لكسب لقمة العيش بحلب …. صاحب معمل على عربة “كش وشوي” ونحات يبيع الخضار والفواكه

1

“سيريا نيوز”

” الشغل مو عيب ” بهذه الكلمات بدأ يعقوب صاحب معملين صغيرين بمدينة حلب حديثه حين التقينا به في إحدى الشوارع الراقية وهو يقف أمام منقل الفحم يشوي اللحم (الكباب) ويبيع الزبائن متحدياً مطاعم المدينة بجودة ما يقدم بحسب قوله ، متناسيا في الوقت عينه ما حل بمعامله من تخريب وتدمير وانتهاكات نتيجة الاشتباكات التي تعصف بالمدينة .

فيعقوب الصناعي الشاب صاحب معمل لحقن قوالب البلاستيك ومعمل آخر فيه عدة آلات للخراطة بمنطقة العرقوب الصناعية ، و الذي يملك سيارة حديثة ويقطن في حي العزيزية الراقي ، لم يجد حرجاً من افتراش الرصيف وجعل السماء سقف له بالقرب من منزله هو وآخاه وعمه ( والد زوجته) لبيع صندويشات الحم المشوي والفروج في مصلحة يسميها أهل حلب عربة ” كش وشوي ” ذلك بعد انقطاع باب رزقه مع ما تشهده مدينته من معارك ، خاصة منطقة عمله التي تحولت لبؤرة ساخنة بين طرفي النزاع وعمليات كر وفر بينهما .

عودة الشاب لعمله السابق هي كما قال : “مسألة وقت” منوط بانتهاء الأزمة الحالية وحين تضع المعارك أوزارها ، ستة أشهر مرت لم يرى فيها الصناعي معامله فأشغاله توقفت حتى قبل دخول مسلحي المعارضة المدينة ، ذلك منذ بدء إحكام سيطرتهم على ريف حلب الشمالي والشرقي .

اشتداد المعارك و انقطاع باب الرزق وغياب الرقابة وسلطة البلدية بالمدينة جعلت من الشارع خياره المتاح ورغم روائح الشواء وما يسببه هذا من إزعاج للجوار ومخالفة للقانون سابقاً ، إلا أن أحد لم يتعرض له هذه الأيام من الأمن أو من أبناء المنطقة فالجميع جيرانه وزبائنه ، وإن سأل أحدهم و طالبه بالتوقف يكون جوابه ” أعد لي معملي أتوقف عن الشواء ” .

لم يكن يعقوب الوحيد ممن لجأ ” للكش والشوي ” ليكسب رزقه فالعديد من أبناء منطقته ومن العاطلين عن العمل الجدد في مختلف مناطق حلب تمترسوا كل في زاويته ليخرج مصروفه في ظل الأوضاع الصعبة خاصة مع موجة الغلاء الجنونية التي ضربت المدينة بداية الأحداث ، لتمتلئ بذلك فضاءات المدينة برائحة الشواء الممزوجة مع رائحة الحرائق والقذائف والقتال .

آخرون ممن ضاقت بهم الحال في ظل الظروف الراهنة لجئ لوسائل أخرى لكسب رزقه ، فلا يخلو شارع اليوم رئيسياً كان أو فرعياً من الباعة ، البعض انتهز حلول فصل الشتاء ففضل المتاجرة ببيع المدافئ الكهربائية أو مدافئ الحطب ، منهم من رغب بمداعبة غرائز الأطفال ونهمه للمأكولات والبسكويت ، آخر عرض أدوات تنظيف وغسيل تركية المنشأ بعد توقف معظم معامل المدينة والمحافظات الأخرى عن العمل .

أغلبية العاطلين عن العمل والراغبين بكسب رزقهم بعرق جبينهم فضلوا بيع الخضار والفواكه فالموضوع بحسب سامر رب أسرة أربعيني “لا يتطلب الشيء الكثير فالقليل من المال يفي بالغرض والذهاب كل يوم صباحاً إلى مدخل مدينة حلب الجنوبي الغربي عند مستديرة دوار الموت للتبضع ومكان مناسب للبيع قريب من المنزل” .

سامر لا يفقه الكثير بالفواكه والخضار فهو نحات ورغم موهبته وعمره الكبير نسبياً فهو لا يزال يتابع تعليمه في كلية الفنون ، ومع خسارته لوظيفته التي كان يعتش منها كأستاذ في إحدى المدارس الخاصة سابقاً ، فضل العمل “كخضرجي ” ليستطيع تأمين معيشته .

على مقربة من سامر وفي طرف الجادة تشاهد فواكه وخضار الأربعيني الأخر شادي الصناعي الذي كان يعمل بلف المحركات و يتعذر حاليا عليه الوصول لمحله الكائن على اطراف الميدان بالقرب من سليمان الحلبي وهي من مناطق التي شهدت عمليات كر وفر كثيرة بين الجيشين يساعده في عمله الجديد والده سائق التكسي الذي لا يستطيع العمل بالمدينة لتقطع أوصالها .

يقول شادي أنه : “لجأ لبيت احد أقربائه في منطقة السليمانية بعد دخول الجيش الحر منطقة بيته وعمله في الميدان ” وبعد جلوسه لأكثر من شهر بانتظار رحمة الله ونهاية المشكلة دون جدوى اضطر للبحث عن مصدر آخر لرزقه في بيع الخضار والفواكه أمام البيت الذي نزح إليه ، لا أحد يعيق عمله يتابع شادي “فالحكومة تغض الطرف وغير موجودة والجيران ممنونين لتأمين خضارهم والفواكه بأسعار مناسبة فالمعيشة صعبة و هو مضطر للعمل” كما قال .

عمل آخر أمتهنه الحلبي هذه الأيام فمحمد شاب ثلاثيني تاجر قطع تبديل توقفت أعماله بشكل كامل ، استغل معرفته بقيادة السيارة وامتلاكه واحدة فبدء العمل على توصيل معارفه وأصدقائه والأقرباء والراغبين بالسفر على طريق المطار متجاهلا بذلك مخاطر الرحلة من المدينة باتجاه المطار الذي بات خط تماس بين طرفي النزاع ، مستهجناً في الوقت عينه خبر وفاة أحد السائقين من زملائه برصاص طائش منذ مدة على نفس الطريق أثناء حدوث اشتباك بالقرب من جسر الراموسة الواصل للمطار .

في المقابل عامر موظف قطاع خاص فقد عمله حالياً فضل العمل على سيارة صديق له ضمن المدينة كطلبات توصيل خاصة أو على خط سرفيس الميدان الذي قال أنه أقل ربحاً بالتأكيد لكن خطره أقل بكثير من العمل على خط طريق المطار المحفوف بالمخاطر .

لا مكان لليأس والإحباط في المدينة فالمعيشة باتت من الصعوبة في ظل فقدان المواد و غلاء الأسعار ، جميل صاحب محل مفروشات كبير بشارع قسطاكي حمصي وسط المدينة بدء بالمتاجرة بالمواد الغذائية وأدوات التنظيف ، الشارع الفاصل بين منطقتي الشيخ مقصود غربي والأشرفية زرع ببائعي الطاقة بنزين ومازوت وأسطوانات الغاز التي فقدت من أماكن بيعها الرسمية وبات وجودها محصوراً في السوق السوداء .

البعض من أبناء المدينة امتهن بسطات بيع ربطات الخبز قرب الأفران ، هذا قبل توقف الأخيرة عن العمل بشكل تام حيث بات تأمين رغيف الخبز أصعب من شراء السلاح والذخيرة في المدينة ، مناطق راقية كحي الفرقان والجامعة وحلب الجديدة وشارع النيل والجميلية تحولت لأسواق شعبية تزدحم بالبسطات على مختلف أنواعها ، و يتناقل ابناء تلك المناطق وعلى سبيل المزاح الحديث أن منازلهم التي كانت تباع بالملايين ويحلم بها الجميع باتت كابوسا يلاحق سكانها بعدما فقدت الكثير من قيمتها.

التصنيفات : الأخبـــــار

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

%d مدونون معجبون بهذه: