مخاطر المال السياسي على المجتمع المدني

فائق حويجة قبل الخوض في عرض مخاطر المال السياسي على المجتمع المدني لابد من محاولة تحديد المقصود من مفهومي المجتمع المدني والمال السياسي

إن مفهوم المجتمع المدني هو مفهوم حديث الاستخدام في الأدبيات السياسية والاجتماعية العربية وهو يشير بصفة عامة إلى كل الأنشطة التي ينظمها الأفراد؛ تطوعياً؛ عبر أشكال تنظيمية معينة خدمة لتحقيق مصالح وأهداف مشتركة؛ بذلك يمكن القول أن مفهوم المجتمع المدني يضم كل أشكال التنظيمات الموجودة في الحياة العامة معبرة عن تطلعات أعضائها الثقافية – العلمية – السياسية – الأدبية .. إلى آخر ما هنالك من اهتمامات مشتركة) والميزة الأساسية لمنظمات المجتمع المدني بتقدير اغلب الباحثين أن هذه المنظمات ليست حكومية وليست ربحية؛ أما الخلاف بين الباحثين فقد تمحور على مدى اعتبار الأحزاب والتنظيمات السياسية جزءاً من المجتمع المدني.

لقد وضع بعض الباحثين المجتمع المدني في مواجهة المجتمع السياسي وهو المجتمع الذي يدور حول السلطة أو يعارضها، و المجتمع الأهلي وهو مجتمع العائلة والعشيرة والقبيلة .

أما آخرون – ومنهم المفكر عبد الغفار شكر – فقد ارتأوا في المجتمع المدني : ( مجموعة التنظيمات التطوعية الحرة التي تملأ المجال العام بين الأسرة والدولة أي بين مؤسسات القرابة ومؤسسات الدولة التي لا مجال للاختيار في عضويتها ) ونحن في بحثنا سنأخذ بهذا التعريف < الواسع > معتبرين أن مفهوم المجتمع المدني يتسع ليشمل كافة أشكال التنظيمات السياسية والأحزاب ؛ باعتبارها توسطاً بين تطلعات مجموعة من الأفراد لديهم مصالح وأهداف مشتركة وبين العمل على تحقيقها بشكل تطوعي غير موجه من حكومة أو سلطة ..

أما المال السياسي ؛ فالمقصود به المال الذي يضخ في تنظيمات المجتمع المدني – السياسية وغيرها – تنفيذاً لأهداف الممول التي لا تتطابق بالضرورة مع الأهداف المعلنة لهذه التنظيمات.

من هذه الزاوية يمكن فهم دعوة حكماء الإغريق إلى فصل المال عن السياسة تلافيا للفساد و الإفساد. فهم كانوا ينظرون إلى فعل المال في السياسة من زاوية مدى مقدرته ؛ أي المال ؛ على حرف السياسة عن أهدافها المعلنة لمصلحة فرد أوفئة أو طبقة تملك المال و من خلاله تستطيع التحكم بالسياسة لتحقيق أهداف شخصية أو فئوية معينة ؛ وهي غير مشروعة غالباً؛ وهي في كل الأحوال متمايزة عن الأهداف المعلنة ؛ إن لم تكن مناقضة لها.

و نحن ؛ في النقاط التي سنثيرها ؛ سنعمل على تسليط الضوء على موضوعة مدى قدرة المال السياسي على حرف تنظيمات المجتمع المدني السوري – على هشاشتها – عن الأهداف التي انتفض من أجلها الشعب السوري من خلال خلق أو احتواء تنظيمات معينة خدمة لأهداف ضيقة يحددها مباشرة أو مداورة صاحب المال < الممول > ؛ بعيداً عن الأهداف التي تعبر عن المصالح الحقيقية للشعب السوري .

وإننا إذ نحاول الإضاءة على هذه الموضوعة فما ذلك إلا للعمل على وضعها تحت مجهر البحث والنقاش لحساسيتها الشديدة ؛ ليس من وجهة نظر الأخلاق فحسب ؛ وإنما لحساسيتها الشديدة الناجمة عن دورها الكبير في حرف السياسات عن تمثيل المصالح الحقيقية للبشر, خصوصاً في المراحل الانتقالية لأي دولة تريد أن تخطو باتجاه الديمقراطية؛ وتعزيز دور المجتمع المدني.

أولاً: في ضرورة المال من اجل بناء منظمات المجتمع المدني :

من المتفق عليه أن هنالك ضرورة كبرى لبناء التنظيمات والأحزاب كجزء من منظومة المجتمع المدني ؛ بحيث تعبر هذه التنظيمات والأحزاب عن مصالح الفئات والشرائح الاجتماعية والطبقية ؛ وتدفع باتجاه تحقيقها عبر الآلية الديموقراطية المتعارف عليها ؛ هذه الضرورة تصبح أمراً بالغ الأهمية والخطورة في مرحلة ترميم المجتمعات المفرغة من السياسة لسبب أو لأخر.. كما هو حال المجتمع السوري. إذ على أساس من هذا البناء سيعاد بناء الإنسان في المجتمع والدولة؛ باختصار : سيتم خلق؛ أو إعادة خلق ؛ الوطن ..!!!

و من المفروغ منه أن للمال دور أساس في بناء القدرة ((الذاتية)) و التفاعلية لهذه التنظيمات والأحزاب ؛ خصوصا في المرحلة الانتقالية ؛ هذه المرحلة التي سيكون على جدول أولوياتها إعادة بناء الإنسان / المواطن على طريق إعادة بناء الوطن عبر آليات ديموقراطية حقيقية ؛ الأمر الذي يقتضي بناء التشكيلات التنظيمية المدنية والسياسية المعبرة عن جوهر تطلعات المجتمع في لحظة نهوضه ؛ ومن البديهي أن ذلك لا يتم من دون تمويل ما ؛ ضروري ؛ لإعادة بناء الهيكليات التنظيمية المناسبة ؛ هذا التمويل هو بالضرورة < تمويل سياسي >بالمعنى العريض للعبارة؛ علينا أن نفكر منذ الآن بالآليات المناسبة – التشريعية والقضائية – لضبطه بما يخدم أهداف المرحلة الانتقالية.

خصوصاً ؛ أنه ؛ قد يلعب دور المقوض و المحطم لهذه الديمقراطية إن استثمر على شكل تمويل ضاغط من أجل خدمة سياسات أو إيديولوجيات أو مصالح دول قد لا يربطها بالديموقراطية وبتنظيم المجتمع المدني رابط .

فما هي هذه النواظم المحددة لعملية التمويل السياسي – خصوصاً أن كل ديمقراطية ناشئة ستواجه ضرورة اتخاذ قرارات سياسية هامة حول مسالة التمويل – ؟؟؟

ثانيا: في ضرورة وضع إطار قانوني ينظم عملية التمويل:

من المتعارف عليه في القوانين والتشريعات الحديثة ؛ وفي ظل إقرار مبدأ فصل السلطات؛ أن صياغة القوانين ووضعها موضع التنفيذ هو من اختصاص الهيئات التشريعية المنتخبة. ولكننا ؛ في المراحل الانتقالية؛ قد نجد أنفسنا أمام ضرورة سن بعض القوانين من قبل حكومات توافقية تعطى هذا الحق – المحدود في الزمان؛ وريثما يتم انتخاب الهيئات التشريعية – بسبب ضرورة تنظيم العمل السياسي؛ في مجتمع قد خرج لتوه من الفوضى؛ ولم يستكمل بعد بناء تنظيماته المدنية والسياسية التي تعبر عن القوى الفاعلة فيه

إضافة لذلك يجب وضع الآلية التنفيذية لضبط عملية التمويل عبر تأسيس هيئة لتنظيم عملية التمويل السياسي على أساس قانون للتمويل السياسي؛ هذا القانون الذي يجب أن يتمتع بالمواصفات الرئيسية التالية

1- أن يكون واضحاً و شفافاً؛

2- أن يحدد هيئة لمراقبة التمويل؛

3- أن يكون لهذه الهيئة دور رقابي إضافة لسلطة وولاية قضائية لتطبيق القانون؛

4- أن يعمل على إشراك هيئات المجتمع المدني في هذه الرقابة.

ثالثا: مواصفات هيئة رقابة التمويل:

يجب أن تمتاز هذه الهيئة التوافقية ؛ من حيث شخوصها؛ ومن حيث آلية عملها بـ:

1- الاستقلالية ؛

2- الحيادية؛

3- النزاهة والتجرد.

رابعا: في مضمون قانون التمويل:

من المفترض أن يميز هذا القانون بين < التمويل الداخلي > الصادر عن طريق أرباب العمل و أصحاب المصالح, أو عن طريق الدولة أو الأفراد. وبين < التمويل الخارجي > الصادر عن طريق الدول الأخرى ؛ وفي التمويل الخارجي يجب التمييز بين تمويل المنظمات والهيئات غير الحكومية والتمويل الصادر عن حكومة دولة ما..وفي كل هذه الحالات يجب أن يكون القانون واضحا بِشأن كيفية قبول التمويل ,و مدى السماح به ؛ وبما يخدم أهداف المرحلة الانتقالية المتمثلة في بناء المجتمع المدني الديموقراطي غير المرتهن في قراراته إلا لمصلحة الشعب الممثل بقواه الحقيقية المعبرة عنه ..

للمقارنة ؛ نذكر أن هناك تشريعات لبعض الدول تسمح بالتمويل الخارجي للأحزاب دون حدود /هولندا ؛ مثلاً / و أخرى تجرمه ؛ وتمنعه على الإطلاق/فرنسا ؛ مثلا / و هنالك دول بين بين /ألمانيا ؛ مثلا/.

إضافة لذلك يجب أن يكون واضحا تحديد الجهة التي يتوجه إليها المال السياسي. فأن يتوجه التمويل إلى الأحزاب السياسية شيء ,وأن يتوجه لمنظمات المجتمع المدني الأخرى شيء آخر. رغم أن هنالك بعض التشريعات التي لا تميز بين الأمرين فتسمح بكافة أشكال التمويل /لبنان مثلا/ وهنالك دول ترفض السماح بالتمويل حتى لمنظمات المجتمع المدني /روسيا مثلا/.

في المرحلة السورية الانتقالية:

إن موقع سورية / طريق التجارة ؛ وساحة الحروب / أفسح المجال لتدخل المال في السياسة ليس بالمعنى الواقعي فقط بل إنه تغلغل حتى يكاد يصبح جزءاً من ثقافة المجتمع. ولنتذكر دور المال السياسي في صياغة الأوضاع السورية منذ معاوية والدولة الأموية….!!

إضافة لهذه الثقافة فإن موقع سورية بين قوى ودول لها مصالح حيوية في هذه الجغرافية سيفسح المجال لتدخل هذه الدول في الشأن السوري بشكل مباشر أو غير مباشر /عبر التمويل/ , إضافة لذلك – وهذا عامل هام – فإن وجود أقليات قومية وتوزع ديني وطائفي في سوريا جعل منها فسيفساء انشغل عليها في الفترات الأخيرةلتكريس هذه الفسيفساء سياسيا عبر شكل من أشكال الطائفية ؛ الأمر الذي غيب حضور الهوية الوطنية السورية الجامعة.

كل هذه الأمور تساهم موضوعياً في جعل مسألة التمويل السياسي؛ مسألة بالغة الخطورة من حيث مدى أثرها في تدمير الهوية الوطنية الجامعة عبر حرف نضالات الشعب السوري المطالب بالحرية والكرامة والدولة المدنية الديموقراطية عن مجراها الحقيقي لخدمة أهداف < الممول > التي من الصعب أن تتطابق مع أهداف الشعب السوري.

إذاً : إن هذا التراكب : بين ثقافة مجتمعية ؛ في حيز جغرافي محدد؛ مع وضع ديني ومذهبي وطوائفي وقومي موصوف؛ مع درجة من الإفقار وصل لها الشعب السوري ؛ مع افتقار الهوية الوطنية السورية إلى التبلور الحقيقي ؛ مع غياب الإرث الديموقراطي – ليس فيما يتعلق بعلاقة السلطة بالأحزاب والمجتمع فحسب؛ بل فيما يتعلق ببنية هذه الأحزاب نفسها – ؛ مع وجود دول إقليمية وعالمية لها مصالح حيوية خاصة في سوريا. كل هذه الأسباب المتراكبة ( وغيرها ) جعلت من عمليات التمويل السياسي ؛ فيما يخص مدى التأثير على المجتمع المدني حديث التكوين السوري ؛ بمثابة عقب أخيل ؛ قد تدمر ؛ أية عملية بناء ديمقراطي حقيقية … الأمر الذي نلمس مؤشرات خطيرة عليه في ممارسات الائتلافات السياسية عبر شراء الذمم والو لاءات والتلاعب بأموال الإغاثة ؛ وغيرها ؛ وحصرها بالموالين لهذا الطرف أو ذاك؛ وخدمة لهذا الطرف أو ذاك والتعيش على استمرار الأزمة؛ليس باعتبارها طريقاً يوصل للحرية بل باعتبارها مصدراً للرزق.

على ذلك يجب التنبه وقرع ناقوس الخطر ؛ لضرورة أن تكون أية مساعدات مالية سياسية ؛ الآن ؛ و خلال المرحلة الانتقالية تمتاز بجملة شروط ؛ منها أن تكون:

1- مضبوطة ؛

2- غير مشروطة؛

3- محددة ؛

4- معلنة ؛

5- ضمن سقف لا يمكن تجاوزه ؛

6- يمكن لهيئة التمويل التدقيق بها في كل لحظة ؛

7- أن يحوي القانون مواد بعقوبات واضحة في حال الخرق.

يبدو واضحاً لكل ذي عين أن < المال السياسي > قد بدأ يأخذ نصيبه من الانتشار في بعض الأوساط المعارضة السورية ( أوساط المجتمع المدني الموعود …!!! ) بأكثر المعاني ابتذالاً ووقاحة وبعيداً عن دعم أهداف الشعب السوري في الحرية والكرامة والدولة المدنية الديموقراطية : دولة المواطنة المتساوية.

وليس من حق أحد أن يقول لنؤجل بحث هذا الأمر إلى الغد, لأن الغد المنشود يبنى بالأدوات التي نستخدمها اليوم

 

 ورقة قدمت من المحامي فائق حويجة في مؤتمر نحو حل استراتيجي للأزمة السورية: دور المجتمع المدني.

التصنيفات : الأخبـــــار

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

%d مدونون معجبون بهذه: