برنامج صدى المواطنة: وثائقي عن الراحل محمد الماغوط

 

محمد الماغوط..البدوي الأحمر

 إعداد: رولا عبدالله الأحمد

مخطئ من يعتقد أن بإمكانه أن يختصر ببضع دقائق تاريخ وشخصية مناضل وأديب مثير للجدل كمحمد الماغوط، فهو ” البدوي الأحمر” …. وهو “العصفور الأحدب ” …… و”المهرج” …..و”سياف الزهور”……

هو كل الأسماء التي حملتها عناوين كتبه ..ودواوين شعره ، تلك التي أصدرها تباعاً بين قضبان السجن تارة ،،،، وقضبان التضييق والغبن في وطنه طوراً،،،،، حتى خرج عن ذاته وكفر بمن أحب وأعلن ” أن الفرح ليس مهنته” وأنه “سيخون وطنه ” ..هذا الديوان الذي قال عنه :”أنه نفحات من رائحة المزبلة العربية”!!

يدهشك الماغوط بتناقضتاته هو الذي حول الألم إلى أمل وأدب ، بألمه ، بتندره ، ببساطه ، بفلسفته ..هو الذي حطمه السجن منذ أن كان يافعاً حين اعتقل أول مرة لسبب لايعرفه! وقيل أنه بسبب انتمائه للحزب القومي السوري ! وعن تلك وعن هذه الحكاية الساخرة السوداء وحكايات شتى لن تجد أفضل من الماغوط ذاته ليحكيها بكل أبجدياتها التي تشبه مسرح اللامعقول حتى صار الوطن عنده على اتساع مساحته أشبه ب “غرفة بملايين الجدران”…!

وهو في زيارتنا اليوم ، حاضر بقوة حاملاً قلمه سلاحه ،وحاضر بيننا .. عبر استحضار كلماته وعن لسانه ليستمع التاريخ من شاهد عيان عن تاريخ هذا النظام وعفنه..

السجن والسجّان

محمد الماغوط ..الذي ولد في قرية السلمية في ريف حماه، لأسرة فقيرة معدمة، يأسرك بموهبته الفطرية التي ولدت وهو على مقاعد الدراسة الأولى ..ويسافر بك إلى عالم غريب مفجع ولجه باكراً ، ومن دون سابق إنذار ،،،،السجن …….،

هذا المكان المعتم الذي شكل انقلاباً في كيانه وشخصه، وحوله من شاب يحمل في جعبته أحلاماً عادية، إلى متمرد جسور طموح ..هصره الألم والقهر والذل الذي رآه بين قضبان السجن.

.فحين يتحدث أبو شام عن تجربة سجنه لا بد و أن يتركك فريسة التناقض بين السخرية والقهر، فمرة تعلو قهقهة المصغي إليه، ليفجعك بعد ثوان بأحداث لايمكن لبشر أن يتحملها، فتلحق الدمعة بالضحكة ، والضحكة بالدمعة ..حتى تصير على أعتاب الجنون حين يحدثك عن تجربة اعتقاله وسجنه وملاحقته من قبل مخابرات النظام ..

وعن تلك التجربة التي غيرت مجرى حياته يحكي الماغوط ، فتعالوا نستمع إليه بتندر يقلب الفجيعة إلى ابتسامة قائلاً: ……” كنت فتى فلاحاً قروياً يافعاً فقيراً، وكان سقف أحلامي أن أعمل في الفلاحة، ويصبح عندي مال أدفع به بدل العسكرية الإجبارية، لأتخلص منها، وأن أتزوج إبنة عمي أو خالتي وأن أنجب أطفالاً.كثر ….كنت فقيراً وكانت لدي حاجة أن أنضم إلى جماعة ما ، وكانت قريتي السلمية، تضجّ بفكرة الحزبية آنذاك ، وكان هناك حزبان، الحزب القومي السوري، وحزب البعث ، وقد اخترت الحزب القومي السوري لأنه كان قريباً من المنزل ، وفي المركز كانت هناك صوبيا(أي مدفأة) ، وكان الجو دافئاً هناك، في حين كان المركز البعثي بعيداً وبدون صوبيا…! ..لم أقرأ مبادئ الحزب وقتها، وفي الاجتماعات كنت أنعس ..، وأذكر أنهم حين كانوا يتحدثون عن المناقبية الحزبية كنت أفّكر (بالمخدّة) ..وعندما كان ينتهي فصل البرد كنت أهرب من الاجتماعات..!”

ويعقّب قائلاً بجدية :” لكن هذا لايعني أبدأ أنه لم تكن لدي حماسة ضد الفقر والقهر والظلم والعار القومي لكن السجن غّير نظرتي للحياة ، صحيح أني لم أمكث في السجن لسنوات ، لكن الأشهر التي أمضيتها بين قضبانه كانت كافية لتقلب حياتي كلها ،كنت أظن أن السجن للمجرمين والقتلة ، وعندما سجنت للمرة الأولى ،وكنت حينها في العشرين من عمري ، ..شعرت بأن شيئاً جوهرياً تحطم في داخلي ، وكل ما كتبته كان أشبه بعملية ترميم لتلك التجربة المريرة والقاسية ،والتي ماتوقفت يوماً على طول العمر والتجربة ، ولا أبالغ إن قلت أن أمل الحياة قد سقط في السجن ، وكذلك الجمال والفرح، كان هناك الكثير من الرعب والقسوة والمهانة، كنت صغيراً صغيفاً غير قادر على استيعاب ما يحصل ولا على تحمّل الإذلال والظلم ، ومانسيت يوماً حذاء السجان الذي كان يقطر عرقاً وهو يمارس فعل التعذيب ، والفادح في الأمر أنني حتى الآن لم أعرف ما هي التهمة التي قادتني للسجن آنذاك!!! أنا الفلاح والقروي البسيط”.وخلف القضبان بدأت حياته الأدبية، وتعرف على أعز أصدقاء العمر ورفاق درب النضال ، أدونيس والشاعرة سنية الصالح التي أحبها حين كانا في الاعتقال، وصارت زوجته فيما بعد.

خرج الماغوط من سجن الاستخبارت الصغير إلى سجن الوطن الكبير إذ ظل ملاحقاً تتبعه أجهزة الأمن لفترة طويلة من حياته ، فاختبأ في غرفة واطئة بحي «عين الكرش» وكانت غرفة نصفية، وكان عليه أن ينحني كي لا يصطدم رأسه بالسقف. وفيها كتب «العصفور الأحدب» حيث كان العصفور يرمز للحرية، أما الأحدب فلأنه يصف حالته في تلك الغرفة. و كانت زوجته سنية صالح وصديقه الأديب زكريا تامر يجلبان له الكتب إلى مخبئه هذا

وفي الخمسينيات كان الماغوط مطلوباً لاستخبارات في سوريا ومصر، وظل ملاحقاً بشكل مستمر ، إلى أن قرر الهرب إلى بيروت ، بشكل غير شرعي، وسافر إليها سيراً على الأقدام ….وهناك انضم الماغوط لطاقم مجلة “الشعر” مع الشاعر يوسف الخال، وأدونيس، وخالدة سعيد، وبدر شاكر السياب …وأسماء لها تاريخ مشترك من النضال ضد الطاغوت والطغمة الحاكمة.في العالم العربي …وهناك تألقت مسيرته الأدبية فكتب الشعر والنثر والمسرح وحتى السينما …حتى صار الماغوط مدرسة بحد ذاته ..

في مطلع الستينيات ..عاد الماغوط إلى دمشق، بعد أن صار إسماً علماً كبيراً في عالم الأدب العربي ، إلا أن هذا لم يحل دون اعتقاله ودخوله سجن المزة مرة أخرى لمدة ثلاثة أشهر ..وعن هذه الفترة يتحدث الماغوط بروح دعابه مدهشة قائلاً:”في السجن عرفت البرد والخوف والرعب والجوع ، وأظن أنه ولّد عندي جوع تاريخي رافق حياتي ،،والخوف وما أدراك ما الخوف؟؟!! هو الخوف الذي حفر فيّ مثل الجرافة، داخل أعماقي.. بقلبي.. بروحي …بعيني.. بأذني ..بركبي، ياه ما أصعب الخوف بالركب وهي ترتجف ، وكنت لا أعرف من أي الآلام أرتجف.. أأرجف من البرد؟ أم من الجوع ؟ أم من الخوف ؟ ،،،، ولكن ..وبعد مدة قصيرة من اعتقالي ..شرعت بتأسيس مسرح داخل المعتقل..! نعم ..مسرح بكل عناصره ..ديكور ..ملابس …وحتى أني أقنعت شرطيين ليمثلوا معي ..وحصل..!!”

وقتها كتبت الآتي فصار عقيدتي التي لن أتنازل عنها ماحييت:””” الآن في الساعة الثالثة من القرن العشرين حيث لاشيء يفصل جثث الموتى عن أحذية المارة سوى الإسفلت، سأتكئ في عرض الشارع كشيوخ البدو ولن أنهض حتى تُجمع كل قضبان السجون وإضرابات المشبوهين في العالم وتوضع أمامي لألوكها كالجَمَل على قارعة الطريق حتى تفر كل هرّاوات الشرطة والمتظاهرين من قبضات أصحابها وتعود أغصاناً مزهرة مرة أخرى في غاباتها. الجوع والخوف والعار والفشل وأنا مع الإمام علي لما يقول الفشل شكل من أشكال الموت.”

في أيامه الأخيرة ، هزم المرض جسد المناضل العتيد وأقعده على كرسي متحرك، وقبل ثلاث أسابيع من رحيله، تسلم جائزة السلطان عويس عن مشواره الأدبي الطويل، كان يجلس على كرسيه المتحرك في حفل الافتتاح ، والكل ينظر إليه بحزن مرير فيما كان يبتسم ، كان الجميع قياماً لحظة عزف النشيد الوطني لتلك الدولة، إلاه،،، لحظتها انحنى صحفي بحزن وهمس في أذن الشاعر مواسياً إياه قائلاً:” أنا حزين لأجلك لأنك لاتستطيع الوقوف” فضحك الماغوط ورد قائلاً:” على العكس أنا بأفضل حال منك ..فائدة هذا الكرسي أنه يعطيك العذر بأن لاتضطر للوقوف ,,للنشيد الوطني!!”

ولما استلم الجائزة المالية سأله حشري:” ماذا ستفعل بكل هذا المال؟”

فرد مبتسماً:” فرحت به كفرح صبي تلقى كره هدية…لم يعد عندي ملذات..سأصرفه على الدواء!!!!” ..

عاش “العصفور الأحدب الكثير من عمره في فقر مدقع ..ولما حصل على المال ..كان قد بقي له من العمر ثلاث أيام ….!!!

..ورحل البدوي الأحمر في الثالث من نيسان 2006 ..تاركاً وراءه وطناً سجيناً فيه من الأحرار ما يسدّ عين الشمس.

يقول الماغوط متندراً:” أشعر بالندم لأني تعلمت القراءة والكتابة ،كنت أتمنى لو بقيت ذاك الفتى الأميّ الذي يرعى الغنم ، ويعيش في القرية حياة النَور والغجر..”

التصنيفات : الأخبـــــار

الكاتب:syr2015

صوت المعارضة السورية الصادق

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

%d مدونون معجبون بهذه: