حيّ بابا عمرو المهجور: الحرب مرّت من هنا

1131734Mimages_pic_D007137_20130217185917

حي بابا عمرو، الذي تصدر اسمه وسائل الإعلام العالمية في بداية تحول النزاع السوري إلى العسكرة، يكاد يكون أرضاً مهجورة. وحده الدمار في كل مكان، الذي أحال منازله وأبنيته ركاماً، يذكّر بان هذا الحي شهد إحدى أكثر المعارك ضراوة قبل سيطرة الجيش السوري عليه منذ سنة تقريباً.

لم يعد إلى بابا عمرو، الذي كان يقطنه قبل الحرب أكثر من 35 ألف شخص، إلا عدد قليل من السكان.

في زاوية الشارع المؤدي إلى مقبرة بابا عمرو، تجلس فاطمة (64 عاما) على الأرض تحت أشعة الشمس تراقب الطريق وأحفادها الذين يلعبون في الشارع المقابل. وبرغم أن منزلها لم يصب بأضرار، لكنها لا تريد «الخوض في تفاصيل الأيام الماضية، كانت مأساة إنسانية بكل معنى الكلمة».

تقول بأسى: «أقحمنا في صراع لا علاقة لنا به، لم يبال أي من الأطراف بنا وبحياة أولادنا وأحفادنا، أنا اكرههم جميعا».

وكان سكان بابا عمرو، الحي الذي كان احد الأسباب الرئيسية لإطلاق اسم «عاصمة الثورة» على مدينة حمص في وسط سوريا في شباط العام الماضي، عاشوا أياما قاسية من الحصار والقصف. وفي الأول من آذار الماضي، اضطر «الجيش السوري الحر» للانسحاب من الحي الذي كان قد نزح معظم سكانه، ثم دخل الجيش الذي عزز سيطرته بعد ذلك على الحي وبعض المناطق المجاورة. وإذا كان منزل فاطمة نجا من الدمار، فقد أصيب منزل ابنها في الطابق العلوي بأضرار تم إصلاحها.

ويقول الابن البكر (34 عاما): «في الطرف المقابل لهذه المقبرة، كان مركز المسلحين، فيما تمركز الجيش بالقرب من منزلنا. حرب حقيقية دارت هنا والكل خسر سوى من سرق البيوت ونهب المتاجر».

معظم المحال التجارية في الحيّ مغلقة، والكثير منها واجهاتها الحديدية مدمرة. الغبار يكسو أبواب البيوت الخالية. وفي بعض الشوارع أنقاض وركام، وبعض أعمدة الكهرباء على الأرض مع أسلاكها. جدران مثقوبة بالرصاص، وشرفات مهدمة…

في 27 آذار العام 2012، زار الرئيس السوري بشار الاسد حي بابا عمرو وتعهد بان الحي سيعود «أفضل بكثير مما كان»، وأن «الحياة الطبيعية» سترجع إليه. كما أعلن مسؤولون حكوميون أكثر من مرة بدء إصلاحات في البنى التحتية المتضررة التي قدرت بأكثر من 33 مليون دولار أميركي.

ومع ذلك، ما زالت مناطق واسعة في حي بابا عمرو تفتقد إلى الماء والكهرباء والخدمات الأساسية. في المقابل، تستقبل المدارس التلامذة بشكل عادي.

ويقول سامر، وهو تلميذ في الصف السادس، «لم اذهب إلى المدرسة العام الماضي. كنت أتنقل بين منازل أقاربي في بابا عمرو ودير بعلبة وجورة الشياح (داخل المدينة)، إلى أن عدنا إلى منزلنا»، متأسفاً «الكثير من رفاقي رحلوا، لكنني تعرفت على أصدقاء جدد، أحب مدرستي ولا أود الابتعاد عنها مرة ثانية».

من جهة أخرى، يقول أحدهم موضحاً «ليس كل من عاد من سكان الحي الأصليين، فالعديد من العائلات التي نزحت من أماكن أخرى وجدت في بابا عمرو ملاذا آمنا بعد توقف الاشتباكات».

وعلى مدخل الحي، يفتش حاجز للجيش كل السيارات ويدقق في بطاقات سائقيها. حركة المرور تكاد تكون معدومة إلا من بضع سيارات لنقل الخضار والفواكه والمواد الغذائية والأساسية للسكان «الذين يقطنون في القسم الشرقي والشمالي الشرقي من الحي حيث توجد ماء وكهرباء»، بحسب ما يقول محمد (29 عاما) الذي ولد وترعرع في بابا عمرو.

الاتجاه غربا والاقتراب من «حارة المجدرة»، معقل المعارضة المسلحة في الحي سابقاً، يكشف دماراً أكبر وأحياء كأنها مدن أشباح.

في هذه الحارة، قتلت على باب المركز الإعلامي، التابع للناشطين المعارضين، الصحافية الأميركية ماري كولفن من أسبوعية «صاندي تايمز» البريطانية وقتل معها المصور الفرنسي ريمي أوشليك.

في اليوم ذاته، أصيبت بالقصف الصحافية الفرنسية إديت بوفييه التي أمضت أياما طويلة في الحي المحاصر مع الإصابة في ساقها، إلى أن تمكنت من المغادرة في ظروف صعبة للغاية مع صحافيين أجانب آخرين قبل يوم واحد من دخول الجيش.

وفي أحد الشوارع الخالية، يظهر خالد (33 عاما) فجأة، ويشرح انه عاد إلى بابا عمرو مع زوجته وأطفاله الأربعة، لكنه لم ينتقل بعد إلى منزله «الذي يفتقد الكهرباء والماء».

ويقول: «بعد أن حوصرنا بين نيران الجيش من جهة والمسلحين من جهة أخرى، لم يكن أمامنا خيار سوى النزوح. أمضينا أياما استحال علينا خلالها إخراج رؤوسنا من النافذة. حرب طاحنة دارت هنا». ويعمل خالد على ترميم جدار منزله ليتمكن من الرجوع إليه بعد عودة الخدمات.

أما أمام المؤسسة الاستهلاكية، التي كانت يوما مقرا للجيش السوري، فيقف طابور طويل من الناس ينتظرون دورهم للحصول على أسطوانة غاز. وجوه مكفهرة تراقب الوفد الإعلامي بامتعاض. «الناس هنا ملوا الصحافة»، يقول مرافقنا المسلح من قوات الجيش السوري.

ويشرح شاب ان»الأعمال في المدينة توقفت بالكامل وبات القتال الوسيلة الوحيدة لدى الطرفين لكسب لقمة العيش، فيما تعيش الكثير من العائلات على مساعدات الهلال الأحمر، وهي غير كافية».

الضيق والذكريات الحزينة والدمار تركت آثارا سلبية على مزاج الناس. ويختم خالد بيأس «سواء بقي الاسد أم رحل، أنا سأبقى طيانا (عامل بناء)، ولن يتغير في حياتي شيء»، قبل أن يتابع طريقه نحو منزله المهجور.

 

“المصدر:AFP”

التصنيفات : الأخبـــــار

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

%d مدونون معجبون بهذه: