العلاقة بين الموقف الأخلاقي والسياسي في الأزمة السورية المفتوحة ..

بعيدا ًعن تعدد المقاربات المعرفية لمفهوم السياسة والأخلاق بمستوياتها الفلسفية والاجتماعية والتاريخية يبقى (الموقف) بوصفه مفهوماً معرفياً والذي يتخذ شكله الإجرائي عبر الممارسة السلوكية للإنسان؛ أحد أهم ضوابط التحديد المعرفي للمفهومين أعلاه ،فالموقف الأخلاقي يختلف بالضرورة عن الموقف السياسي في طبيعته الجوهرية وممارساته السلوكية، رغم أنهما قد يتكاملان أو يتنافران إلى حد الخصومة والمقاطعة، إلا أنهما يستعليان بوصفهما محركين ديناميين متقابلين في الحياة الإنسانية المعاصرة .

وتعكس الثورة السورية خصام وتنافر المفهومين من جهة وتعاضدهما وتلازمهما من جهة أخرى، فثمة فريق يرى بضرورة تكامل الموقفين وتوحيدهما، رافضاً كل أشكال الفصل بينهما مهما كانت أسباب الفصل منهجية أو علمية أو واقعية أو ضرورية أو حتى منطقية. أما رؤية الفريق الآخر فهي تنهض على الفصل المنهجي بين الموقفين وتقديم السياسي على الأخلاقي تحت غطاء الخلاص الأكبر؛ يفترض تحييد الموقف الأخلاقي لأنه يستلزم سلوكاً يعقّد المسألة ولا يسهم في حلها.

ومما لاشك فيه فإن كل موقف يفرض على متبنيه استراتيجية سلوكية معقدة تستمد طاقتها من الموروث أو الذاكرة العميقة للثقافة تارة ومن الوعي الاجتماعي والأعراف والتقاليد تارة أخرى ومن قراءة الواقع والمعطيات الجغرافية والديموغرافية والتشابكات السياسية العالمية من جهة أخرى. فمن يتبنى الموقف الأخلاقي في مقاربته للأزمة السورية تتحدد وتتأطر مواقفه السلوكية ضمن رؤية ثابتة يفرضها النص الديني والموروث والعادات الاجتماعية والحالة المجتمعية. وتطغى تلك الرؤية على دينامية ما يستلزمه الموقف السياسي من حركة ومرونة وبرغماتية .

أما من يتبنى الموقف السياسي فيجد نفسه محكوماً بأنماط وقواعد اللعبة المطروحة على الطاولة فإما أن يكون لاعباً ماهراً ( وليد جنبلاط نموذجاً ) أو أنه سيفشل فشلاً ذريعاً حتى ولو عاد إلى الموقف الأخلاقي ليعضد موقفه السياسي .وكثيراً ما تستخدم مفردة ( اللعبة ) مضافة إلى السياسة وهي بحق كذلك .. فعلى اللاعبين امتلاك الرؤية في توقيت استخدام الموقف السياسي وفي توقيت عرض الموقف الأخلاقي عبر السياسي . والأزمة السورية هي خليط بين السياسي والأخلاقي، استطاع أحد أطراف النزاع خلط الموقفين واستمر في تعميق تلك الهوة بينهما عبر إشراك أصدقاء وخصوم دوليين في هذه اللعبة.

والحق إنه نجح إلى حدٍّ ما في كبح جموح الموقف الأخلاقي من الأزمة عن طريق تصوير بعض عناصر المعارضة المسلحة بالإرهابيين،علماً أن الموقف الأخلاقي مرَّ بفترات من القوة واستعلى على المشهدين المحلي والإقليمي والدولي واحتكمت إليه الضمائر الإنسانية حتى الخصوم والأصدقاء أقروا به في لحظة ما. ولأن الموقف الأخلاقي من صفاته الثبات والرسوخ والموقف السياسي دينامي متغيير ومتلون ومتحرك حسب اتجاه البوصلة وهي البرغماتية. فقد تغيرت قواعد اللعبة وبات إضعاف أصحاب الموقف الأخلاقي أحد أهم استراتيجيات الحل السياسي. والتبشير بالموقف السياسي بوصفه سيحقق متطلبات الموقف الأخلاقي صار يتصدر عناوين المشهد اليوم .

الصراع مازال مستمراً بين الموقفين،إلا أن التاريخ يعطينا نماذج ونتائج كلا الموقفين وعلى المعارضات السورية دراسة هذه النماذج والنتائج والتحرك ضمن رؤية تضمن دينامية وحركية وبرغماتية راسخة وثابتة وهنا تصبح لاعباً ماهراً ومؤثراً، وأن تكون مستعدة أمام الجماهير-التي تتخذ من الموقف الأخلاقي منصة في معظم تحركاتها- أن تبرر خطواتها السياسية في ضوء تلك العلاقة الجدلية التي تحكم علاقة السياسي بالأخلاقي في الأزمة السورية.

حسين المكتبي النعيمي

2013/01/13

التصنيفات : المقالات

الكاتب:syr2015

صوت المعارضة السورية الصادق

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

%d مدونون معجبون بهذه: