المعجزة

مقالات رشا عمران

سيصحى السوريون ذات يوم بعد أن تتوقف أنهار الدم التي ملأت سوريا في كامل أراضيها على واقع جديد فرضته رائحة الدم وفرضته المقابر البيض التي تماهت مع التراب السوري حتى لم يعد ثمة مشهد آخر غيرها، وفرضه الأسود الذي صار جزءاً من الجسد الأنثوي السوري، واقعٌ أقل ما يقال فيه أنه كفيل بالقضاء على فكرة الكيان السوري الواحد الموحد إلى الأبد ما لم تحدث معجزة ما بأيدي السوريين أنفسهم تنقذ بلدهم من التفتت والتششت والفناء.

منذ بداية الثورة السورية اعتمد النظام الحاكم، من ضمن ما اعتمده من حلول كارثية على سوريا وضامنة لبقائه في حكمها أطول فترة ممكنة، على خطة منهجية تستند بنودها على بث الرعب بين السوريين من بعضهم البعض عبر نشر الشائعات عن حوادث قتل على الهوية وعن وجود مسلحين يهدفون إلى قتل كل من يخالفهم في الهوية المذهبية، حدث هذا أولاً في المدن والمناطق التي انتفض ابناؤها والتي تتميز بخاصية التنوع المذهبي بين مكوناتها، وكان لابد ليكتمل السيناريو من ضحايا ينتمون إلى كل الأطراف، يقتلون ويتم التمثيل بجثثهم، والقاتل المجهول يتم تناقل هويته على أنه من الطرف الآخر، حيث دائماً يوجد طرف آخر في تلك المناطق والمدن، بينما الهوية الحقيقية للقاتل مثبتة ومحفوظة في أدراج مايسمى (مديري الأزمة).

تواتر هذه الحوادث وانتشارها هيّأ لانتشار ما عرف باللجان الشعبية المسلحة في الحارات والمناطق المؤيدة، شباب حديثو السن يحملون أسلحة أطول من قاماتهم تشعرهم أنهم يمتلكون السلطة والحاضر والمستقبل وتسهل لمن يستخدمهم عملية تجييشهم طائفياً ومذهبياً ضد السوري الآخر شريكهم بالوطن، بالمقابل بدأت أصوات ترتفع وتعلو من جهة الثورة تشيطن كل من هو في الطرف الآخر وتحيله إلى صفة التشبيح وتحلل دمه لكونه من نفس فصيلة دم القاتل الطائفية.

بدأ الانقسام النفسي يسيطر أولاً على السوريين، انقساماً مترافقاً مع الحذر والخوف من الآخر، ومترافقاً أيضاً مع ظهور أساطير ومرويّات شعبية يرويها كل طرف عن الطرف الآخر وتستفز ذاكرة الخوف لدى الطرفين، من راقهم هذا الحال ومن رأوا فيه وسيلةً لاستمرار سيطرتهم على المجتمع والسلطة أمعنوا في فعل التقسيم لتحويله إلى تقسيم لوجسيتي مضافاً للآخر النفسي، فبدؤوا بإنشاء أسواق ومحلات تجارية خاصة بطائفة ما (في بعض المدن ذات التماس الطائفي) بعد أن كانت الأسواق مشتركة بين الجميع وكانت مكاناً للالتقاء ولتبادل الأحاديث اليومية والانسانية، جزء كبير من فكرة هذا التقسيم اللوجستي في المنطقة الواحدة يتعلق بهذا، منع الناس من اللقاء العفوي ومنعهم من التواصل الانساني الذي قد يخلق شيئاً من التعاطف أو كثيراً منه، الأزمة المشتركة توحد البشر، الخوف المشترك يوحدهم أيضاً وكذلك القلق على المستقبل وكذلك الحزن، كان لا بد إذاً من تحقيق هذا الفصل ولو باستخدام اقذر السبل، فالغاية القذرة تبرر الوسيلة القذرة، ولم يسلم من هذا الفصل من المدن ذات التنوع المذهبي والطائفي سوى مدينة طرطوس وإلى حد كبير مدينة اللاذقية والعاصمة دمشق بحكم واقع الحال.

ورغم أن مدينتي الساحل (طرطوس واللاذقية) تصلحان لتعبير (مرتع) للشبيحة الحقيقيين الذين يستفزون سكان المدينتين جميعاً، من أي مذهب أو طائفة كانوا، إلا أنّ الخطة بإبقاء المدينتن تحت الأمان ساهمت بجذب عدد كبير جداً من النازحين واللاجئين ممن فقدوا بيوتهم نتيجة القصف الممنهج والعشوائي ونتيجة الاقتحام بالدبابات ونتيجة الموت الذي يختال بشوراع مدنهم وقراهم خاطفاً كل من يراه أمامه ونتيجة سكاكين المجازر التي يتباهى بحملها مرتزقة وقتلة مأجورون طائفيون.

هذا الواقع الجديد على المدينيتن وبعض قراهما يمكنه أن يكون هو المعجزة التي تنقذ سوريا من التفتت وتنقذ السوريين جميعاً من الانقراض كشعب أصيل بتاريخ حضاري عريق، وجود هذا العدد من (الآخرين) المختلفين اجتماعياً وثقافياً في الساحل سيعمل حتماً على مايلي:

• فهم كلا الطرفين لحقيقة ثقافة الآخر وطبيعته بعيداً عن الأسطرة والمرويات الشعبية وشائعات الاستبداد بشقيه السياسي والدين.

• إزالة الالتباس حول حقيقة هوية القاتل والمجرم الحقيقي بدلاً من تحميل كل طرف هويته للطرف الآخر.

• المساهمة في بناء سلم أهلي طويل الأمد تفرضه مصلحة اقتصادية واجتماعية بقدر ما تفرضه مصلحة انسانية وضميرية.

• إتاحة الفرصة لأولاد الطرفين أن يتشاركا مقعد الدراسة واللعب في باحة المدرسة والمشوار على الطريق بين المدرسة والبيت وأن يتشاركا في الطموح والتخطيط للمستقبل ووضع الحذر والخوف من الآخر ابن الاخرين المختلفين جانباً.

• إنتاج علاقات إنسانية عميقة يتم تبادلها عبر علاقات التجاور والتزاور والمساعدة والتعاطف.

سيخلق كل ذلك مناخاً لفتح أحاديث عن الماضي وعن الحاضر ولماذا حدث ما حدث وكيف حدث وأين مكمن الخلل في فهم شريك الوطن للآخر، سيتيح للطرفين التفكير العميق بمستقبل أبنائهم ومستقبل وطنهم و ما عليهم تجاه الوطن ومستقبله، والأهم سيكون نواة لتكريس ثقافة الاختلاف السياسي الصحي و احترام الرأي والرأي الآخر بعيداً عن التخوين والاتهام بالعمالة وهي الذهنية التي حكمت سوريا عقوداً طويلة مما يشكل أساساً متيناً تستند إليه المجتمعات المؤمنة بالديموقراطية والتعددية في بناء دولها وأنظمتها وقوانينها ودساتيرها ويساعد على إنتاج هوية وطنية جامعة عصية على الضمور بعيداً عن الهويات الصغيرة الضيقة والتي لا يمكنها أن تنتج غير تجمعات بشرية منفردة ومتناحرة ومتقوقعة وعصية على التطور.

لن يكون من السهل البدء بهذا في ظل الدم والعنف المنتشر في سوريا، ولا في ظل الجنازات التي تصل يومياً إلى الساحل محملةً بجثث أبنائه، ولا في ظل أخبار صواريخ سكود التي تضرب مدن وقرى زوار الساحل وتفتك بما تبقى فيها من عوائلهم وأبنائهم وتقضي على أرزاقهم وشقا أعمارهم، ولا في ظل المجازر الطائفية المتنقلة تحت اسم الممانعة والمقاومة، ولا في ظل تقطيع الجثث الطائفي بذريعة التقرب من الله والجنة، ولا في ظل هذا التجيشش الاعلامي الطائفي الذي لم تنجو من قذارته فضائية واحدة، ولا في ظل وجود تجار الدم وأثرياء الحروب من الطرفين ممن لا يناسبهم حدوث معجزة ما تنقذ سوريا كي لا تُمَس أرباحهم المتزايدة يوماً بعد يوم أو تُمَس مصالح مموليهم من رجال سياسة ودول صغيرة وكبيرة وأجهزة مخابرات عالمية.

لن يكون سهلاً في ظل كل ذلك البدء ببناء جدار ثقة بين أبناء الوطن الواحد في محنتهم هذه، لكن سوريا تحتاج إلى جهد كبير لإنقاذها وتحتاج إلى النفوس البيضاء وإلى أصوات العقل وإلى الضمير السوري الإنساني الذي لا يمكنه أن يموت وإلى التعاطف والقدرة على قول الحق ومواجهة الظلم والوقوف في وجه القتلة والإصرار على الحياة وفهم الواقع كما هو وتحليله بعيداً عن رومانسية الطروحات أو تحميل مسؤولية ما يحدث لمؤامرة كونية.

العطب فينا نحن كسوريين والحل يجب أن يأتي منا نحن كسوريين، أن نفكر جميعاً أنّ الأنظمة بطغاتها و إفرازاتها ومجرميها إلى زوال والوطن بشعبه هو من سيبقى فقط، هي بداية الخروج من مأزقنا ومحنتنا جميعاً، هي المعجزة التي ستنقذ سوريا، سيرث سوريا الطيبون الأحرار من أية عبودية كانت، سيرثها من يحبها من أبنائها، أما الآخرون فإلى زوال.

(مجلة سنديان)

التصنيفات : المقالات

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

%d مدونون معجبون بهذه: