برنامج صدى المواطنة: وثائقي عن المخرج فواز الساجر … رحيل جسد ودوام روح

 إعداد: رولا عبدالله الأحمد

على قصاصة ورق وجدت في جيبه، كان قد كتبها قبل أيام من وفاته المفاجئ، كتب يقول ” تفكيرنا ضيق ، مصيرنا ضيق ، موتنا ضيق ، قبرنا ضيق ، افتحوا الأبواب والنوافذ ، سيقتلنا الضيق ، افتحوا الكون ، الضيق ، الضيق ، الضيق”..ويبدو أن السماء استجابت باتساعها..وفتحت له أبوابها بعد أيام، ليرحل باكراً عن أرض ضاقت بمبدعيها من البشر، واتسعت لجلاديهم..

هو فواز الساجر المخرج المسرحي، والمبدع الذي أسس مع توأمه المسرحي سعدالله ونوس الركائز الأولى نحو مسرح عربي جديد، وكتبوا بيانات صارت أساساً يبني عليه أبناء سوريا والعالم العربي، نهضة مسرح جديد ينزل من علياء الفرجة إلى ساحات الشوارع حيث هموم الوطن والمواطن.

ولد فواز الساجر في عام 1948 في قرية منبج، قرب مدينة حلب، ورحل فجأه في العام 1988، بعد شهر من عرض مسرحيته التي شكلت علامة فارقة في تاريخ المسرح السوري “سكان الكهف”، وبين الولادة والموت لمعت حياته كشهاب وربما يكون موته المفاجئ الذي باغته دون سابق إنذار، ولم يكن قد أتم الأربعين من العمر ، هو الشرارة التي اشتعلت لتضيء للأجيال الذي تلته نوراً يضيء صفحات الكتب المعتمة ، التي أكلها الغبار قبل أن يأتي هذا الشهاب ليذكر بمكتبة وكتابات مبدع مسرحي صامت ، كفواز الساجر . وكل من عرف الساجر كان يتحدث عن ميله إلى الهدوء والإصغاء إلى الآخرين والاستغراق في التأملات. كان يعمل أكثر مما يتكلم ، ويقول عنه أصدقائه الذين درسوا معه المسرح في موسكو أنه كان في أثناء اللقاءات مع الزملاء وأهل الثقافة يعيش في عالمه الخاص ..وفي أحلامه .. عن مستقبل المسرح السوري .

درس الساجر في معهد “غيتيس” للمسرح في موسكو ، وتخرج منه في عام 1972 وعاد إليه ثانية لنيل شهادة الدكتوراة في عام 1982 وقد تتلمذ على يد كبار المسرحيين الروس ،وتلقف تجاربهم المسرحية بكل شغف المعرفة التي حملها معه، ليعود بها إلى سوريا وليفرزها أفعال على الأرض ، حيث أسس المسرح الجامعي في مدينة حلب، ثم انتقل إلى دمشق ليؤسس مع سعدالله ونوس المسرح التجريبي، الذي تحول إلى أهم أنماط المسارح في سوريا ، وما انفك يسعى بدأب مع ونوس لتحقيق أحلامهما في تأسيس معهد مسرحي لطلبة المسرح في سوريا، وبالعفل نجحا عبر المثابرة والاجتهاد في المساهمة في تأسيس المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق، هذا المعهد الذي صار يخرّج اليوم أجيالاً من المسرحيين والممثلين والنقاد، من الذين اتسعت شهرتهم حتى وصلت حدود العالمية، ليعرفوا العالم على إبداعات ومبدعين ظلت مغمورة لزمن طويل ، أمثال غسان مسعود وفايز قزق، أوصلت صيت الدراما السورية اليوم لتصير في الطليعة.

*******

في إحدى الحوارات النادرة التي أجريت مع فواز الساجر، تحدث عن رؤيته لدور المسرح بشكل يلخص مفهومه الإنساني الحسي إذ قال:” أنا أفهم المسرح كمسرح يغير ولايتغير ….وأنا أرفض المسرح الذي يقدّم قيماً أخلاقية ثابتة من منظور تبريري …والمسرح المطلوب في وطننا هو ذاك المسرح الذي يؤكد قيماً اجتماعية وأفكاراً جديدة من شأنها أن تدفع بوعي الناس إلى الأمام”.

وقد تحول مفهومه هذا إلى نهج حقيقي، أخذه طلاب المسرح الحقيقيين على عاتقهم وأنتجوا أعمالاً مسرحية تستقي من فلسفة الساجر لتولد أعمالاً مسرحية تبث الوعي وتستنهض الشارع الثقافي السوري، والسمعة الراقية التي حصدها المسرح السوري الجاد اليوم ماهي إلا نتاج لتلك الفلسفة.

قدم فواز الساجر ، في رحلة حياته القصيرة أعمالاً مسرحية، تحولت إلى علامة فارقة ليس في تاريخ المسرح السوري فحسب بل تعدته نحو المسرح العربي ، وأهمها ” رحلة حنظلة من الغفلة إلى اليقظة” عن نص لسعد الله ونوس ، وثلاثية” نكون او لا نكون ” ،و ” يوميات مجنون” لجوجول و ” سهرة مع أبي الخليل القباني” لسعد الله ونوس” والتي قدمها كمشروع تخريج لطلاب الدفعة الأولى للمعهد العالي للفنون المسرحية ، وآخره أعماله ” سكان الكهف” .

يقول عنه أحد طلابه :” كنت أدهش من دقة مواعيده ومن التزامه، كان المسرح بيته الثاني، والمكان المقدس، كان يلقي علينا بتعليمات صارمة وما أن ندخل الكواليس لنتحضر للعرض، حتى يرسل تعليماته الصارمة قائلاً:” إن رمي الأوساخ سيحرم الفرق من العرض، وإذا كنت متواضعاً وصلت إلى أعلى المراتب»، كنا نضحك وقتها ..لكننا لم ندرك أهمية ما كان يقول إلا عندما عرفنا أن أساطين المسرح في العالم هم من يلتزمون بهذه التعاليم”

ولعل أهم الشهادات في الساجر هي تلك التي أدلى بها الراحل سعد الله ونوس عنه “إنه بعد مجيء فواز إلى سورية بدأ تاريخ جديد للإخراج المسرحي وبدأ ظهور العرض المسرحي ذي الوحدة العضوية حيث تطابقت فيه كل العناصر من استثمار الفضاء المسرحي والتركيز على أداء الممثلين والأدوات السمعية والبصرية”.

بعد أربع وعشرين عاماً على رحيله ، ظل ويظل فواز الساجر حاضراً بقوة في تاريخ المسرح العربي ، حيث يعد المرجع الأصدق والوثيقة التي لا تقبل الشك على طاقة المسرح الخلاقة للحياة ، حيث حوله مع رفاقه من المثقفين الشجعان إلى المنبر الجماهيري المطلبي الذي يشكل خطراً على كل الكراسي الزائفة التي ما انفكت يوماً في سعيها لتخريبه وتفريغه من محتواه وسلبه دوره.

. فالكاتب تبقى نصوصه التي تتدارسها الأجيال، وتظل على معرفة به مهماتطاول الزمن لأنها أثر مكتوب باقٍ.

التصنيفات : الأخبـــــار

الكاتب:syr2015

صوت المعارضة السورية الصادق

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

%d مدونون معجبون بهذه: