دعائم المجتمع: قراءة أولية في السياق السوري

f5f097d9ccf26d3a3b893321b279f91a

“طلال الميهني-المستقبل اللبنانية”

قد تُوحِي هذه المقالة بحَدِيثٍ عن المسرحية التي أبْدَعَها النرويجي «هنريك إيبسن» عام 1877، أو عن إحدى أهم المقالات التي كتبها البريطاني «ألفريد غاردينر» عام 1913، أو اللوحة المعبّرة التي رسمها الألماني «جورج غروسز»؛ فقد حملتْ كلُّ هذه الأعمال العنوان ذاته «دعائم المجتمع». ومع الإقرار بتشابهٍ مع العنوان الذي اخْتَرْتُهُ للمقالة الحالية التي بين أيديكم، إلا أن مَقَالَتِي هذه غيرُ مَعْنِيّةٍ بعقْدِ مُقَارَبةٍ تَجْريديةٍ أو رَمْزِيةٍ «لدعائم المجتمع» بصورتها العامة؛ تلك الدعائم التي يُمكنُ تلخيصها في: الأسرة، والحكومة، والدين، والاقتصاد. وعوضاً عن ذلك، ستُقارِب هذه المقالة، وباختصارٍ شديد، الدعائم «المباشرة» التي مَكَّنَتِ «المجتمع السوري» بشكلٍ خاصٍ، من الاستمرار عَمَلِيّاً، بصيغته اللاحداثية، في ظل الدولة السورية الحديثة.

في الحقيقة، لا يمكن الحديث عن «مجتمعٍ سوريٍ» بالمعنى الشائع والحداثي للكلمة، ليس لأنه متنوعٌ وغير متجانسٍ، فهذا حال معظم المجتمعات، ولكن لعجز مُكوّناته السكانية، على مدى عقود، عن تجاوز (ولا أتحدث هنا عن إلغاء) مُحَدِّدَات هويّاتها التقليدية واللاحداثية. تلك المُحَدِّدات التي تتقاطع فيها المَرْجِعِيّات الطّبَقية بالدينية بالطائفية بالمناطقية بالعشائرية، وتَغيبُ عنها مرجعيّات الدولة الحديثة، وحُكْم القانون، والإنسان المواطن. وبالتالي لم تستطع المكوّنات السكانية في سوريا، نتيجة ذلك العجز، الناجم عن أسبابٍ متعددة ومتداخلة، أن تتصالح أو تتأقلم مع متطلبات الحداثة بشكلٍ عام، والحداثة السياسية بشكلٍ خاص.

فقد وُضِعَت المُكَوِّناتُ السكانية في سوريا، بُعَيْد الحرب العالمية الأولى، في مُواجَهَةٍ مُفاجِئةٍ وحادّةٍ مع مفهوم «الدولة السورية». حيث خَلَقَتْ فكرة الدولة، كَكِيانٍ سياسي لم يشاركْ أبناؤُه في تشكيله، واقعاً جديداً وغير مسبوقٍ، خاصةً أن الوَعْيَ الجمْعِيَ لم يكُنْ مُسَلّحاً بهويةٍ سوريةٍ صُلْبةٍ تسمح له، تلقائياً، بالانتماء إلى الوطن السوري بحدوده المعروفة منذ لحظة التأسيس. أدّى هذا الواقع الجديد إلى انكفاءٍ غير واعٍ للمُكَوِّنات السكانية، في «سوريا السياسية»، على مُحَدِّداتها الأولية، وانسحابها أو ارتهانها إلى دعواتٍ إيديولوجيةٍ عابرةٍ للحدود. ومن سوء حظ السوريين فقد تضافر ذلك مع صعود أنظمةٍ مُسْتَبِدّةٍ (النظام الناصري والبعثي) جَفّفَتِ الحقل العام، وصادَرَتِ الشروط اللازمة لأي تحولٍ حداثيٍ مُحْتَمَل. لقد خَلَقَ كل ما سَبَقَ إشكاليةً كبرى تُعاني منها المكونات السكانية/»المجتمع السوري»/الدولة السورية. ويَتَمَحْوَرُ جَوْهَر هذه الإشكالية الكبرى حول حالة انفصامٍ على مستوى «الذات السورية»، مما يُوَلِّدُ صراعاً خَفِياً يُسْهِمُ في استمراره ذلك المزج المتزامن والمُشَوّه، على الصعيد السياسي، بين اللاحداثي والحداثي.

ولكنْ إنْ كان الأمر كذلك، فكيف استطاعتِ المكوناتُ السكانية في سوريا، بمرجعياتها اللاحداثية، الاستمرار في ظل كينونةٍ سياسيةٍ واحدةٍ يُفْتَرَضُ أنها مُنْتَجٌ حداثي؟ كيف استطاعتِ التعايش مع حالة «اللاوعي» بمفاهيم الهوية والانتماء الوطني؟ سيقودنا تحليل العوامل التي ساعدت المكونات السكانية على الاستمرار مع بعضها، في الإطار السياسي للدولة السورية، رغم حالة الانفصام، ورغم الشروط غير الملائمة، إلى أربع دعائم رئيسية شَكَّلَتِ الأساس الذي حافظ على «المجتمع السوري»، وفق مفهوم «الوحدة الوطنية» في صيغتها الشائعة الحالية:

الدعامة الأولى: القِيَم الأهلية الحميدة والموروثة، والمُعْتَمِدة على أواصر القُرْبى، والتعاضد، والتكافل الاجتماعي. إلا أنه يجب الانتباه إلى أن القيم الأهلية قد تحمل ملامح سلبية تَعْمَدُ إلى خلق «الآخر»، وترسيخِ كَوْنِهِ «آخر»، والتمايز عنه، ورفضه، وقد يصل الأمر إلى الاقتتال معه، أو السعي إلى استئصاله.

الدعامة الثانية: الكفاح ضد الانتداب الفرنسي وما تَمَخَّضَ عنه من استقلالٍ وسيادة. وقد استطاع ذلك تأسيس حسٍّ سياديٍ عامٍ لدى السوريين. إلا أن هذا الحس السيادي، بسبب عدم نضجه على مستوى المفاهيم النظرية، بقي محصوراً في صيغته اللاواعية، ولم يستطع أن يتحول إلى حسٍ سياديٍ واعٍ.

الدعامة الثالثة: وجود اسرائيل كعدوٍ خارجي. إذ من السّهل شحْذُ الهِمَم، وتوحيد الناس ضد خطرٍ خارجيٍ داهِمٍ أو مُحْتَمَل. وللأسف تُسْتَخْدَم هذه المقاربة الوطنية، من قِبَلِ المستبد، بشكلٍ مُسْرِفٍ وغير مُنْتِجٍ، كورقةٍ لتعويض النقص والخلل الداخلي على مستوى التعاقد الاجتماعي المَبْتور.

الدعامة الرابعة: فهي، وللمفارقة، الاستبداد بحدِّ ذاته. فَمَعَ أن الاستبداد سلبيٌ في الجوهر، إلا أنه قد يعطي نتائج إيجابية كاذبة على المدى القريب. ولكن هذه الإيجابية الكاذبة لا تلبث أن تتنكَّسَ وتكْشِفَ عن وجهها الحقيقي تاركةً أثَرَها السلبي المُدَمِّر على المدى البعيد.

لن أسْهِبَ، في هذا المقال، في شرح هذه الدعامات الأربعة، ولكني سأشير إلى أنها كَفَلَتْ، مؤقتاً على الأقل، وبحدٍّ أدنى من الشروط الملائمة، اجتماع السوريين في بنيةٍ سياسيةٍ واحدة. لكن من المهم الانتباه إلى التحوّلات الأخيرة التي أصابَتْ، وتُصِيب، هذه الدعائم، وتأثير هذه التحوّلات على «المجتمع السوري» في إطار «الدولة السورية».

فتحطيم إحدى هذه الدعائم، دون تعويضها أو تدعيمها، سيؤدي إلى خللٍ على مستوى «المكونات السكانية» في «سوريا السياسية». ويتناسب هذا الخلل طَرْداً مع عدد الدعائم المُحَطَّمة دون استبدالٍ أو تدعيم. وفي الحالة السورية المثالية، ولضمان تغييرٍ صِحِّيٍ وآمِنٍ، كان لا بد من المحافظة على مفهوم السيادة، وفكرة العدو الخارجي، مع تغيير الاستبداد بشكلٍ موازٍ لطرح مفهوم «المواطنة« كَبَدِيلٍ حقيقيٍ عنه، وتدعيم القِيَم الأهلية بقِيَمٍ مَدَنِيّةٍ حداثيةٍ قادرةٍ على الحدِّ من الملامح السلبية المحتملة، والتأقلم مع متطلبات الدولة الحديثة.

إلا أن عملية الاستبدال والتدعيم عمليةٌ صعبةٌ ومعقدةٌ، وتحتاج ظروفاً مختلفةً لم تتوفر في سياق الشهور القليلة من عمر الانتفاضة السورية. وللأسف كان من الملحوظ بأن النظام المستبد، وبعض الأطراف في المعارضة، لم تتبارَ فقط في عرقلة آليات الاستبدال والتدعيم المنشود، بل في زعزعة الدعائم الأربعة كلها.

أما تحطيم الدعائم الأربعة، وهو أسوأ السيناريوهات، فسوف يضع «المجتمع السوري»، اللاحداثي والهش أصلاً، بمكوناته السكانية المختلفة في حالةٍ حرجةٍ جداً على حافة الانهيار. وقد يُهَدِّدُ ذلك بتَحَوُّلِ «الدولة السورية» التي صَادَرَها النظام إلى «دولةٍ فاشلة»، مع تَنَكُّسٍ شاملٍ في «المجتمع السوري»، وعَوْدَتِه إلى مرحلة ما قبل الدولة، أي إلى «حالة الطبيعة» القاسية والمتوحشة، وِفْقَ رؤية المُنَظِّر الإنكليزي توماس هوبز، التي تتمثل في «حَرْبِ الكُلِّ على الكُلِّ».

من المتوقع أن تطرح مقاربة هذه الإشكالية الكبرى، التي عَرَضَتْها هذه المقالة، سلسلةً من الأسئلة المترابطة التي تنتظر الإجابة إنْ أرَدْنا خلق حلولٍ جذريةٍ (وليس مجرد حلولٍ شَكْلِية) للكوارث الاجتماعية التي تجتاح سوريا: ترى هل يمكن الحديث جدّياً عن «مجتمعٍ سوريٍ» في إطار «دولةٍ سوريةٍ» قبل إبداع هويةٍ وطنيةٍ سورية؟ أو قبل تأسيس انتماءٍ وطنيٍ حقيقيٍ إلى هذه «الدولة السورية»؟ وكيف لنا أن نقوم بذلك و»الدولة السورية» بحدِّ ذاتها كينونةٌ لم تعترف بها الإيديولوجيات التي حَكَمَتْ سوريا، فاعْتَبَرَتْها، اجتزاءً استعمارياً طارئاً، وفي أحسن الأحوال، كياناً مؤقتاً قبل تحقيق حلم الانصهار بالمحيط العربي أو الإسلامي؟ هل يمكن الوصول إلى ما سبق ونحن نحمل عقليةً ذات وعيٍ مُشَوَّشٍ عن ماهية «الدولة السورية» التي نسعى إلى بنائها؟

تحتاج هذه الأسئلة، بكل تأكيد، إلى ثورةٍ فكريةٍ عارمةٍ تمارس إبداعها بكل حرية، بعيداً عن طغيان الاستبداد الجاثم، وسَوْط الجلاد المُسلّط. ولكن كيف للسوريين أن يجيبوا عن هذه الأسئلة؟ كيف لهم أن ينالوا أصلاً «ترف التفكير» بهذه الأسئلة؟ فالسوريون الذين عانوا عقوداً من التهميش والحرمان يُمْضُون أيامهم في إحصاء الضحايا، ومداواة الجراح، وانتظار لحظة الموت وهم يَبِيتُون ويُصْبِحون على وقع القنابل والمُجَنْزَرَات. وتبقى كل هذه الأسئلة مطروحةً بانتظار الإجابات، وتبقى الإجابات مرهونةً بأملٍ ما: أملٍ يوقف شلال الدم السوري المسفوك أولاً وقبل كل شيء، ويُمَهِّدُ لإزالة المستبد، ويمنح السوريين فرصة العيش وتَرَفَ التفكير بكرامةٍ وحرية.

التصنيفات : الأخبـــــار

One Comment في “دعائم المجتمع: قراءة أولية في السياق السوري”

  1. GEORGES MAAMARI
    2013/01/06 في 06:34 #

    على الرغم من أن /المستقبل / نادرا ما تأتي على طرح دراسات موضوعية ، فإن مقالتك تأتي موضوعية بكل معنى الكلمة ، لكنها تأتي على توصيف الحال السوري كما هو ،أكاديميا ، وعلى خلفية من معطيات الدراسات ذات المنهج الوصفي ، ذلك أن الحال السورية لا تختلف كثيرا عن أية حال من حالات الدول الحديثة التي انبثقت في النصف الثاني من القرن الماضي ، فالحال السورية ليست حالا متفردة في النوع ، بقدر ما هي نموذج عن حالات كثيرة تتسطح على كامل سطح الكرة الأرضية بحيث يمكننا القول أن الحال السورية هي حال مختلف الدول الأعضاء في الأمم المتحدة والتي تُعَدُّ في مجملها من الدول الحديثة التي صاعها بشكل أو بآخر تفكك امبراطوريات القرن التاسع عشر وبروز قوى ما بعد الحربين الأولى والثانية ،وعليه يمكن القول أن ما تعانيه سورية الدولة اليوم ما هو إلا إحدى نتائج التجزئة السياسية المشار اليها أعلاه ، أي تجزئة المجتمعات الطبيعية المتكونة تاريخيا على عكس تلك التي تفتقر لتاريخ طويل حمل معه مختلف ترسباته العرقية والاثنية وأخص بالذكر هنا ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ الولايات المتحدة الأمريكية فهي مجتمع تكون تاريخيا من مهاجرين من مختلف أصقاع الأرض قاسمهم المشترك / الهجرة / الى أرض جديدة شكل سكانها الأصليون أقلية منذ أن وطئت أرضهم قوافل المهاجريين الأوروبيون وما تبعهم من المهاجرين الآخرين ، وعليه لم يكن بمقدور أية فئة من المهاجرين احتواء البقية منهم ، فكان لابد لهم والحال هي هذه من التكيف مع الواقع ، وبالطبع بعد معارك طويلة امتدت على مدى ثلاثماية عام ولم تنتهي إلاّ في نهايات الستينيات من القرن الماضي ..
    ما أود قوله في هذا السياق ، أن موقع القارة الأمريكية من العالم ساهم كثيرا في صياغة مستقبلها الذي يتمثل حاضرا باندماج مختلف سكانها الشماليون منهم والجنوبيون في اطار تعددية عرقية اثنية ، على عكس الحال في ما سمي بمنطقة الشرق الأوسط ـ ومنها سورية ـ والتي كانت على الدوام محطَّ أطماع مختلف شعوب الأرض عبر التاريخ من الصين حتى بريطانيا ، ولا نثتثني في هذا المقام القارة الأفريقية ومعظم شعوب أسيا ، لكن مقالتك حددت سورية ومن هنا نختصر تعليقنا عليها ، هذه الأطماع التاريخية خلقت مزيجا متنوعا في العرق والأثنية مما أوجد حالة من الإرباك في عملية المزج التاريخي لهذه الأعراق والاثنيات والتي استمرت بتفاعلاتها السلبية بتحريض غربي طامع في خيراتها خاصة بعدما اكتشفت ثرواتها فباتت أكثر المناطق اشتهاء لكل دولة وجدت من نفسعا القوة على الاستئثار بهذه الخيرات ..
    لم تترك هذه الأطماع المجتمع السوري ليعيد تشكيل ذاته بهدوء ، بل على العكس كان تحريض الطامعين به أكثر العوامل فتكا به ، لذا تراه على هذه الحال التي هو بها ، فالتاريخ يعيد تشكيل مكوناته العرقية والاثنية بقوة التحريض الاستعماري الناهب لخيرات الشعوب ، والذي يُبقي على الجهل الجمعي في التكوين المجتمعي ، هي ذي الحال السورية الراهنة ، حيث لايمكن القول باستفراد عامل دون آخر في ما نشهده اليوم من صراع دموي يندى له جبين البشرية جمعاء ، صراع لا شك في أن نتائجه لن تبقى في حدود سايكس بيكو بل سوف تتعداها لتشمل العالم أجمع ، ولتعيد صياغة دين جديد يرفع النفوس من الأرض الى السماء بعدما شهدت هذه الأرض أديانا تهبط عليها من السماء ، دين جديد ليس فيه لبس وغموض يستدعي الشرع والافتاء به، دين أقرب ما يكون للحقيقة الرياضية التي لا منازع لها في موضوعيتها
    ما أود اختتام ردي على مقالتك ، مع تقديري للموضوعية التي جاءت بها ، هو أن سورية ليست حالة مستفرد ة، في مختلف اشكالياتها أسبابا وعوامل ومنطلقات ، أساليبا ووسائل وكيفيات ، أهدافا وغايات ، بل هي مثال لما نعانيهعموما في سمي / الشرق الأوسط

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

%d مدونون معجبون بهذه: