برنامج صدى المواطنة: أمل نصر ودور المرأة في الثورة السورية

 https://www.youtube.com/watch?v=obzg27lfB10

 

عبر تاريخنا الطويل كان للمرأة دور بارز في النضال والكفاح ضد الظلم والقهر والطغيان. ولم يقتصر هذا الدور على جانب معين، بل كان يشمل مختلف جوانب الحياة وخصوصاً عند الملمات والأزمات. كما لم يقتصر كفاح المرأة ضد الاستبداد على زمن معين، فحوادث التاريخ مَلىء بالخنساوات اللواتي ضربنّ أروع الأمثلة في التضحية والصمود.

فإنَّ سوريا لها في كل بيت خنساء …. فمع انطلاق شرارة الثورة، سارعت المرأة السورية لتأخد مكانها الطبيعي في هذه الثورة. فرأيناها ناشطة إعلامية – كالناشطة بنان الحسن-  تنقل للعالم مايجري على الأرض من جرائم وحشية بشعة يندى لها جبين البشرية، مخاطرةً بروحها لتنقل الكلمة الصادقة علّها تُسْمع مَنْ به صَمَمُ. كما رأيناها طبيبةً تعالج الجرحى في البيوت والمستشفيات الميدانية، فهي تسعى جاهدةً لتضميد جراحهم وآلامهم محاولةً أن تُعيد لهم الحياة والأمل بغدٍ أفضل. لا أنسى تلك الأم التي كانت تضمد جراح الثوار في جبل الزاوية الصامد عندما فوجئت بجثة ابنها بين الشهداء فأخذت  تحتضنه وتقبله وهو مضرج بدمائه في مشهد يبكي الحجر قبل البشر…. في مشهد يجعل القلوب تعتصر دماً…. في مشهدٍ يهز ضمير الإنسانية إن لم يعلن وفاته.

لقد شاركت المرأة في عرس الثورة منذ بزوغ فجرها وتعرضت للقتل والاغتصاب والضرب والشتم بأقذع الكلمات النابية. فلا زلنا نذكر ماحدث للناشطة مروة الغميان  وزميلاتها في ساحة المرجة على أيدي عناصر المخابرات، كيف تعرضن للضرب والإهانة حتى أنّ عناصر الأمن الأسدي سحلوا بعضهن في الشوارع بطريقة مهينة ومخالفة لكل الأعراف والتقاليد. كما لا زلنا نذكر الناشطة مروة الغميان عندما كانت تردد شعارات الحرية في شوارع وأزقة دمشق القديمة وإذا بمجرمي الأمن السوري ينهالون عليها كالوحوش الضارية بطريقة لا تعرف للإنسانية معنىً ولم يكتفوا بذلك بل ألحقوا بها بعضاً من أفراد عائلتها إلى أقبية زنازينهم المظلمة. لقد رأينا المرأة السورية صحفية ومحامية وكاتبة و………و……… و……… وقبل هذا وذاك رأيناها الأم الحانية التي علمت البشرية معنى التضحية. الأم التي لم تبخل على بلدها وشعبها بالأبطال والشهداء، فلقد رأيناها تقدم فلذات أكبادها الواحد تلو الآخر في سبيل أن ينعم الوطن بالحرية والكرامة، في سبيل رفعة الشعب وعزته. لقد رأيناها أم الشهيد وزوجة الشهيد وأخت الشهيد وابنة الشهيد وعمة الشهيد وخالة الشهيد وقريبة الشهيد. فالثورة السورية حافلة بالخنساوات اللواتي قدمنّ دروساً عظيمة في البذل والعطاء،

لمرأة السورية شاركت جنباً إلى جنب مع الرجل في صنع وحماية هذه الثورة المباركة. حيث كانت خير مثال على التضحية والصمود في وجه النظام الأسدي الغاشم. كيف لا والشيء من معدنه لا يُستغرب، فلقد كانت المرأة السورية عبر تاريخها شعلة مضيئة في وجه ظلام الديكتاتورية والاستبداد.فهي المنارة التي ستنير لأولادنا طريق الحرية والكرامة، طريق المجد والخلود. إنها الخنساء السورية.

لسنا بحاجة إلى البحث عن براهين للحديث عن دورٍ نسائي . إنهُن في كل مراكز ودوائر الثورة ومطارحها : مُنظِّمات ، متظاهرات ، كاتبات ، اعلاميات ، مُكافِحات ضد محاولات السلطة الدفع إلى حربٍ أهلية ، ممرضات ، امهات واخوات وزوجات الشهداء ، نازحات . وكلنا حفظنا أسماءً بعضها تخطى صداه ليس سوريا وحسب بل العالم العربي ايضاً : آخرها ريما “ذات الرداء الأحمر” خلال التحرك الأخير لحملة “اوقفوا القتل . نريد ان نبني وطناً لكل السوريين” .

خصوصيتهن يصنعها موقف الآخر، الرجل أحياناً . بهذا المعنى بدا إشكالياً لهُنَّ ميل البعض إلى وصفهن ب “اخوات الرجال” . فبقدر ما شكل ذلك مديحاً في عرف قائليه لشجاعتهن ، بقدر ما أحسسسنه تقليدياً وداغماً لجانب كامل من هويتهن ولا يعبر عن عيشهن لهذا الدور . فمشاركتهن تأتي كنساء وكسوريات قبل كل شيء . المرأة شُجاعة كما في رواية “الأم” لغوركي ومسرحية “الأم شجاعة” لبرتولد بريخت . هي رحم الشجاعة وولاَّدتها ، لا تحتاج في ذلك للتعصيب بمُذكَّر . هي رحم خيال الثورة ودلالة خصبه .

تقول لافتة تجمعت حولها جمهرة كبيرة من نساء عامودا غالبيتها شابة “هل سيتخلص الرجل من العقلية الأسدية بسقوط النظام ؟”. هذا السؤال الذي يمكن أن يغدو مفتاحياً لا يتكرر مع ذلك كثيراً . من جهةٍ لتعدد وتفاوت البيئات التي تصدر عنها الثورة والمشاركات النسائية ، ومن جهة ثانية لأن الحرب التي شنها ويشنها النظام بكل أجهزة ووسائل العنف بلغت منسوباً من السينيكية والوحشية المنفلتة والشمول عرَّض علاقات ومواد الاجتماع والوصل “الطبيعية” نفسها لاختلال استثنائي . وبمعنى ما فإنها أرجأت وقنَّعت هذا السؤال ليسيل ويتفرَّع كسواقٍ جوفية في نهر الثورة الطويل . ومن جهة ثالثة وربما الأهم لأن الثورة لا بد أن تجب ما قبلها وأن وقت البحث آتٍ لا محالة .

والحال أنه ثمة حقيقتان تعرفهما نساء سوريا جيداً . من جهة فإن التمييز ضد المرأة لم ينخفض نوعياً اثناء حكم البعث . فالعلمانية المُدَّعاة لم تكن غير تحجيبٍ تضليلي للواقع السياسي بينما بقيت قوانين الأحوال الشخصية ومرجعياتها القضائية على حالها جوهرياً( الزواج والحضانة والمواريث) . حيث كانت التحسينات هامشية وطرفية ( التعديلات في قوانين الاحوال الشخصية لبعض الطوائف المسيحية بصورة اساسية ) . ومن جهة ثانية فإن التمييز السلبي الموروث في عالم العمل كمكون رئيسي للهوية الاجتماعية لم يتغير إعداداً ودخولاً وشروطاً . وعلى العكس من ذلك فإن النظام في إعادة تركيبه للتراتبيات البيروقراطية في الادارة والمؤسسات العامة انطلاقاً من معايير الولاء والانتماءات الفرعية ما قبل الدولتية ومن ثم بزوغ تحالف الرأسمالية المنفلتة والمكون الأمني-العسكري لم يفعلا سوى تبئيس شروط عمل النساء في غياب الحريات العامة والتنظيمات النقابية والمهنية المستقلة . ترسيمة تبدو نتيجة منطقية لاستئثار السلطة بالفضاء السياسي العام ومشاركتها المؤسسة الدينية والقوى التقليدية والعشائرية في إمساك المجتمع الاهلي الذي يغلب عليه الطابع البطريركي .

دخلت المرأة السورية بشكل أوسع في عالم العمل لكن في شروط أسوأ وبدون أن تتخفف من اشكالية العمل المنزلي الذي لأنه غير منتجٍ لأجرٍ معلوم ، غالباً ما لا يُعتبَر عملاً وفق نقد الحركات النسوية . ما دفع السلطة إلى تشجيع تصريف التأزم الناتج عن مُجمَل تردي الشرط النسائي في قنوات التديُن وبخاصة التسحيري منه كظاهرة القبيسيات وسواها . لكن الوكيل يبطل بحضور الأصيل . الثورة كانت حضور الأصيل و استعادة النساء للكلام وإخماد ضجيج اللامعنى الذي قبلها .

إسقاط النظام هو البدء الذي لا بد منه . والثائرات السوريات ( لا الحرائر كما لو في مجتمع يقوم على تمييز بين عبيد وأحرار)لا بد مُدرِكاتٍ بالحدس إن لم يكن باليقين أن مساواتهُنَّ الفعلية بالرجل في سوريا جديدة رهنٌ بما هو أكثر من هذا الشرط البدئي الذي لا غنى عنه . المرأة السورية يُلقى على عاتقها أن تكون أكثر تحريرية من الرجل . تحريرية تشبه تلك التي كان ينسبها ماركسيو المواضي المنصرمة إلى الطبقة العاملة التي تحرر العالم من الصراع الطبقي واستغلال الانسان للانسان عبر تحرير نفسها .

سيكون على المرأة أكثر من إرساء انسجام التشريعات الوطنية مع الدولية والتزامها نصاً وتطبيقاً، وإيجاد قانون مدني للأحوال الشخصية وفق الخطاب العلماني الكلاسيكي . إذ عليها أن تحمل العبء الأكبر من إعادة تقييم الموروث المعرفي وتشذيبه من مُركّب التفوق الذكوري . وبذلك رُبّما يتم الجواب على لافتة عامودا وسؤالها النفاذ “هل سيتخلص الرجل من العقلية الأسدية بسقوط النظام ؟”.

التصنيفات : الأخبـــــار

الكاتب:syr2015

صوت المعارضة السورية الصادق

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

%d مدونون معجبون بهذه: