المنطقة بصورة مستديمة، وكان من بين الشباب السوريين الذين يدرسون هناك اسم استطاع أن يغير مسار حرب كاملة وربما مسار التاريخ، … إنه جول جمّال.

ولد البطل جول جمّال في قرية “المشتاية” في محافظة حمص في الأول من أبريل عام 1939 ، وترعرع في حي العوينة في مدينة اللاذقية. كان والده يعمل كطبيب بيطرى وله تاريخ في المقاومة ضد الاحتلال الفرنسي، فلا عجب أن ينشأ جول جمال على تربية تعي معنى الوطن والتضحية من أجله.

كان لبحر اللاذقية أثر كبير في نفسه جعله يحلم أن يكون يوما ما جنديا في البحرية السورية التي ما زالت ناشئة في ذلك الوقت، إلا أنه وبعد تخرجه من الثانوية عام 1952 دخل كلية الآداب منتظرا أن يتحقق حلمه، وبالفعل لم تمض سنة واحدة حتى فتحت أمامه الفرصة لتحقيقه ، فأرسل ليتلقى علوم البحرية العسكرية في مصر عام 1953، وهناك كبر حلمه فلم يعد شخصيا بل ارتفع وتشذب لأن يكون على مستوى التضحية، حتى تخرج من الكلية البحرية المصرية في ايار 1956 ليكون الأول على دفعته.

سمع جول جمّال بخبر تأميم القناة عندما كان في زيارة خاصة لذويه في اللاذقية وكاد يطير فرحا، ثم قرر على الفور العودة في اليوم التالي إلى مصر ليلتحق بالكلية البحرية المصرية رغم اعتراض والديه.

في تلك الأثناء كانت قد بدأت بوادر عاصفة سياسية دبلوماسية غربية في الهبوب، لتتحول إلى عاصفة حربية ضاربة لسيناء قبل أن تعصف بمدن القناة الأخرى، فكان العدوان الثلاثي الغاشم من قبل انجلترا وفرنسا والدولة الحديثة المزورعة في قلب العالم العربي.. إسرائيل.

حتى أتى يوم الرابع من تشرين الثاني لعام العدوان وتحديدا في منتصف الليل حيث التقط جول جمّال ورفاقه في البحرية بثٌ فرنسي للبارجة الحربية جان بار العملاقة، فتطوع جول جمّال لقيادة عملية بحرية للزوارق الطوربيدية المصرية في البحر الأبيض المتوسط شمال البرلس، وما كان من قائده جلال الدسوقي إلا الموافقة على اقتراح جول جمّال مخالفا اللوائح التي تمنع خروج اي اجنبي في دورية بحرية، بعد ما رآه من تصميم واقدام من قبل جول جمّال الذي قال جملته الشهيرة: “عندما أرى شوارع الإسكندرية كأني أرى شوارع اللاذقية.. وأنا لاأرى بلدين أنا أرى بلدا واحدا ، في وقت المعركة لا فرق بين مصري أو سوري.”

وبعد الموافقه على طلبه وضع جول جمّال خطته للتصدي للبارجة العملاقة ، فخرج ضمن مجموعة تكونت من ثلاثة زوارق طوربيد لمقابلة فخر البحرية الفرنسية امام سواحل البرلس، واشترك معه في هذه العملية ضابط سوري اسمه “نخلة سكاف” من “اللاذقية” وضابط مصري وتم الإتفاق على أساس أن يقوم “جول” بالعملية أولاً وإذا لم ينجح يأتي الضابط المصري وأخيراً يأتي دور “نخلة اسكاف”، وبناء عليه استطاع جول أن يصل إلى نقطة الصفر كما كان مقررا، أي إلى النقطة الميتة التي لاتستطيع مدافع المدمرة الوصول إليه منها وهكذا انقض بزورقه ليتحول إلى طوربيد انتحاري فينفذ عمليته الفدائية التي أدت إلى استشهاده واخراج البارجة جان بار من المعركة نهائيا وعلى متنها 88 ضابط و2055 جندي من البحرية الفرنسية.

سقط البطل السوري جول جمال هو ورفاقه في مصر وأصبحوا شهداء لا فرق بينهم وبين أي شهيد مصري آخر، فكان أول شهيد في عمليات بحرية مصرية سورية، ليسجل أروع آيات البطولة والشجاعة والفداء، وليرفع راية بلاده عاليآ مدافعآ عن قطعة من وطنه الكبير بكل تفان واخلاص.

أرسلت القوات البحرية المصرية كتابا إلى القوات المسلحة في سورية نعت فيه جول جمال بفخر واعتزاز فقالت: ”إنه أول من دعم بحياته أسس التعاون الفعلي بين قواتنا المشتركة حيث أنه أول شهيد في عمليات مشتركة مصرية سورية ولا عجب فقد كان أيضا أول دورته.”

منح جول جمال الكثير من الأوسمة المحلية والعربية منها براءة الوسام العسكري الأكبر في سورية، وبراءة النجمة العسكرية من جمال عبد الناصر، وبراءة الوشاح الأكبر من بطريرك إنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس، ووسام القديسين بطرس وبولس من درجة الوشاح الأكبر، كما وأطلق اسمه على شوارع ومقرات ودور علم في كل من سورية ومصر تخليدا لذكراه، وحسبنا نحن وساما أهداه لسورية وشعبها ليبقى على جبيننا اسم تردده الأجيال والتاريخ بكل فخر وكبرياء … جول جمال.

 

التصنيفات : الأخبـــــار

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

%d مدونون معجبون بهذه: