برنامج صدى المواطنة : وثائقي عن الشهيد تامر العوام

هي الغربة يا صديقي ، مزقتنا وشتتت فينا حتى الذكريات ، هو هَمُّ الوطن حملناه أينما كنا وسرنا وفي نفسنا فخر وعزة كيفما كان ، هو الشوق الذي يُضني أنفسنا فلا نملك إلا أن ننحني أمام بصيصِ الأمل ، هي الثورة التي ألهبت فينا كلَّ المشاعر والأحاسيس ، أوقدت الذكريات فأتتنا تتسابق تباعا توقض فينا كل شيء مات وتبعثه إلى خلود اللحظة والزمن القادم ، هم أولئك الذين سقطوا ينادون ويهتفون لحريتنا فلا نملك إلا أن نشد الرحيل إلى هجرة أبدية نحو وطن النجوم المتلألئة ، لبيك يا سورية ، لبيك يا شهيد ، لبيك يا حرية ، لبيك يا كرامة ، ومَنْ أكثر منك أيها السوري يُحْسن التعبير عنها والنضال والتضحية من أجلها.

عاش تامر العوام في ألمانيا بعيدا عن وطنه جغرافيا ، ملتصقا بها وجدانيا ونفسيا، كان مسكونا بفكرة التغيير في بلد اغترب عنه مؤمنا ـ كما الكثير من الشباب السوري المبدع ـ أنه لا أفق للابداع في وطن كُمِّمَت فيه أفواه أبنائه وحُجِر على أحلامِ شبابه ، كان يحلم بسورية جديدة لتكون وطنا يتسع لجميع السوريين على أساس المواطنة.

من هناك ، من قلب الغرب وحضارته لم يوفر العوام جهدا في دعم الثورة عن بعد إلا وبذله عبر تسجيلات وثائقية أخرجها بنفسه عن ثورة الحرية والكرامة ما لبثت أن انتشرت في الغرب والعالم، كما نظم الكثير من الاعتصامات مرر عبرها رسائِلَه لشعبه الرائع وللنظام الجائر، وقام بزيارة مخيمات اللاجئين السوريين في تركيا مراراً إذ نقل إلى وسائل الإعلام الصورة التي رآها بصوته المتحشرج بالغضب والأسى ، والألم الصادق.

لم يُطِقْ تامر العوام ابنَ السويداء أن ينسى أنه ابنُ ذلك الجبل الثائر ، وجارُ سهل حوران الخالد ، ابن الجنوب مهد ثورات الكرامة والعزة ، أثقله صمت من حوله، وأبى أن يشارك الصامتين صمتهم ، فعقد العزم على أن يتوِّجَ هجرته الغربية بهجرة يحبها قلبه وتعشقها نفسه ، فهو ابن سورية وفتاها ولن يكون بأقل ممن ضحوا بروحهم اكراما لذاك الشعب وذاك الوطن ، “ولو صاح صوت المنادي بالروح نفدي وطنا ، يا مرحبا بالشهادة وبشرعنا الموت سنة” ، جوفيات الجبل التي كانت تلهب عزائم ثوار الـ 25 ما زالت حاضرة في خياله وفطرته ، فلم يكن إلا رجلَ قولِ وفعل ، وما لبث يناضل كي يستطيع الدخول إلى أرض الوطن النازف حتى استجاب له القدر عبر بوابة حلب الشهباء في شهر تموز 2012 ، فغادر الغربَ وحضارتَه إلى آتون القمع والقصف والتنكيل ليلتحق بصفوف الثوار، وليشاهد ويوثق ويشاركهم آلامَهَم وهمومَهُم وتضحياتِهم. فينقل صورَهُم وصوتَهُم ، يسجل انتهاكاتِ النظام الهمجي ضد مواطنيه بعدسة حاذقة وفكر قويم فيوصلها لكل العالم ، ويساهم في شد أزر أخوته قدر استطاعته.

وفي فيلمه “ذكريات على الحاجز” رصد تامر معاناة الناس في ريف إدلب والدمار الذي خلفته قوات النظام الهمجي ، فوثق معاناة لأطفال ودموع الأمهات والأرامل ، صور المدارس التي تحولت إلى ثُكْناتِ عسكرية أو مراكز تعذيب ، ورفع صوت رجال يؤمنون بأن البلد تتسع لهم مهما تنوعت معتقداتهم ودياناتهم ، وبهذا لم تعد السينما بالنسبة له عملا إبداعيا منفصلا عن واقع مُغَيّب ، وإنما صارت نبض الواقع في الحد الفاصل بين تحرر وطن وملحمة شعب، فاتجه نحو الأفلام الوثائقية عله يرصد تلك اللحظات المفصلية الهامة التي أدرك أن التاريخ سيكتب عنها وسيتوقف عندها مطولاً.

آخر ما كتبه الشهــيد تامر العوّام كان عبارة حررها على صفحته الشخصية على الشبكة الالكترونية فقال:”بين القذيفة والقذيفة تسألني المصورة النمساوية ما هو سبب القصف من مسافات بعيدة على المدينة ؟ ألم تتدربوا في الجيش السوري على آلية حرب الشوارع كونكم بموقع حرب مع الاسرائيلين؟؟ …. تسقط قذيفة جديدة وتقتل الاجابة”

وكأن تامر العوام كان يتنبأ لصوته أن يصمت ولعدسته أن تُغلق كما حدث مع كثيرين من الصحفيين والفنانين أمثاله ، أو لعله كان تواقا ألا يبخل بنفسه قربانا لحرية شعب باكمله ، أو يتأخر عمن سبقه إلى رحلة الخلود.

التصنيفات : الأخبـــــار

الكاتب:syr2015

صوت المعارضة السورية الصادق

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

%d مدونون معجبون بهذه: