«الفزعة» وإشكاليات عشائر سوريا في ميزان الصراع

مسلحون في بيتطارق العبد

لم يعد يخلو اجتماع للمعارضة السورية من الرموز العشائرية، في وقت لا ينتهي النظام من إقامة ملتقى لهؤلاء الوجهاء حتى يستعد لآخر. كل ذلك وسط مخاوف من إعادة تقسيم المجتمع المنصهر وفتح باب النزاعات القبلية، وهو آخر ما يحتاج اليه السوريون اليوم.

في المحصلة، عادت العشائر إلى الواجهة السياسية في البلاد. في وقت يتباين حضورها بين الخافت في بعض المناطق والفاعل في مناطق أخرى، لترتسم صورة مفادها أن بعض أجزاء المجتمع السوري لا يزال يحن لأيام العصبية القبلية، بينما أثبتت الوقائع دخول بعضها بحالة من التماسك انعكست إيجابا في صدّ الفتن. بالتالي، هناك محاولة لرصد المجتمع العشائري في البلاد ونفوذه وعلاقته بالسلطة، موالياً كان أم معارضاً.

بانوراما العشائر السورية

تتوزع العشائر السورية على مختلف مناطق البلاد، بداية من أقصى الشمال الشرقي في الجزيرة ووادي الفرات وصولاً إلى البادية وحمص وحماه وريف دمشق، وحتى الجنوب في سهل حوران وجبل العرب. ولهذه العشائر جميعها صلاتها وامتداداتها إلى الجوار، وخاصة العراق والأردن. وتصل امتدادات بعض القبائل حتى السعودية. كما يحتفظ العديد من أبناء جبل لبنان بأصولهم في جنوب سوريا حيث لا تزال هناك أواصر متبادلة في ما بينها، في وقت ينحدر بعضها من أصول تركية كحال عشيرة أبازيد في درعا.

وتعتز عشائر أخرى بأصولها العربية القديمة كحال بني المعروف في جبل العرب ومعظم قبائل حوران التي ينحدر منها عدد كبير من القبائل مثل المقداد وأبازيد والنعيم، بالإضافة إلى المسالمة والزعبي والحريري والرفاعي. ويعود نسب أبناء المقداد على سبيل المثال إلى المقداد بن الأسود، ويُعتبرون من الأشراف، حيث كان لهم نقيب أيام العثمانيين.

يحتفظ كبار هذه القبيلة حتى اليوم برسائل السلطان عبد الحميد لنقيبهم حسين المقداد، ولها تاريخ نضالي تفتخر به منذ أيام الثورة العربية الكبرى، ودعمها لاحقاً للملك فيصل إبان دخول الفرنسيين سوريا. وكان لافتاً دورهم مع بني معروف في السويداء، حين أطلق سلطان باشا الأطرش الثورة السورية الكبرى سنة 1925 والتي اعتمد فيها الأطرش على «الفزعة»، أي نصرة العشائر لبعضها البعض ونسيان كل الأحقاد والمشاكل في ما بينها. وهو ما حصل بالفعل إثر اعتقال الفرنسيين للعديد من زعماء الجبل ونفيهم أو إعدامهم كحال أدهم خنجر. حينها هبت عشائر السويداء ودرعا وأشعلت الثورة السورية، لتنتقل منها إلى بقية المناطق فتتسلم حوران، وتحديداً آل البلخي، قيادة الثورة إثر مغادرة سلطان باشا إلى الحجاز.

من جهة أخرى، يرى باحثون وناشطون في حوران أن المجتمع الجنوبي هو عائلي أكثر من كونه عشائريا، ذلك أن مفهوم العشيرة يعني أعدادا بشرية هائلة بينما هناك أسر متعددة في السهل لها امتدادات عشائرية في الخارج لكنها في الداخل تتركز في منطقة محددة لكل منها.

يُضاف إلى ذلك البيئة الريفية والزراعية للمنطقة والتي تمحو الكثير من عالم البداوة، مقابل سلطة كبير العائلة القادر على حل المشكلات الداخلية ولم الشمل أو دعم من حلت به نكبة من أفراد الأسرة الحورانية.

أما عند السؤال عن الموالين والمعارضين في الأسرة، فلن تجد أي جواب في المجتمع الحوراني الذي برزت منه شخصيات عديدة في مراكز الدولة السورية الحديثة كنائب الرئيس فاروق الشرع ورئيس الحكومة وائل الحلقي ونائب وزير الخارجية فيصل المقداد ووزير الإعلام عمران الزعبي ورئيس الحكومة السابق محمود الزعبي. هؤلاء جميعاً برزوا بصفتهم المدنية أكثر منها العائلية أو القبلية التي تُبرز مجتمعاً متماسكاً يعزوه مؤيدو فكرة العائلية إلى الطبيعة الريفية للمنطقة، والتي حافظت عليها رغم دخولها عالم الحداثة. وهي على عكس العشائرية التي تقود إلى حروب طاحنة ومعارك للأخذ بالثأر تبدأ ولا تنتهي، ولعل مبدأ «الفزعة» هو الوحيد التي حملته عائلات الجنوب معها إلى المدينة. وهو ما يشير إليه أبناء حوران حين انتفضت المنطقة بأسرها بوجه النظام وخرج الجميع بسرعة إلى الساحات للاعتصام مطالبين بالإفراج عن الأطفال المعتقلين قبيل انفجار الاضطرابات. كما نجح هذا التكاتف في إحباط أي محاولات لإشعال الفتن بينهم وبين جيرانهم أبناء جبل العرب، والذين ردوا بالمثل بدورهم وأطفأوا الكثير من نيران الاقتتال بينهم وبين أهل حوران.

وبحسب ناشطي السويداء، فإن المجتمع ما زال بدوره موزعاً بين حضري وبدوي في المنطقة. وإذا كانت كلمة شيوخ البدو ما زالت مسموعة فإن المناطق الحضرية بدورها ما زالت تحتفظ بكثير من عادات وتقاليد العشيرة. وتحتفي بالتواصل الدائم مع جبل لبنان حيث يعتبر زعماء الجبل اللبناني أصحاب حضور كبير في الجبل السوري وتحديداً وليد جنبلاط ووئام وهاب، وهو ما ينقضه آخرون باعتبار أن دعوات زعيم المختارة اللبناني للثورة الدرزية ذهبت أدراج الرياح وكذلك الأمر بدعوات وهاب لتأييد النظام.

ومن حوران والجبل إلى شرق البلاد، حيث تتوطن العديد من العشائر من الحسكة إلى الرقة ودير الزور والبادية، وصولاً إلى أطراف حلب وحمص. ويتصل بعضها بالعراق، خاصة القبائل الفراتية، أي تلك التي على ضفاف نهر الفرات وتبرز بينها عشائر الجبور والعبيد والعقيدات والبكارة وعنزة وشمر التي ارتحلت من نجد والحجاز إلى العراق والجزيرة السورية. وقد كان لها حضور تاريخي كبير في الحياة السورية، سواء أيام الاحتلال الفرنسي والبريطاني للعراق وشمالي شرقي البلاد، ولاحقاً إثر الثورة السورية الكبرى. في ذلك الوقت، برزت شخصيات عدة أمثال فواز الشعلان في سوريا، الذي كان وسيطاً بين الملك عبد العزيز والرئيس شكري القوتلي أو عجيل الياور (جد الرئيس العراقي غازي الياور وهو أول رئيس بعد سقوط صدام حسين).

ولعل المجتمع في هذه المنطقة يمتاز أكثر من منطقة الجنوب بتشدد في العصبية، حيث ما زالت أعراف العشيرة تحكم خاصة في الريف الذي إن دخل عالم المدنية لكنه يحتفظ بكثير من مفاهيم القبلية. وساعد في ذلك التهميش الواسع الذي تعانيه تلك المناطق إجمالاً، أما المدن فهي بالتأكيد أفضل حالاً، بل إن سلطة شيخ العشيرة فيها تتراجع حتى تكاد تبلغ الصفر. ويعود ذلك لعاملين أساسيين: الأول هو العدد الكبير لمختلف العشائر والثاني هو دخول الجيل الجديد عالم المدنية. هكذا، بحسب ناشطين في دير الزور لم تأخذ العشائر قرار المشاركة بالثورة ولا حتى التأييد للنظام. وبرغم الحشود البشرية التي خرجت في تظاهرات عديدة في تلك المناطق، إلا أن ذلك كان قرارا فردياً من دون تدخل شيوخ العشائر. وهكذا سيبدو من الطبيعي أن تضم العشيرة الواحدة أفرادا موالين أو يخدمون في الجيش النظامي وآخرين معارضين أو متطوعين في «الجيش الحر»، من دون أن يحمل ذلك أي حالة من التوتر. أما إن حدث أي إشكال فهو يبقى مقتصراً على عائلة الفرد الموالي أو المعارض وحده ولا يشمل الباقين.

النظام والمعارضة: من سيربح العشائر؟

حتى الشهر الرابع من عمر الأزمة السورية لم يفكر أي من النظام أو المعارضة باللعب على وتر القبائل واستنفار عصبيتها لمصلحه، حتى قرر القائمون على إطلاق التظاهرات في يوم الجمعة تسمية إحداها بـ«جمعة العشائر». مع ذلك بدأت حملة كبيرة لاستمالة العشائر واستفزازها لحمل السلاح والانتفاضة ضد النظام، الذي عمد بدوره إلى استعادة روح القبلية وانطلق في تنظيم ملتقيات لشيوخ العشائر وحشدهم عبر وسائل إعلامه في محاولة لإظهار صورة العشائر كموالية. في المقابل، بات الحضور القبلي لازماً في مختلف مؤتمرات المعارضة من دون أن يدرك أي من الطرفين خطورة ما يقوم به بإعادة أحياء نزعة قد تقود لتمزيق البلاد، بحسب ناشطين في الداخل يعتبرون أن سلوك المعارضة في تكرار لازمة العشائر والتعويل عليها ليس سوى «مهزلة» من شأنها أن تجلب الويلات للداخل.

وكان طموح المعارضة في الخارج يتمثل في استنفار العصبية لتؤدي لانتفاضة مسلحة بحسب مبدأ «الفزعة»، الذي تعمل به العشائر إجمالاً، يُضاف إلى ذلك انشقاق أبنائها عن صفوف النظام، وبالتالي اندلاع ثورة مسلحة من شأنها إسقاط النظام. وهذا ما لم يحدث، فـ«الفزعة» التي حصلت لحوران في مختلف مناطق سوريا لم تكن بدافع عشائري بقدر ما هي دافع فردي، وهو ما حصل بالنسبة للانشقاقات العسكرية التي لم يكن للعامل القبلي أو أي عامل ديني أو مناطقي دور فيها.

ويبقى الخطر الأبرز خطر تشكيل ميليشيات عسكرية باسم العشيرة لمقاتلة أخرى توالي أو تعارض النظام، وهو ما من شأنه إدخال البلاد في حرب أهلية. لكن إذا كانت هذه هي حجة المعارضة في استنفارها فما حجة النظام؟ يجيب ناشط في الحسكة التي تعتبر نموذجاً واضحاً للمجتمع القبلي بالقول ان النظام، منذ السبعينيات قد تعمد ترك السلطة في تلك المناطق لشيوخ العشائر مقابل ولائهم المطلق له. وقد وصل بعضهم لعضوية مجلس الشعب ممثلاً لمنطقته كمكافأة على هذا الولاء، وهو ما أثبت فعاليته لاحقاً، حين حاول نظام صدام حسين استمالة العشائر في الجزيرة للانتفاضة ضد الرئيس حافظ الأسد، لكنه أخفق في ذلك. وثبتت الفعالية مجدداً حين شكل أبناء هذه العشائر كتلة لا يُستهان بها في الجيش النظامي، ما شكل حالة من الارتياح بالنسبة للدولة التي أقامت عدة لقاءات لشيوخ العشائر وحاولت منحهم سلطة أوسع في سبيل ضبط أي حركة احتجاجية قد تحدث. وهو ما بدا غير ناجح هذه المرة في معظم المناطق، فبرغم وجود عشائر عدة تدين بالولاء المطلق للسلطة، وخاصة في ريف حلب وريف الرقة والحسكة، لكن حضورها يبقى محدوداً بالنسبة للعشائر الكبرى التي فقد شيوخها أي سلطة أو نفوذ على أبنائهم. كما لا يملكون نفوذاً على تلك التي ودعت عالم البداوة ودخلت مجتمع الريف الزراعي، وبالتالي نجحت في تحييد نفسها عن الصراع القبلي، لتبدو المحصلة مجتمعاً يسعى لإغلاق أي باب تتسرب منه سموم تمزيق المجتمع المتماسك بعيداً عن أي تجاذب سياسي أو عشائري أو طائفي. وهي حالة تبدو نادرة للغاية وسط هذا الصراع، فهي إحدى النقاط الوحيدة التي تجمع مؤيدي ومعارضي النظام معاً على هدف واحد: منع إحياء النزعات العشائرية.

(السفير)

التصنيفات : المقالات

One Comment في “«الفزعة» وإشكاليات عشائر سوريا في ميزان الصراع”

  1. 2013/12/29 في 20:23 #

    رد على الكاتب المخرف االلي مو معروف اصله ولا قرعة ابوه من وين اصل عشيرة ابازيد من اليمن ومن حضرموت ياعديم الفهم ابازيدي وافتخر

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

%d مدونون معجبون بهذه: