المهرولون.. قدامى وجدد مع بعض شيوخ .. أسامة الطويل

يبدو أن مصطلح الدفاع عن النفس في صراع وطننا المأساوي أخذ طابعا ايديولوجيا منهجيا، فخرج من اطاره الشرعي القانوني ليصبح “تبريرا” للقتل وذريعة “نضالية” بدونها لا تحلو “الرفاقية أو “الأخوّة في الله والجهاد”، لهذا المبرر هوجم أصحاب المبدأ السلمي والعقلاني بل خُوّنوا أكثر مما خون النظام نفسه ، وكيل لهم بالرغم من سيرتهم النضالية ومعاناتهم في سجون النظام القمعي الهمجي، بل وهُددوا بالعقاب اسوة بأزلام النظام . وكأنهم أسقطوا حق “الدفاع عن النفس” عن المظلومين والمستضعفين.

ها نحن نشهد على مهزلة أبطالها أبناء الوطن الواحد ، اختلفوا على الرؤية وعلى الوسيلة ، فبدلا من أن يتحاوروا فيما بينهم كما تقتضي مسببات الثورة وأخلاقياتها ، أخذوا ينتهجون أسلوب النظام نهجا ومعاملة بل ربما تفوقوا عليه وعلى همجيته في بعض المواقع والحالات ، فكان مجرد الاشارة إلى ذلك يعتبر تسفيها للثوار ولثورتهم التي ـ حسب رأيهم ـ غايتها تبرر وسيلتها مهما كانت .

لا شك أن ذوي العقل والادراك والخبرة السياسية والحياتية ، ذوي الحس الوطني الصرف الذين يريدون لسورية وطنا للجميع يدركون كل هذا ، ويعون جيدا مهمة المال السياسي المقرف وأجندات الدول المساهمة فيه ، فبدأوا يدقون ناقوس الخطر منذ بداية الانحراف عن مسار الثورة ، مذكرين ومنذرين ، مصرين على ضرورة السلمية كأفضل استراتيجية ضمن البلد الواحد لأنهم أيضا يتمتعون بذاكرة تاريخية خصبة حاضرة، غنية وحاذقة ترتكز على علم وثقافة وقراءة للواقع الاقليمي والدولي ، بل لكثير من التجارب العالمية ، ولم تكن يوما تقاس بما يدعيه المهرولون ومناضلو آخر ساعة بحشد الجماهير “انتخابيا” من أجل حصد لشعبوية الشارع المنفعل الثائر .

المصيبة الحقيقية أن فريق العقل هذا أصبح ضمن زاوية فرضت عليه اقليميا ودوليا واعلاميا كي ينحسر تأثيره على المستوى الشعبي، مع أنه حقيقة يمثل الشريحة الأغلب بين صفوف الشعب ، فبات صوت الشعب وما يريده يعبر عنه قلة من الدمى خيوط محركيها تمتد عبر جغرافية العالم كله ، فما ان عطس مسؤول في الخليج إلا واهتز له عشرة معارضين سوريين في الخارج، وما ان تثاءب مسؤول تركي إلا ونام معه عشرون آخرون ، وما ان تعثر ديبلوماسي غربي إلا لتهافت لسنده ثلاثون غيرهم ، أما أطفال اللاجئين السوريين في مخيمات الذل فليس لها سوى الموت حليفا وسندا ، وآلام الشعب السوري وأحلامه ليس لها سوى بعض مراهنات وكثير من المساومات.

والمصيبة الأكبر أن جماعات التكفير والظلام والارهاب تسرح وتمرح في الوطن وبتواطؤ أكيد من ذات النظام ، فتنكر الجميع ولا تعترف لا بمن يرفضها ولا بمن يؤيدها ، لكن فريق الائتلاف الوطني مصمم على أنها الخلاص وأنها الأقدر على استئصال نظام الأسد بالرغم من أنهم بداية نسبوها إليه ، ونهاية تنبهوا بعد عطسة خليجية أنها المستقبل البريء والمثل الديموقراطي لسورية القادمة ،فناموا على الجرائم بعد ثؤباء عثمانية .

هذه مصائب ، أما الكارثة الحقيقية على الشعب والوطن فيكمن في تكرارها المستمر ووجود من يقوم بها حاضرا مستعدا دوما بين اطياف المعارضة السورية ، أكذوبة المجلس الوطني ومهزلته بداية ، وائتلاف ممسوخ تم الاعتراف به قبل حتى أن يُشكل لاحقا، فيُدعم من الدول التي يفترض أنها تدعي مقارعة الارهاب ، لكنه يطالب ـكممثل وحيد للشعب السوري ـ على ألا توضع جبهة النصرة على قائمته لأنه يعول على ذلك المنطق الظلامي ، هناك اختلاف بالرأي اذن ولا ضير ، وليس من أجله يجب حجب الأموال عمن يجاهر علنا بوجوب دعم وتسليح الارهاب المتطرف، فالغرب الآن يرى هذا أمرا مقبولا ، مشروعا ومستساغا بين تلك الأطراف ، لكنهم يُنكرون ويدينون مع حلفائهم الخليجيين والأتراك اذا تعلق الأمر بسوريين آخرين يرون الأمر بطريقة مغايرة ، أولئك هم خونة وعملاء للنظام كما ترى معارضة البترودولار ، أما هم فجنات تجري من تحتها الأنهار وحور حسان جزاؤهم ، لأنهم طالبو شهادة وفارضوها شئتم أم أبيتم اكراما لوجه الله عز وجل .

سواء ايقن أولئك المهرولون أم لا فان تبني العنف كاستراتيجية نضالية ضمن البلد الواحد وبين أبناء الشعب الواحد ، خصوصا وأن كفة النظام والتكافؤ النوعي في التسليح معه تبقى استحالة حقيقية ، لن تؤدي إلا إلى إطالة عمر النظام وربما انتصاره بعد ابتعاد الناس عن الثورة التي بدأت مآلاتها المتوقعة تظهر بجلاء عبر دعم الفكر الظلامي المتخلف ، فالداعي إلى هذا النهج كالداعي إلى الانتحار الجماعي وإلى حرب أهلية طويلة الأمد وإلى استنزاف الشعب الوطن.

ما زال الشعب السوري ينتظر ذلك القطب القوي الذي يعبر عنه حقيقة ولا يجده ، إما تعتيما واقصاء مقصودا لأشراف وعقلاء سورية ، وإما قمعا وتنكيلا من قبل النظام ، وما زال الدور البغيض لمعارضة البترودولار والمهرولون القدامى والجدد الذين باتوا يتكاثرون ضمن عملية فرز بدأت مع الثورة وما زالت تفاجئنا كل يوم بجديد.

عقلاء الشعب السوري ووطنيوه الخُلص يتساءلون باستمرار عن انتصارات الثورة العسكرية فلا مجيب ، لكن الشيخ الجليل معاذ الخطيب يعد ويشدد على أن الشمال السوري سيحرر باسابيع ومن ثم يتم الزحف إلى الجنوب ، ولم يعلم أن أعتى قادة الناتو العسكريين يخجل أن يصرح بنصف ما أعلنه على الملأ من منبر خطابي جديد عليه لا يوجد حوله مطأطي الرؤوس فحسب، ومع كل هذا نجد أن فريقا ممن كانوا يدعون أنهم في حلف العقلاء الوطنيين ينجر وبكل بساطة إلى هذا المنطق المهزوز المُقاد والجاهل بامتياز حتى بالف باء السياسة وتوازنات القوى اقليميا ودوليا.

صوت العقل يقول وبكل بساطة ان ما من سوري وطني شريف يقوى على تحمل المسؤولية التاريخية والأخلاقية والوطنية أو يقبل بهذه المهزلة ، أو يؤيد هذا النهج ، لأن هناك ادراكا كليا أنه لن ياتي بإلا بالدمار والموت .. عندها للأسف لن يكون هناك مجالا لأحد كي يقول في النهاية : “أرأيتم؟؟ ألم نقل لكم ؟؟” ولن يكون للطرف الآخر مجالا ليقول: “أحطأنا وكنا مندفعين انفعاليا وثاريا” ، سنكون وقتذاك كلنا في خانة واحدة :”الخاسر الأكبر” ، الأمر يحتاج إلى قليل من وعي وضمير ، وكثير من وطنية ، يحتاج إلى تلاحم حقيقي بين قوى معارضة الداخل وبأسرع وقت ممكن دون اقصاء أحد، لا مجال بعد الآن لأن يقول أحدنا أخطأنا أو تأخرنا ، لقد تأخرنا فعلا وبما فيه الكفاية.

د. أسامة معذى الطويل

التصنيفات : المقالات, الأخبـــــار

الكاتب:syr2015

صوت المعارضة السورية الصادق

2 تعليقان في “المهرولون.. قدامى وجدد مع بعض شيوخ .. أسامة الطويل”

  1. 2012/12/16 في 19:35 #

    اقدر كل كلمة للدكتور المحترم هذا كلام سوري وطني صادق وقراءة عقلانية لما يجري ولكن هل من عقلاء يستمعون النصح و يتنبهون للخطر !!! في سورية اليوم جيل مملوء بالحقد والطائفية فقط اقرؤا تعليقاتهم على الفيس بوك جيل الثورة الظلامية التكفيرية التي قوامها السلاح الذي يرفعه السوري لقتل سوري آخر وهو يكبر ويهلل ويسجد سجود الشكر عند كل هدم لمفصل من مفاصل الدولة او حتى مدرسة للمشاة يعتبرها غزوة بدر الكبرى وجماعة الائتلاف مشغولون في باريس وبروكسل ولا وقت في اجنداتهم لسكان الذل والمنفى والشتات والخيام

    • 2012/12/17 في 02:31 #

      آنسة /سيدة ريم: تأكدي ان الناشطين على الفيس بوك لا يتجاوزون ال 1% من السوريين الحقيقين ، باقي ما تبقى هم من الموظفين لدى أجهزة الاستخبارات وكل واحد منهم بخمسة او 10 بروفايلات ، تاكدي أن غالبية السوريين مع وقف العنف باسرع ما يمكن ومع المشروع الوطنى الذي تعبر عنه هيئة التنسيق وان كانوا ليس في غالبيتهم أعضاء فيها ، اطمئني ، حصانة سورية بداخلها وليست بمن يقطن بالخارج وفي فنادق الخمس نجوم يتسول على السفارات ويستعطي الغرب وأمراء الخليج ، لن تحيد الهيئة ورجالاتها عن الخط الوطني المستقل الصرف مهما حصل ولهذا ترين قذارة الهجمة التي نتعرض لها . شكرا لمرورك.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

%d مدونون معجبون بهذه: