الارتباكات حول الانتفاضة السورية .. بحث وتحقيق سلامة كيلة

الانتفاضة في سورية كانت هي الانتفاضة التي أثارت الكثير من التشكيك واللغط. وكان التوضع السياسي في المنطقة العربية والمحيط الإقليمي هو السبب في ذلك، حيث تبدو السلطة في تحالف “متصارع” مع السياسات الأميركية، ويدعم المقاومة في لبنان وفلسطين، وهو آخر “مقاومة” للسيطرة الإمبريالية في “الشرق الأوسط الموسّع”!.

النظر الماركسي: تحليل اقتصادي سياسي أو تحليل سياسي “إستراتيجي”؟

من هذا المنظور، يبدو أنه يجب أن يكون الموقف أقرب إلى النظام السوري. لكن ما هو المنظور الذي لا بد لماركسي أن يلمس الوضع انطلاقاً منه؟ التحليل الاقتصادي السياسي أم التحليل السياسي “الإستراتيجي”؟

النظر كان ينطلق من التحليل السياسي. وكان تناول المسألة من منظور “إستراتيجي” يقوم على رؤية “العلاقات الدولية” والموقف الناتجة عنها، خصوصاً العلاقة (التوافقية/ الصراعية) مع الإمبريالية، كون هذه الأخيرة هي “المركز” الذي يحكم النظر لكل المسائل الأخرى لدى قطاع كبير من الماركسيين، وهي “الحلقة المركزية” التي تتمحور التناقضات حولها. وبالتالي فهي التي تحدد الموقف: مع أو ضد.

في الماركسية (وهذا أساس منهجي وليس موقف سياسي) لا بد من الانطلاق من التحليل الاقتصادي من أجل فهم الوضع علمياً، وإلا تحكّم المنطق المثالي الذي يبدأ من “السياسي”، ومن الدولة، ومن الأفكار. لا بد من البدء من الحقل الاقتصادي من أجل تلمس علمي للحقل السياسي.

وبهذا حين دراسة الوضع السوري لا بد من تناول التكوين الاقتصادي الذي تشكّل وأصبح هو المهيمن. ومن ثم التناقضات التي أفرزها، داخلياً (أي في الإطار الطبقي الداخلي)، وعالمياً (أي في إطار توضعه العالمي). حيث سنلمس بان السنوات العشر الأخيرة قد أفضت إلى أن يعاد ترتيب الاقتصاد بما هو اقتصاد ليبرالي كامل. أي بانهيار دور الدولة الاقتصادي، وفرض الخصخصة، ومن ثم تمويت “القطاع العام”، وسيطرة القطاع الخاص الذي أصبح يمتلك 70% من الدخل الوطني. ومن ثم تحويل الاقتصاد من اقتصاد منتج إلى اقتصاد ريعي، من خلال تركيز التوظيف في قطاعات ريعية، مثل العقارات والخدمات والسياحة والبنوك والتجارة. وهي العملية التي ترابطت مع ذاك التحوّل الذي جعل القطاع الخاص هو الأضخم. بمعنى أن توظيف القطاع الخاص اتجه إلى هذا القطاع الريعي. وأفضى ذلك إلى انهيار كبير في الزراعة والصناعة. ولقد أفرزت هذه العملية استقطاباً طبقياً حاداً، حيث تمركزت الثروة بأيدي أقلية ضئيلة، وضمن هذا الشكل الجديد للاقتصاد رفاه شريحة نسبتها تقارب الـ 20%، بينما جرى تهميش الـ 80% الأخرى، سواء نتيجة البطالة (التي بلغت 30% من القوى العاملة تقريباً)، أو نتيجة الانخفاض الشديد في المداخيل، حيث أصبح الحد الأدنى للدخل هو أقل من ثلث الحد الأدنى الضروري للعيش “الطبيعي”.

هذا الوضع أفضى إلى تصاعد حدّة التناقض الطبقي. وهو وضع “مثالي” لتوضع الصراع الطبقي، الذي كان الاستبداد الطويل والشديد، والسيطرة المطلقة على النقابات، والضبط الذي كان يمارس من خلال ذلك. ومنع كل أشكال الاحتجاج. كان كل ذلك يمنع توضحه، سوى ببعض الاحتجاجات “الكلامية” في مؤتمرات النقابات، أو ما كانت تشير إليه صحافة الأحزاب الشيوعية المشاركة في السلطة، أو في الإشارات التي كانت ترد في الصحف المحلية. لكن ذلك لم يكن يمنع تصاعد الاحتقان لدى كل الطبقات المفقرة، الذي كان وحده سيوصل إلى الانفجار الاجتماعي، بغض النظر عن الأشكال التي يتخذها. والانتفاضة هي التعبير عن هذا الاحتقان المتصاعد.

إذن، البدء من الاقتصادي يوصل إلى الطبقي. وكما هو معروف في الماركسية فإن التناقض هو في البنية (التكوين الطبقي) التي تؤسس للاستغلال المباشر (أي التوضع الطبقي القائم في المجتمع). وبالتالي فإن الموقف لا بد من أن يتحدد من هذه النقطة، وليس من أية نقطة أخرى. أي ليس من “الحقل العالمي” التي تتأسس فيه الظاهرة الإمبريالية. حيث هنا يتحوّل التناقض إلى تناقض سياسي، أي ينتقل من صراع طبقات إلى صراع دول، رغم الأساس الاقتصادي الذي يحكم هذا الصراع، والذي سأشير إليه تالياً.

ما يجري من قبل بعض اليسار هو قلت هذا التحديد، ليصبح السياسي هو محدِّد الموقف وليس الطبقي. والسياسي ليس الطبقي بالضرورة، بل يمكن أن تصارع قوى سابقة للرأسمالية الإمبريالية، وهي هنا تصارع من منظور رجعي. بالتالي لا تصبح قوى ثورية، أو يجري التحالف معها، رغم عدم تحويلها إلى عدو رئيسي. لكن حين تنهض الطبقات الشعبية ضد سلطة “تختلف” مع الإمبريالية، يكون ضرورياً أولاً تحديد أسباب هذا الاختلاف، ثم الإصرار على تطوير الصراع الطبقي لأنه يمثل التناقض الرئيسي.

هل أن الاختلاف القائم ذو أساس اقتصادي؟ أو طبقي؟

هنا لا بد من فهم الإمبريالية كتكوين اقتصادي قبل أن تكون سياسة عالمية. لكن كذلك فهم بأن الوضع الطبقي هو الذي يحدد الموقف السياسي وليس العكس. فالصراع بين البلدان الإمبريالية قائم رغم النمط الرأسمالي الموحد بينها، نتيجة التنافس، وكان يقوم مع بلدان تريد التحرر ببناء الصناعة وتطوير الزراعة وتحقيق الاستقلال الاقتصادي والسياسي. والآن هناك تناقض بين الإمبرياليات الأميركية الأوروبية من جهة والروسية الصينية من جهة أخرى. وكل هذه التناقضات لا تمس وضع الطبقات الشعبية أو النمط الاقتصادي السائد. بالتالي هي تناقضات بين إمبرياليات.

والطابع الاقتصادي الذي يفرضه هذا النمط الآن، هو تعميم الاقتصاد الريعي، من خلال فرض اقتصاد السوق واللبرلة، التي كانت تعمم انطلاقاً من شروط صندوق النقد الدولي، التي تفرض تخلي الدولة عن دورها الاقتصادي (أي فرض الخصخصة، وإنهاء الدور الحمائي الذي فرض من أجل منع هروب فائض القيمة إلى الخارج). ولقد عمل في العقدين الأخيرين على تعميم الاقتصاد الريعي، من خلال مركزة النشاط الاقتصادي في العقار والخدمات والاستيراد والبنوك والنشاط التجاري، وتدمير القوى المنتجة في الزراعة والصناعة. فهذا التكوين الاقتصادي هو الذي يسمح بتحقيق النهب الإمبريالي من خلال نشاط المال الذي ينشط في المضاربة والعقارات والبنوك وكل هذه القطاعات، وأيضاً في فتح باب التصدير لهذه البلدان واسعاً.

في المقابل، سنلمس تكيّف الاقتصاد السوري مع هذا التكوين، رغم “التناقض” القائم. فقد أشرت إلى تحوّل التكوين الاقتصادي خلال العقد الأخير، والذي كان يسير في “خطة” يبدو أنها تنفذ شروط صندوق النقد الدولي رغم عدم وجود اتفاق مع الصندوق بذلك، وهو الأمر الذي زاد من سلبية ذلك على الاقتصاد (حيث يقدم الصندوق ميزات لم تتحقق في سورية). بمعنى أن التحول الاقتصادي السوري كان يسير نحو الربط مع الإمبريالية اقتصادياً.

عادة ما كان يجري التمييز بين الاقتصاد والسياسة من قبل الأحزاب الشيوعية السورية، انطلاقاً من فكرة طرحها الرفيق خالد بكداش (ربما سنة 1980)، والتي أشار فيها إلى أنه لو نظر إلى الوضع الداخلي لكان في المعارضة لكنه ينطلق من “الموقف الوطني” لسورية. هذا التمييز بين الطبقي والوطني، وأساساً بين الاقتصادي والسياسي (لمصلحة السياسي)، هو في صلب “سوء الفهم” لما يجري في سورية. أو هو أساس الموقف الخاطئ مما يجري في سورية. فهل يمكن الفصل بين الاقتصادي والسياسي، أو الطبقي والوطني؟

الفهم المثالي يفعل ذلك، لكن الماركسية تنظر بشكل علمي لهذه المسألة. فالموقف السياسي عموماً، والموقف الوطني خصوصاً لا ينفصل عن المصالح الطبقية، بل هو نتاجها. فحين تصبح مصلحة الرأسمالي استيراد السلع، والتوظيف في السوق العالمي من الأموال التي ينهبها من السوق “الوطني”، وينشط من أجل تهريب الأموال التي ينهبها إلى السوق العالمي. وإعادة تشكيل الاقتصاد المحلي انطلاقاً من مصالحه كما أشرنا، بما يجعله اقتصاد ريعي. يكون مهتماً للربط مع الطغم المالية الإمبريالية، والالتحاق بالسوق الرأسمالي. وهنا تسقط المسألة الوطنية، أو تخضع للمساومات التي تخدم المصالح الاقتصادية. فالرأسمالية المتشكلة هذه ترى بأن وضعها الطبيعي هو في الارتباط بالطغم الإمبريالية وليس مناوأتها (فالمناوأة قامت على أساس بناء الصناعة والزراعة والتحديث).

هذا يفرض تفسير “التناقض” بين السلطة السورية و”الإمبريالية”. فهو ليس تناقضاً طبقياً ما دامت الرأسمالية قد تكيفت مع النمط الاقتصادي الإمبريالي. وليس تمسكاً بـ “أيديولوجية” أو “حب وطني”، فهذه قد انهارت لدى الطبقة المسيطرة منذ زمن، وباتت أفكار البعث “ممسحة” تستخدم في “الزنقات”. لقد تحقق تشابك مالي بين “رجال الأعمال الجدد” والرأسمالي الخليجي، والتركي، والأوروبي الشرقي (المافياوي)، والروسي. بمعنى أن “الطبقة الجديدة” التي تأسست انطلاقاً من نهب الدولة والقطاع العام هي التي كيفت الاقتصاد المحلي وفق “الطابع العام” للشكل الطرفي للرأسمالية المسيطرة عالمياً.

هذا يفرض تفسير الخلاف مع أميركا، وأوروبا، لكن لا يلغي بأن الطبقة المسيطرة هي ريعية مافياوية مترابطة مع الرأسمال الإمبريالي (حتى وإن كان الخليجي أو الروسي أو التركي). بمعنى أن الخلاف السياسي مع أميركا لا ينفي بأن الطبقة المسيطرة هي كذلك، وأنها كيفت الاقتصاد وفق “الطابع العالمي” للإمبريالية الراهنة. وانطلاقاً من ذلك يقيمون “تحالفاتهم” وعلاقاتهم، ويتمسكون بـ “المقاومة”، ويسمون ممانعة. الخلاف ليس طبقياً، ولا اقتصادياً، بل سياسي، حيث كانت الإستراتيجية الأميركية بعد سبتمبر 2001 لا تستوعب استمرار هؤلاء في السلطة من خلال السعي لتأسيس نظم طوائفية. إذن، لقد حققت الطبقة الرأسمالية المسيطرة التكوين الاقتصادي الذي يتكيف مع الاندماج بالإمبريالية، لكن المطالب السياسية الإمبريالية كانت تمنع التفاهم، وتدفع للضغط لتحقيق تغيير في سورية، ثم –بعد نجاح أوباما – محاولة التفاهم من جديد. لكن ربما كان تشابك العلاقات الجديدة، مع إيران والروس وتركيا، يؤخر في التفاهم. وهنا نشير إلى أن هذا التناقض مع الإمبريالية هو تناقض ثانوي ما دام يقوم على أرضية الطابع الرأسمالي الطرفي. ولقد دخل في إطار التناقض بين الإمبرياليات (الأميركية/ الأوروبية، والروسية الصينية). وكذلك في إطار الصراع الإقليمي.

في هذا الوضع لا يكون الخلاف أساسي بل نتاج تفارق جزئي في ترتيب المصالح. في وضع بات الاقتصاد المحلي رأسمالياً محلقاً، ومتكيفاً مع الطابع العام للإمبريالية. وهو الأمر الذي فرض حدوث الانفجار الاجتماعي.

بالتالي لا يجب أن يجري النظر إلى الانتفاضة من منظور الموقف السياسي القائم بل انطلاقاً من طبيعة الصراع الطبقي بالتحديد، وفهم طبيعة الخلاف مع الطغم الإمبريالية وحدودها لكي لا تصبح هي المقياس للموقف من الانتفاضة. خصوصاً في التحليل المنهجي، حيث يصبح الموقف السياسي هو الموجه للتحليل بدل أن يكون تحليل الواقع، كما هو، هو الأساس البدئي لكل موقف.

اليسار الرائج ينطلق من السياسي، وهذا هو أس سوء فهمه للواقع منذ زمن بعيد. وهو لا يستطيع التمييز بين المصلحة الطبقية والخطاب الذي تنتجه الطبقة المسيطرة، فيجعل الخطاب بديلاً عن المصلحة، حيث يكون الخطاب أحياناً كثيرة هو للتمويه على المصلحة وليس لإظهارها. وهذا أساس سوء الموقف من الانتفاضة السورية.

ما يمكن قوله هنا هو أن الانتفاضة هي في جوهرها انتفاضة الطبقات الشعبية التي باتت عاجزة عن الاستمرار في الوضع الذي آلت إليه. والتي تهدف إلى إسقاط النظام من أجل تحقيق مطالبها المتعلقة بوضعها المعيشي والحياتي، وبالظروف السياسية التي تسمح بذلك. لكنها لا تجد الأحزاب التي تعبّر عنها بعد أن فجّرت انتفاضة عفوية. وانحكمت لوعيها “التقليدي”، ولهذا كانت شعاراتها هي نتاج ذلك. وهنا نلمس غياب القوى الماركسية تماماً، رغم مشاركة ماركسيين كثر.

لهذا يطرح السؤال حول كيف يتبلور موقف ماركسي واضح منها؟ وكيف يتجمع الماركسيين المشاركين في الانتفاضة لكي يشكلوا قوة حقيقية أولاً، ولكي يؤثروا في شعارات وسياق الانتفاضة بما يجعلها واضحة الأهداف (إضافة إلى إسقاط النظام)، ويطوّر من فاعليتها بعد أن أصبح دور العنصر الواعي مهماً في انتصارها؟

عن الوضع الدولي: الخوف من “المؤامرة الإمبريالية”؟

من المنظور المنطقي كان تغليب “الإستراتيجي” على الواقعي جزء من “إشكالية فهم” تعيشها النخب “الماركسية”، وهو المنظور الذي يمكن أن نسميه مع ياسين الحافظ المنظور السياسوي. حيث ظهر بأن “التوضعات العالمية” هي التي حكمت النظر لما يجري في سورية. وكان وجودها في موقع مختلف مع الدول الإمبريالية “القديمة”، وفي علاقات حسنة أو تحالف مع قوى تتصارع مع هذه الإمبريالية، هو الذي يقود إلى استنتاج سريع بأن ما يجري هو “مؤامرة إمبريالية”.

ولا شك في أن الإمبريالية الأميركية عملت منذ ما بعد احتلال العراق على تغيير السلطة في سورية من منظور المشروع الهادف إلى السيطرة على المنطقة، والذي أسمي مشروع الشرق الأوسط الموسّع. وبالتالي من المنظور السياسي كان واضحاً بأن الميل الإمبريالي الأميركي للسيطرة على العالم استهدف وضع السلطة السورية، ولقد جاء اغتيال رفيق الحريري في سياق الضغط من أجل تغيير السلطة. هذه حقائق لا بد من أن تكون واضحة، وهي تشير إلى أن وضع النظام السوري لم يكن قد تكيّف مع العولمة الإمبريالية وخضع لسيطرتها وفق الأسس التي تبلورت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، والقائمة على تشكيل نظم “طوائفية” كما جرى في العراق.

وإذا كانت السلطة قد سهّلت لسيطرة “رجال الأعمال الجدد” (ناهبي القطاع العام قبلاً)، وسمحت بسيطرة اللبرلة وفق الوضع الاقتصادي الذي تفرضه مؤسسات العولمة (صندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية والشراكة الأوروبية)، وفي مصلحة أقلية عائلية خصوصاً، فإن تجاهل متحوّل سنة 2008 المتمثل في “الأزمة المالية العالمية” (التي هي أزمة الرأسمالية ذاتها) سوف يبقي التحليل ذاته قائماً، ويفضي إلى الإكثار من الحديث عن الإمبريالية وعن المؤامرة، ويقود “حتماً” إلى اعتبار أن كل ما يجري في سورية هو “مؤامرة إمبريالية”.

النظر السياسوي لم يسمح بفهم عمق الأزمة هذه. ولا تشكك في أن وضعاً عالمياً جديداً يتشكل. رغم أن البعض ضخّم من الانهيار الأميركي وانتصار الممانعة، لكنه الآن نسي كل تحليله المضخّم. بالتالي ما يجب فهمه هو طبيعة الوضع العالمي الآن، وهل أن السياسات الإمبريالية لازالت كما كانت قبل 2008 أم تغيرت؟

لقد جرى التركيز بعد عام 2007 على “هزيمة أميركا في العراق” حينما قررت الولايات المتحدة توقيع اتفاق “الانسحاب” منه، وعلى تحوّل ميزان القوى الإقليمي لمصلحة قوى الممانعة بعد هزيمة الدولة الصهيونية في لبنان في تموز سنة 2006. لكن حين مسّت الانتفاضات سورية جرى التعاطي وكأن الوضع كما كان منذ انهيار الاتحاد السوفيتي سنة 1991. وبالتالي العودة إلى تذكّر “مشروع الشرق الأوسط الجديد”، والتعاطي وكأن أميركا لازالت في “عز” قوتها. وأن الوضع العالمي لا زال ينحكم لسطوتها. رغم التهويل الآن من دور روسيا. والنظر إليها ليس كإمبريالية بل كحليف كما في زمن الاتحاد السوفيتي، رغم أنها هي الآن إمبريالية.

وهذا أحد المتحوّلات التي حدثت بعد أزمة 2008. فقد أدت الأزمة إلى تضعضع وضع أميركا الاقتصادي، وخطر انهيارها بعد انفجار فقاعة الرهن العقاري في 15 سبتمبر سنة 2008. وأفضى حل أزمة الديون التي تراكمت لمصلحة البنوك التي باتت مهددة بالانهيار إلى تراكم مديونية الدولة الأميركية، ووصولها إلى مرحلة الخوف من انهيار الدولة. ولحقت أوروبا من خلال أزمة بنوكها التي فرضت على الدول سداد ديون هذه البنوك، مما راكم مديونية هائلة على الدول. ولهذا سارت الدول في سياق خطط تقشفية شديدة التأثير على الشعوب. فبات العالم دون قوة مسيطرة كما حدث بعيد انهيار الاتحاد السوفيتي، وظهر أنه يتشقق إلى محاور، ويؤسس لـ “تعددية قطبية”.

ورغم استمرار إدارة باراك أوباما في هجومها سنوات 2009 و2010، فقد ظهر بأنها لم تعد قادرة على ذلك بعد أن تراكمت المديونية على الدولة بما جعلها أكثر من الدخل القومي. كما أفضت الأزمة إلى تلمس الولايات المتحدة بأن “الحل السحري” لمشكلاتها، القائم على الحروب، لم يعد مجدياً، لأن الأزمة ذاتها ليست أزمة تقليدية كانت الحرب هي الوسيلة المثلى للخروج منها، ونتجت عن هيمنة المال على الرأسمال الذي ظهر بالدور الحاسم للمضاربات المالية (في أسواق الأسهم، وعلى السلع الغذائية والنفط وغيرها) وسيطرة التوظيف في المشتقات المالية. وهو الوضع الذي جعل الرأسمالية في وضع انحداري بالضرورة.

انعكس ذلك في تغيير الإستراتيجية العسكرية للولايات المتحدة، بالتراجع عن عنجهية خوض حربين كبيرتين وحروب صغيرة عديدة في الآن ذاته (إستراتيجية رامسفيلد وزير الدفاع في عهد بوش الإبن)، والتأكيد على خوض حرب واحدة فقط. ومن ثم تركيزها على منطقة الباسيفيكي، وحصر سيطرتها على الشرق الأوسط بالدور الخاص بالطيران، وتمركز قوات في بعض البلدان الخليجية. وبالأساس تقليص عدد القوات وتقليص ميزانية الدفاع. ولا شك في أن الخوف من انفجار “فقاعة جديدة” يسيطر على كل الساسة والإستراتيجيين في أميركا. فالأزمة الاقتصادية لم تعد تحل بالحرب، واقتصاد أميركا أصبح عبئاً على الرأسمالية نتيجة تمركز الكتل المالية الناشطة في المضاربات فيها، وتراجع وضعها الصناعي إلى حد كبير، واعتمادها أكثر فأكثر على الاستيراد، وطباعة كتل ضخمة من الدولارات أكثر مما بات يحتمل العالم.

ورغم أن روسيا تأثرت في الأزمة المالية إلا أنها لم تصبح ضحيتها كما هو الوضع في أميركا وأوروبا. والصين استفادت من الأزمة في مدّ سيطرتها إلى أوروبا ومناطق أخرى. وأخذت بعض البلدان التي كانت قد حققت بعض التقدم سابقاً، مثل الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا (وحتى تركيا) تتجه إلى أن تفرض قوتها في العلاقات الدولية، ويصبح كل منها قطباً جديداً.

في ظل هذه التمحورات، ومحاولات التموضع العالمي، أتت الانتفاضات العربية. أميركا سارعت إلى احتوائها بعد لحظات الرعب التي عاشتها، وكان ذلك سهلاً عليها في كل من تونس ومصر، حيث كانت قيادات الجيش في “علاقات وثيقة” مع الإدارة الأميركية. لعبت في ليبيا واليمن لإطالة أمد الصراع والإفادة منه في تفكيك البنى المجتمعية لإضعاف الدول والسيطرة على مسارها. لكن حين وصل الأمر إلى سورية كانت التحوّلات العالمية أصعب من أن يكون لها تأثير فيها. فقد كان وضع أميركا الاقتصادي أصعب، حيث لم يجري تجاوز الأزمة بعد سنتين ونصف من نشوبها، وكانت روسيا قد بدأت سياسة هجومية بعد أن “لعب عليها الغرب” في المسألة الليبية.

هذا الوضع غيّر من كل السياسات، وبالتالي لم يعد “مشروع الشرق الأوسط الجديد” مطروحاً، أو قابلاً للتطبيق. وأصبحت كل ممكنات التدخل أو الحرب أو السعي لتغيير السلطة مستحيلة. وإذا كان لم يعد ممكناً تحقيق انقلاب داخلي (بعد فشل محاولة غازي كنعان/ عبد الحليم خدام)، فإن البديل هو التدخل العسكري، وهذا أصعب، ليس فقط لأن أميركا تنسحب، بل لأن أي تدخل هنا يعني التحوّل إلى حرب إقليمية ليس من قدرة عليها، خصوصاً حين تكون مدعومة من روسيا، التي فرضت أن تكون سورية حصتها في إطار السعي الجديد لتحقيق تقاسم العالم.

لهذا لا يكف مسئولي البلدان الإمبريالية من التأكيد على أن خيار التدخل غير مطروح على الإطلاق. ولأن الوضع كذلك ظلت الولايات المتحدة تمغمغ في الموقف من السلطة السورية لأشهر عديدة. وسمحت للحكومة العراقية أن تدعم هذه السلطة رغم أن العراق هو تحت الاحتلال (كان ولازال).

بالتالي إن كل نظر لا يتوقف عند كل هذه المتغيرات لن يكون جديراً بفهم ما يجري، لا في سورية ولا في كل الوطن العربي. ولن يفيد في ذلك التكرار الممل لكلمة الإمبريالية، أو الترداد الببغاوي لمصطلح المؤامرة. فالإمبريالية تتوضع في بنية المجتمع من خلال النمط الاقتصادي الذي يطابق مصالحها، وهذا ما تحقق في سورية، لكن هذه المرة بدعم الإمبريالية الروسية. بينما لا بد من أن نتخلص من كل إمبريالية. خصوصاً وأن التدخل الإمبريالي هو ذلك الدور الذي تقوم به روسيا لدعم السلطة، وتبرير كل جرائمها.

لقد انتهى عصر التفرّد الأميركي، وبات النظام الرأسمالي ضعيفاً ويعاني من غياب المركز المسيطر، وبالتالي أخذت الرأسماليات في إعادة موضعة ذاتها بما يجعلها قوة أساسية في عالم ينحو نحو التعددية القطبية، رغم أنه يظهر الآن منقسماً إلى قطبين: أميركا/ أوروبا، وروسيا/ الصين. ومع نهاية التفرّد الأميركي انتهى “مشروع الشرق الأوسط الجديد”، وأصبح صعباً على الرأسماليات القديمة التأثير الجدي في المسار الذي سيسير فيه الوطن العربي.

في هذا الوضع هل من إمكانية لتدخل عسكري، أو دعم عسكري للمعارضة؟

هذا هو طريق المؤامرة الممكن، وهو طريق التدخل في الشأن السوري. وهي الحجج التي تساق لاعتبار بأن ما يجري في سورية هو “مؤامرة إمبريالية”. أما أن الإمبريالية تتخذ مواقف مما يجري فهذا أمر “عادي”، وتحاول الضغط أو التأثير في الأحداث فهو كذلك أمر “طبيعي”. إلا إذا اعتبرنا بأن على الإمبريالية أن تصمت. رغم ذلك أشرنا إلى التردد الأميركي من اتخاذ موقف واضح من رحيل السلطة إلى فترة قريبة، وميوعة موقفها مما يجري. ولا شك في أن وضعها العالمي الذي أشرت إليه للتو في جذر هذا الموقف، فهي غير قادرة على التدخل العسكري (ربما لو نشأ الوضع الراهن سنة 2005 أو 2006 كان يمكن أن تتدخل قوة)، خصوصاً وأن التدخل في سورية يمكن أن يفضي إلى صراع إقليمي يحتاج إلى أكثر من تدخل محدود بل إلى حرب كبيرة، وهذا ما لا تستطيعه أميركا ولا الحلف الأطلسي. أما التسليح فلن يكون أكثر من دعم هامشي إذا قررت، لأنه يحتاج إلى منطلق هو غير موجود، لا في تركيا ولا في الأردن ولا في العراق ولبنان. لأن كل دعم من خلال أي منها يمكن أن يؤدي إلى حرب، وهو ما لا يبدو ممكناً.

هل نعتمد التصريحات التي تصدر من مسئولي هذه الدول أو نلمس الواقع ونتلمس الوقائع؟

كل الذين ينطلقون من “نظرية المؤامرة” يعتمدون بعض التصريحات التي تطلقها المعارضة أو بعض التسريبات دون لمس الواقع وممكنات أي دور عملي. هذه مشكلة مزمنة لدى “النخب”، لكنها تتكرر بشكل كاريكاتوري في الوضع السوري. فالموقف يُبنى على التصريحات والتسريبات والتخمينات والنوايا وليس على دراسة الوقائع، وفهم ممكنات الواقع. لهذا بدت المواقف وكأنها خارج سياق الواقع، وفي تناقض معه، وصل إلى حد المهزلة. فالوضع الدولي لا يؤشر إلى أي إمكانية لتدخل عسكري أو حتى تسليح المعارضة و”النخب” تنطلق من أن التدخل العسكري قائم، والتسليح في أعلى مراحله. ويجري السكوت عن الدموية التي تمارسها السلطة، وتصوّر الانتفاضة لفعل لعصابات مسلحة، استناداً للصورة التي تعممها السلطة ذاتها كونها في الموقع “الممانع”.

إذن، المنطق الصوري هو الذي يؤسس لهذه “الجريمة” التي تمارسها بعض النخب، حيث تظل الإمبريالية كشيء جوهراني ثابت، ويظل الوضع العالمي منقسم كما كان، حتى أن روسيا لا يظن بأنها قد تخلت عن أن تكون اشتراكية وأصبحت إمبريالية. لهذا لا أزمتها الاقتصادية العميقة لمست، ولا جرى الاستنتاج إلى مَ يمكن أن توصل. ولا أثر ذلك، بالتالي، على ميزان القوى العالمي، ومقدرة القوى الإمبريالية فيه. ومن ثم لم يُلحظ التحوّل في الوضع العالمي منذ سبتمبر سنة 2008، حيث انفجرت الأزمة المالية للرأسمالية، والتي كانت أعمق من أن تحدَّد بطابعها المالي فقط، بل هي أزمة الإمبريالية وهي “تتعفن” حقيقة. وعلى ضوء ذلك، انفلات المحاولات لفرض “نظام عالمي” جديد.

هل من رثاثة أكثر من ذلك؟ ربما كانت الانتفاضات العربية سوف تسقط ليس النظم فقط بل وهذه النخب كذلك. وربما كانت هذه النخب قد تلمست بأن هذه الانتفاضات هي انتفاضات على منطقها كذلك، لهذا باتت تدافع عن آخر معاقل منطقها القديم.فقد نمى الاحتقان في العمق، ومن طبقات انسحقت إلى حدّ “الموت جوعاً”، لم تكن تُرى من قبل هذه النخب لأنه كان يجب إزاحة أكوام من “الزبالة الذهنية” التي كانت تقف عائقاً أمام رؤية هذا العمق. وهو ما كان مستحيلاً، لهذا فإن هذه الموجة الناهضة من العمق سوف تزيل كل ما فوقها، من فئات مسيطرة، وأفكار، ونخب.

أخيراً: الخوف من المتغيرات في المنطقة

“الإمبريالية” هي “حالة رعب” بالتالي. وكل إشارة توحي بموقف ضدها ستكون صحيحة وثورية!

هذا هو نتاج “عقل” يعيش أقصى حالات العمومية والسطحية. ولهذا تتشكل صورة مفترضة للواقع هي نتاج هذا العقل. وهنا يصبح “العالم الإفتراضي” هو الواقع، وينزوي الواقع في مجاهل “التاريخ”. وبالتالي لا يكون وجود للبشر والاقتصاد والنهب والفساد والاستغلال. هؤلاء زائدة لا وجود لها في منطق “مقاومة الإمبريالية”. الشعب رعاع وجهلة وأدوات، والوجود كل الوجود هو لـ “فكرة الإمبريالية”، التي تتحوّل إلى طوطم.

على كل، هذا “العقل” هو الذي استطاع، بالكاد، أن يرى معادلة النظام/ الإمبريالية، وهو بالتالي ضد الإمبريالية، بالتالي هو مع النظام. ما هو وضع النظام؟ طابعه الطبقي؟ التكوين الاقتصادي الذي أسسه؟ وعلاقة هذا التكوين بالنمط الرأسمالي العالمي؟ كلها ليست أسئلة، بل أن الإجابة عليها جاهزة في تصوّر إفتراضي مرسوم انطلاقاً من كونه ضد الإمبريالية، أي هو جاهز بشكل مسبق، وهو في سورية كما في أي مكان آخر في العالم يكون “ضد الإمبريالية”. ولهذا لن تكون هناك حاجة للنظر إلى الشعب، إلى الطبقات، وتكوين السلطة وممارساتها، وطبيعتها الطبقية.

في المقابل، تظل الإمبريالية كطوطم لا يحتاج إلى نظر مستمر، وتظل هي هي كما في السابق دون ملاحظة التوضّع العالمي الآن، وطبيعة موازين القوى الآن. وطبيعة الصراعات بين الرأسماليات الآن. فالمسألة هي ليست مسألة الموقف من الإمبريالية فقط، بل في توضعها الآن، وفي ممكنات فعلها. خصوصاً هنا في سورية، فهذا ما يُظهر عمى النخب تلك.

من ثم، ما هو أثر الانتفاضة السورية على الوضع الإقليمي؟

الرافضون لهذه الانتفاضة ينطلقون من خوف على المقاومة. أي على حزب الله وحركة حماس (التي قفزت سريعاً نحو الضفة الأخرى). وربما تخوّف من نهاية الدول التي هي في “اختلاف” مع الإمبريالية. حيث تبدو سورية هي آخر دولة عربية تبدو خارج “السرب الأميركي”. ورغم تقييمنا للمقاومة هذه، وحدود الاختلاف السوري مع الإمبريالية، فإن هذه التخوفات مشروعة. فعلى الأقل لا بد من وجود قوى تقول لا للإمبريالية بغض النظر عن السبب، أو حتى تقول الإمبريالية لها لا. المهم أن يبقى شيء ما من ذلك الماضي الجميل، الماضي الذي شهد نهوض العرب، والعالم الثالث ضد الإمبريالية، وتوسعت الحركة القومية، وحققت تغييرات كبيرة، شكّلت نقلة في الوضع المحلي وفي الصراع العالمي. وأحيت الأمل في عالم جديد يتجاوز مخلفات الإمبريالية.

سورية هي البقايا الشاحبة لهذا الماضي. ربما هذا ما يفرض تعلق نخب ماركسية وقومية في دعم السلطة. لكنهم هنا يعيشون في الماضي، رغم أنهم يتعلقون بحلم جميل.

لكن توضعات العالم لم تعد تسمح بوجود ما يؤشّر إلى ذاك الماضي، حتى من موقع الحلم. فسورية الآن هي ليست بقايا ذلك الحلم، حيث لم يبقَ من حلم التحرر والتقدم و”الاشتراكية” شيء يذكر.وبات صراعها مع الإمبريالية ليس نابعاً من ميل للتحرر والتقدم و”الاشتراكية” بل نتيجة الوضع الممكن لها في التوضّع الإمبريالي. ولهذا أصبحت من محور الإمبريالية الروسية وليست من محور الإمبريالية الأميركية. وهي وإيران (وتركيا في مرحلة سابقة) يتشابكان في “تبعية” ما لمحور روسي صيني يتشكل عالمياً. والمحور الجديد هو محور رأسمالي إمبريالي كذلك. ويريد السيطرة الاقتصادية والنهب أيضاً.

لا شك في أن كل الشحنة المعادية التي تشكلت ضد الإمبريالية القديمة سوف تسمح بتبرير كل علاقة مع الإمبريالية الجديدة. لكن تظل العلاقة مع إمبريالية هي ذاتها في ما يتعلق بالتكوين الاقتصادي الذي يتشكل داخلياً، والذي سيكون ريعياً بالضرورة. حتى في العلاقة مع روسيا والصين، حيث أن همهما هو تصدير السلع (ومنها السلاح بالنسبة لروسيا)، والتوظيف المالي.

من هذا المنظور، الذي من المفترض أن يكون كل ماركسي يراه كذلك، لن يكون هناك تغيّر في توضّع سورية. فالصراع العالمي قد وضعها في محور روسيا، وليس من الممكن أن تنتقل الآن إلى المحور الأميركي (رغم العشق الشديد الذي يكنه “رجال الأعمال الجدد” ونخب السلطة لأميركا). وبالتالي ليس من الممكن أن تتغيّر تحالفاتها مع إيران وحزب الله. وحتى العلاقة مع تركيا ستعود إلى ما كانت عليه في الفترة السابقة للانتفاضة.

وسيقود الصراع الداخلي إلى أن يكون التغيير خاصاً بالوضع الداخلي السوري وليس بتحالفات سورية الإقليمية والدولية، نتيجة موازين القوى الداخلية أصلاً، والعالمية كذلك. حيث أن التغيير سوف يتحقق من “داخل السلطة” كما في البلدان العربية الأخرى التي تحقق التغيير فيها دون تدخل إمبريالي (مثل ليبيا)، وفي سورية ستكون الفئات التي تحدث التغيير أقرب إلى روسيا منها إلى أميركا (ربما مجبرة على ذلك نتيجة إشكالية الصراع الذي حدث منذ ما بعد احتلال العراق، والدور الأميركي في تغيير السلطة لمصلحة رجالها). وخصوصاً أن “رجال الأعمال الجدد” قد تشابكوا مع “رجال الأعمال الجدد” الروس وفي أوروبا الشرقية (أي مع المافيا الروسية والأوروبية الشرقية).

ورغم أن السلطة حمت الحدود مع الدولة الصهيونية وتهرّبت من التحضير لتحرير الجولان، وكذلك عملت على فتح مفاوضات حوله، فقد كان توضعها في إطار التحالف مع إيران ودعم حزب الله هو الذي يُظهر أهميتها على صعيد المقاومة ضد الدولة الصهيونية. لكن لا بد من ملاحظة التغيّر الكبير الذي حدث في إستراتيجية حزب الله ذاته، هذه الإستراتيجية التي جعلته في موقف الدفاع بعد تحرير الجنوب، ومشاركته في السلطة في لبنان. وهو الآن في وضع مشابه لوضع السلطة السورية، أي الانطلاق من إستراتيجية دفاعية فقط.

وإذا كان التغيّر في وضع السلطة السورية لن ينعكس سلباً على العلاقة مع حزب الله، فإن كلية وضع المقاومة، بالتالي، بات موضع نقاش.

وأيضاً فإن الانتفاضات العربية، والمسار الذي سوف تفرضه في الأخير، سوف يؤسس لوضع عربي مختلف في العلاقة مع الوجود الصهيوني والسيطرة الإمبريالية، يقوم على الصراع وليس الخضوع. فنحن في سياق مرحلة ستقوم حتماً على الصراع ضد السيطرة الإمبريالية نتيجة الميل الذي ستؤسس له الانتفاضات لتصفية البنية الاقتصادية التي فرضتها والتي تؤسس للنهب المستمر والقائمة على الاقتصاد الريعي. وفي إطار ذلك سيكون الصراع مع الدولة الصهيونية جزءاً من سياق مهمات المرحلة القادمة. فالانتفاضات تهدف إلى تغيير جذري في الوطن العربي، لن يكون ممكناً دون استقلال كامل عن الإمبريالية (القديمة والجديدة)، وفي إطار الصراع معها.

والثورة في سورية تأتي في سياق التحوّل العميق في الوضع العربي، وستصبّ في السياق الذي يفرض التصادم مع الإمبريالية، برغم طابع المعارضة الراهن، التي إذا استطاعت أن تلعب دوراً ما الآن، فلن تكون قادرة في مرحلة قريبة تالية.لأن معظمها لا زال يعيش صورة الماضي للوضع العالمي، ولوضع الشعب السوري. خصوصاً وضع الشباب ومنطقه الذي بات يتجاوز كل البنى السياسية خطوات بعيدة، لا تجد تقاطعاً مع الأحزاب القائمة.

إن سوء فهم الوضع الداخلي السوري، وسوء فهم الوضع الدولي، فرضا أن يصبح الخوف من المتغيرات هو المسيطر على هذه النخب، ويصبح التعلق بالماضي هو البديل عن رؤية أفق المستقبل. هي تتشبث بآخر “قشة” كي لا تغرق، فالطوفان يجرفها كما يجرف الأنظمة. ولا شك في أن المتغيرات هذه سوف تتجاوز كل مقاومة قائمة على أساس طائفي لمصلحة مقاومة شعبية سوف تفرزها هذه المتغيرات. وسيكون التموضع العربي ليس إما مع أميركا أو مع روسيا، بل مع العرب ذاتهم في إطار نهوض صراع عالمي من أجل تجاوز الرأسمالية كلها. سيكون النهوض العربي جزء من الصراع الطبقي العالمي لتجاوز الرأسمالية ذاتها.

من لا يفهم ذلك من الماركسيين سيكنس مع النظم بالضرورة. لأنه يكون قد أصبح فاقد الصلاحية. ولأنه يكون معلقاً بأهداب الغير (النظم أو “المقاومة”)، وخارج كل فاعلية سوى ما هو سلبي. المتغيرات التي تجري هي في أفق الوصول إلى قلب كل المعادلة التي أسستها الإمبريالية طيلة أربعين سنة، وفي أفق النهوض الثوري من أجل وطن مستقل ومتطور وموحد.

 

شاهد أيضا للكاتب لقاءه المصور حديثا على برنامج صدى المواطنة 

 

التصنيفات : المقالات, الأخبـــــار

الكاتب:syr2015

صوت المعارضة السورية الصادق

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

%d مدونون معجبون بهذه: