آفاق الديمقراطية في سوريا/ د هيثم مناع

محاضرة هيثم مناع في البيت العربي في مدريد، 31/10/2012
قبل أن نصل إلى لحظة تغيب فيها كلمة الديمقراطية عن المشهد العسكري السائد، نحاول منذ أشهر التأكيد على أن الثورة السورية قد انطلقت في 18 آذار 2011 ضد نظام استبداد ومنظومة فساد. وقد جاءت في خضم وضع ثوري في المنطقة بدأ في تونس ومصر ثم ليبيا والبحرين واليمن. ومهما كانت مآلات التحول في هذه البلدان، بقيت الديمقراطية ولو اختزلت حينا لديمقراطية الانتخابات بدلا عن ديمقراطية المؤسسات. وحتى عندما انتصرت تيارات إسلامية سياسية، فقد كسبت باسم الديمقراطية وبفضل صناديقها. أي أن الربيع العربي مهما تداركه الخريف لم ينحدر إلى اعتبار المستبد “العادل” نقيض المستبد الجائر بل قام على مواجهة الاستبداد كنظام معاد لكرامة وحقوق وحريات الأشخاص والجماعات. أي إقامة نظام ديمقراطي مدني ينهل من تجارب العصر وخبرة وثقافة الشعب ما يعزز بناء دولة مؤسسات دستورية تعددية.
كتبت في 2004 في مجلة مقاربات: “أصبح من المتفق عليه، أن السلطة التسلطية في سورية قد وصلت إلى الطريق المسدود الذي اقتادت نفسها والبلاد إليه. فقد تعفنت تجمعاتها المصلحية واحتضر مثقفها وتقرحت رموزها وانحسر إعلامها بتمجيد فرد أصبحت تهينه أجهزة الأمن كما تهين غيره من المواطنين. لم يعد استمرار السلطة بشكلها الحالي يعني شيئا آخر سوى إعادة إنتاج الأساليب القمعية في الحياة اليومية للناس. وإن كانت السياسة تتبسط في وازع وناظم ورادع، فقد اضمحل الوازع الكامن وراء السلطة الحالية، إيديولوجيا كان أم أخلاقيا. وتهّزل الناظم بإدمان حالة الطوارئ والقوانين الاستثنائية وموت صاحب “الدستور الدائم” قبل دخوله حيز التنفيذ. بل حتى قبل إلغاء “قانون حماية الثورة” سيئ الذكر حيث تحول بوفاته لأداة للخلافة العائلية وتوقف عند ذلك. لا سلطة مضادة يسمح بها ولا رقابة على الأداء الحكومي ولا صحافة جديرة بالتسمية. لقد فشلت “عائلة الأسد” في القيام بأي من وظيفتي الدولة الحديثة حتى بشكل نسبي:
–       تأمين التوزيع المتكافئ للحظوظ والفرص والحد الأدنى من الحقوق الوضعية.
–       وتوفير الحريات الأساسية الضرورية للانتساب للعصر.” (1).
خلال عقود أربعة، تمّت مركزة السلطات في نظام رئاسي يمسك رئيس الجمهورية فيه بالسلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية. تمت فيه عملية تفصيل الدستور على مقاس حزب البعث ورئاسة الجمهورية. اعتبر الدستور الدائم حزب البعث قائد الدولة والمجتمع في مادته الثامنة وأعطت المادة 11 للجيش دور الدفاع عن النظام كمهمة من مهماته. منحت المواد 84 إلى 132 للسلطة التنفيذية وقمتها الصلاحيات الكبرى في الرئاسة وسياسة الحكومة… وقد رفضت السلطات السورية التوقيع على أية اتفاقية لحقوق الإنسان طيلة 23 عاما. كان أول استثناء لهذه القاعدة في موافقة سورية على “اتفاقية حقوق الطفل” عام 1993، ثم الموافقة المتحفظة على اتفاقية مناهضة التعذيب في تموز 2004 التي لم تجد تطبيقا واقعيا قبل أو بعد 18 آذار 2011. بحيث صارت سورية، مع كوريا الشمالية وكوبا آخر قلاع مناهضة الوجود الطبيعي للمجتمع المدني والسياسي. ويمكنني القول من بعثات تحقيق ميدانية قمت بها في أكثر من عشرين بلدا،  أن وضع (بل ومفهوم) المنظمات غير الحكومية في سورية متأخر عنه في بوركينا فاسو ورواندا وبنغلادش وآزاد كشمير.
إن كانت الحداثة السياسية قد قامت على مفهوم السيادة (وهو مبدأ الدولة الحديثة) ومفهوم الشعب كمصدر للشرعية. فقد قامت السلطة منذ انقلاب 1970  على مفهوم الغلبة الخلدوني قبل الرأسمالي: أي القدرة والاستطاعة لتجمع المصالح العسكري الأمني الحاكم على الاحتفاظ بما صادر وغنم بالعهر والقهر.
خلال قرابة نصف قرن، تكفل الاستبداد السلطوي بسحق الشخصية القضائية وقتل الشخصية الأخلاقية وإلغاء الخصوصية النوعية للكائن البشري. ومع التحطيم المنهجي للقدرات الذاتية للمجتمعات، تحولت المنطقة إلى البطن الرخو في حقبة عولمة حالة الطوارئ. فهل كان من الممكن في وضع كهذا مواجهة مخاطر التدخلات الخارجية والقيام بالتغيير الديمقراطي الداخلي مع الحركة المدنية السلمية التي انطلقت من درعا؟
نعم وألف نعم. لأن السيادة والشرعية إنما تم ضربهما في الصميم بابتعاد السلطة السياسية عن المجتمع وإبعادها له. بالتالي لم يعد بالإمكان الدفاع عن الوضع القائم باعتباره ضمانا من الخطر الخارجي، لأن هذا الوضع هو السبب الأساسي في جعل الخطر الخارجي قائما. ويحق لكل إنسان في هذه البقعة من العالم أن يتساءل: هل طرح مارتن لوثر على نفسه السؤال عن مخاطر صعود البعبع العثماني على برنامج الإصلاح المسيحي؟ وهل فكّر بركب بغال سليم الأول لاحتلال الفاتيكان؟ أو ليست خياراته في الإصلاح الذاتي هي التي هزّت مجرى التاريخ الأوربي؟
لم يعد النظام السوري بشكله القديم يمثل طموحات أحد، وصورته السلبية المزروعة عند الأغلبية الساحقة من أبناء المجتمع لم تعد تستجيب لطموحات عشرات بل مئات آلاف المطالبين بالتغيير. صار من المستحيل العودة إلى نواظم مشتركة عليا دون اعتبار المواطنة، وليس الحكومة، الجامع الوحيد للكيانات المحطمة والدافع الأوحد للاجتماع السياسي. لكن ما معنى المواطنة في غياب الحقوق الفردية والجماعية؟ ما هو مبناها في غياب تعريف واضح للأشخاص بغض النظر عن جنسهم ودينهم وطائفتهم وقوميتهم؟ هل ارتقت السلطة بما تقترح من إصلاحات إلى قبول فكرة الفضاء السياسي والمدني الأوسع الرافض لكل استثناء واستقصاء؟ هل تم التوافق على نزع القداسة عن الشأن العام لنتساوى أمام القانون في الوازع والناظم والرادع؟ هل ارتقت القرارات الفوقية التي واجهت بها السلطة السياسية والأمنية الحراك المدني الشعبي لجعل سلامة النفس والجسد شعارا ثقافيا-سياسيا عاما، أي زرع مناهضة التعذيب في الوعي الجماعي؟ هل وضعت أسس إعادة الروح للسلطة القضائية المحتضرة تحت ضربات الأمن والمتنفذين؟
الشباب الذين نجحوا في كسر طوق أمني رهيب هم من يعرف درعا زنقة زنقة، لأنهم على مواتيرهم (دراجاتهم النارية) القديمة يجولونها كل يوم عشرات المرات. أجهزة الأمن فقدت صوابها من شباب يتداعون للتظاهر بكل الوسائل الحضارية، يصرخون “سلمية سلمية ولو قتلوا كل يوم مية” ويتحدثون في الحرية ويدينون رامي الحرامي والفساد. هذه المجموعات الجديدة غير المؤرشفة في سجلات المخابرات صارت على الفور في خطاب السلطة مؤامرة وعصابات منظمة ثم جند الشام وسلفية ثم ماسونية ثم تنظيمات مسلحة!!..
لقد ارتقت الحركة السلمية المدنية الواسعة، رغم عفويتها ونقاط ضعفها لمستوى زج مئات الآلاف في الشأن العام بشكل سمح ببعث الروح في الحركة السياسية المعارضة والمجتمع الصامت أو العازف عن الشأن العام بالقوة. ونجحت هذه الحركة في أن تكون محورا جذابا لأغلبية سورية تغطي الخارطة الجغرافية والطائفية والقومية. ولعل أهم القرارات كرفع حالة الطوارئ وإقرار مبدأ تغيير الدستور كانت بالمعنى المباشر للكلمة إنجازا شعبيا اضطرت قمة السلطة ولو بشكل اسمي للإذعان له. لكن القبضة الحديدية لأجهزة الأمن والثقل الأخطبوطي لعسكرة المجتمع شكلا سدا منيعا في وجه التحول السلس من سلطة تسلطية مستوطنة إلى سلطة انتقالية تستوعب ما تبقى من الدولة في مواجهة عملية الاستبدال غير التاريخية للدولة بالسلطة الأمنية العسكرية التي لم تقبل بتسوية تاريخية بين ضرورة تماسك الدولة والوطن في أتون كرامة الإنسان وحريته. ما يذكرنا بالتحليل العميق لأدورنو وهوركهايمر للعلاقة بين الستاتيكية والدينامية في جملة معبرة لمنظري مدرسة فرانكفورت: “مهما بلغ الضغط من قوة وشدة، واستطاع إلى حين أن يسكت صوت الأضداد، فإنه لن يستطيع أن يقضي نهائيا على التوتر المتراكم. والمسيطرون المحدثون أنفسهم لا يسمحون بادئ ذي بدء أن يسود مثل هذا الهدوء، إنهم لا يستطيعون ذلك، ويجب أن لا يفكروا فيه إذا أرادوا أن يبقوا في أماكنهم. لكن هذا التعبير من الدينامية التي تدور في دائرة وبدون هدف حول نفسها هو في الحقيقة مضاد للتاريخ”.
لا نكشف سرا عندما نتحدث عن شجرة نسب في المعارضة السورية استندت منذ 1978 في تصوراتها السياسية على معطيات ثلاث:
الأول: ضرورة الاعتماد على دولة أو أطراف خارجية، ماديا ومعنويا وإعلاميا. وفي تجربة الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين عسكريا أيضا. وتجلى ذلك بتحالفها مع النظام العراقي وأطراف أخرى في الثمانينات. وانتقال بعضها بعد اغتيال رفيق الحريري لأطروحات الإستقواء بالأمريكي (الديمقراطي، المتحضر والمدافع عن حقوق الإنسان..) في وجه الهلال الشيعي-الإيراني (الرعوي، الريفي، الصفوي، الباطني، الرافضي..)، ناهيكم عن الممثلين الإقليميين للسياسة الأمريكية. وقد أعطت الحركة الإسلامية الأردوغانية لهذا التوجه حاضنة ثقافية وسياسية محلية تخفف من جفائه الموالي للإسرائيلي والإسلاموفوبي والمتحالف مع أنظمة متعفنة. حيث عوّض “حزب العدالة والتنمية” رفض أطراف أوربية متطرفة انضمام تركيا للإتحاد الأوربي، بخطيّ انحناء يلتقيان في أنقرة: حلف شمال الأطلسي والتوجه للدول الإسلامية المجاورة. ومع هذا المستجد، لم يعد من الغريب الاستنجاد بالناتو، بل صدور فتاوى تكفير من البعض بحق من يرفض التدخل العسكري لحلف شمال الأطلسي (كذا!).
الثاني: مواجهة شبه دائمة بين أطروحة البرنامج السياسي الوطني- الديمقراطي- المدني الواضح المعالم لإسقاط الدكتاتورية من جهة، وأطروحة تقول بضرورة أوسع جبهة لإسقاط النظام بغض النظر عن التصور السياسي والدستوري والبرنامجي لسورية الغد، باعتبار صندوق الاقتراع سيد هذا التصور من جهة ثانية. وقد لعبت هذه المواجهة، إضافة لمشكلات شخصية بحتة، دورا سلبيا كبيرا حرم المعارضة من برنامج الحد الأدنى المشترك القادر على زعزعة نقاط ارتكاز المنظومة التسلطية الحاكمة.
الثالث، اعتماد اتجاه غير صغير، على مفهوم تكتيكي ومكيافيلي ووصولي للعمل السياسي والمدني، مع كل ما يترتب على ذلك في الوعي الجماعي للجمهور، الذي يحتاج إلى قيم كبرى وأهداف سامية وأخلاق جديدة في العمل العام. وإن كانت هذه الممارسات مفهومة قبل اندلاع الانتفاضة – الثورة، فقد أصبحت جزءا من الثورة المضادة التي لم تستوعب أن الثورة ليست مجرد تغيير في موازين القوى الجهوية أو الحزبية أو الطائفية، بل هي مشروع إعادة بناء للإنسان والمجتمع والدولة.
لقد صمد المجتمع السوري في وجه التوحش السلطوي المنتج بالضرورة لكل تعبيرات الفعل العنفية من الكلامية إلى المسلحة. بل وكذّب قانون نيوتن القائل بأن لكل فعل رد فعل مساو له بالقوة ومعاكس له في الاتجاه. مع إصرار شعبي على القيم العليا للثورة التي ترفض الثأر وتطالب بالعدالة القضائية والاجتماعية وتعتبر المساواة بين السوريين على اختلاف مناهجهم وفرقهم ومللهم ونحلهم أساس جمهورية المواطنة. لكن نزف الجراح اتسع ودور الخارج والإعلام تَضخّم، وتحولت القضية السورية يوما بعد يوم، إلى استراتيجيات سلطة ونفوذ إقليمي ودولي. وليس بعيدا عن كل هذا المال السياسي والتوظيف الإعلامي وتجارة البؤس التي مارستها أطراف تعيش خارج البلد، أحيانا منذ ثلاثة عقود، جعلتها ترى الدولة كلها سلطة والجيش كله عصابة أو طائفة. وترى فيما يحدث فرصة الثأر والانتقام لهزائم لم يرها الجيل الثائر ولا تشكل له مرجعية. بل وفرصة للحركات التكفيرية غير السورية التي وجدت في سورية أرضا للجهاد ضد الرافضة والنصيرية والمجوس. هذا العنصر الخارجي الذي اختزل صوت الثورة في شعارات الثورة المضادة وحول واجهتها السياسية المقبولة غربيا وخليجيا إلى رواد لفنادق النجوم الخمسة ومؤتمرات وأروقة شبكات سياسية-مالية-إعلامية… جعل استنساخ المثل الليبي مقبولا عند قطاعات من الرأي العام المنخرط في الحراك بدعوى تحطيم الدكتاتورية وإنقاذ الثورة. حارما الحركة المدنية الشعبية من الأطر والطاقات الغنية القادرة على تطوير أدائها وإيصال سورية إلى بّر الخلاص من الفساد والاستبداد.
قدمت السلطة السياسية في الأشهر الستة الأولى للحركة الشعبية المدنية أسوأ ما عندها. وحققت في سياستها القمعية العنيفة عملية الانتقال في المجتمع من المواجهة السلمية لعنف السلطة إلى السقوط في مستنقع التسلط السلطوي نفسه. أي الانتقال إلى الأرض التي تتقن الدكتاتورية عليها المواجهة. ويمكن القول أن شهر رمضان  في آب 2011 كان شهر الانتقال من الحراك الذاتي إلى الحراك المتأثر بالعالمين الإعلامي والافتراضي الخارجي، ومن عالم السير على وتيرة الحركة الاجتماعية إلى عوالم السير على وتيرة التعبئة الخارجية. وقد تصاعدت بعلاقة جدلية نداءات التدخل الخارجي وتطييف الصراع وعسكرته في وجه لاءات الثورة السلمية الرافضة لهذا الثلاثي. ولا نستغرب صدور بيان في العاشر من آب أغسطس يعبر تماما عن الثورة المضادة التي وضعت 3 نعم بمواجهة لاءات هيئة التنسيق الوطنية الثلاثة.. بحيث بدأت تتراجع المطالب المحددة للتغيير الديمقراطي المدني أمام شعارات كبيرة في ظاهرها كارثية النتائج في واقعها.. وحدث الانزلاق إلى مواجهات مسلحة غيبت المطالب التي بها ومن أجلها صارت الثورة السورية منارة للشعوب والأمم.
كنا ومازلنا نعتمد على الذات السورية والذات الثورية… فانزلق البعض نحو التبعية المالية والتبعية الإعلامية والسياسية. لم يعد طريق الخلاص شعبيا وسوريا وصار الناتو المهدي المنتظر لكل من تحول من مجرد قوة دعم لثورة شعبية إلى موجه وقائد للحراك الداخلي.
لقد أدركنا مبكرا خطورة هذا الانزلاق. من هنا توجهنا المبكر للجامعة العربية وموافقتنا في هيئة التنسيق الوطنية على حوارات تقريب أطراف المعارضة السياسية في الداخل والخارج. وقد حققنا بعد 38 يوما من الحوار مع المجلس الوطني السوري نصرا كبيرا لقيم انطلاقة الثورة وبرنامجها الأساس في اتفاق لم يكن مثاليا، ولكنه ثبت نقاط الارتكاز الجامعة لفكرة الدفاع عن الوطن والمواطنة ورفض التدخل الخارجي ونبذ الطائفية واعتبار المقاومة المدنية السبيل الأرقى للوصول إلى الانتقال السلمي للديمقراطية. في هذا المنعطف الهام، برز دور الخارج المتضخم والمؤثر، الذي لم يسمح لهذا الاتفاق بالعيش أكثر من 12 ساعة. بل أكثر من ذلك، نجح في تعبئة الغوغاء ضده ليتحول إلى جذام يتهرب منه القاصي والداني. بعد ذلك، لم يعد من الغريب أن يمسك الخارج بزمام التعبير السياسي السوري خارج البلاد، مع وعود بالكوريدور الإنساني حينا، ومناطق العزل الجوي والمناطق الآمنة أحيانا أخرى. وبدأت عملية تعويم العسكرة والجيش الحر على قدم وساق، بحيث صار من الصعب على أي طرف سياسي سوري بإمكانياته الذاتية، أن يستجيب لمتطلبات الولوج في حرب تهمش الثورة وتبعد بالضرورة الكتل البشرية الواسعة عنها. ولشديد الأسف، خاضت نخبة سياسية خارجية معركة التسليح والتدويل بحيث اختلط عند الفصائل المسلحة مفهوم الدولة بمفهوم النظام والجيش السوري بالجيش الأسدي أو النصيري (حسب الإيديولوجية) وأزيلت الفروق بين الصراع الإقليمي والدولي على سورية، والصراع بين قوى التغيير المجتمعية والسياسية والمدنية من جهة  والدكتاتورية من جهة ثانية.
في لحظات التحول هذه، سارت السلطة على نهج القرارات الأحادية الجانب لما أسمته بالإصلاح. فحاورت نفسها في صياغة دستور جديد. وعادت حليمة لعاداتها القديمة فيما أسمته انتخاباتها. وأصدرت عددا من المراسيم والقرارات التي لم تنفذ منها، على هزالتها وعقمها، شيئا يذكر (للمثل لا للحصر، شكلت كل قرارات العفو الرئاسي مأساة ومهزلة بعدم شمولها أهم رموز الحراك المدني السلمي في كل مرة).
نسمع في كل مرة جملة أن الحراك السلمي لم يعط نتيجة فاضطر الحراك للتسلح. وبعد ثلاثة عشر شهرا من المواجهات المسلحة من حقنا التوقف لحظة عند المحصلة المادية والبشرية:
أكثر من 40 ألف قتيل (فقط 20٪ منهم قبل المواجهات المسلحة)، أكثر من 200 ألف جريح، 30000 مفقود، 29٪ من البنية التحتية الصحية تدمرت بشكل كامل، 85 قرية وحي دمرت بالكامل، أكثر من 2 مليون نازح، أكثر من 380 ألف لاجئ … خسائر اقتصادية تفوق الـ 150 مليار دولار…
نقف اليوم في مرحلة لعلها الأصعب في تاريخ التكون السياسي لسورية بعد الاستقلال. يمكن للسلطة أن تعرض لنا صحيفة “انتصاراتها”، ويمكن للبعض أن يحدثنا عن السيطرة على 60 إلى 80 بالمائة من الأراضي السورية. وللبعض الآخر أن يعتبر الثمن مهما كان باهظا مسألة ضرورية للتخلص من النظام الدكتاتوري لأن تكلفة بقاء النظام أكبر. بل يمكن أن نسمع من أحد المعارضين القول: “يجب أن نكون على استعداد لهدم دمشق إذا احتاج الأمر للتخلص من بشار الأسد”. ومن الملاحظ أن المتحدثين في السلاح والقتال والعنف والقوة قلما يتحدثون في الانتقال السياسي إلى الديمقراطية في سورية.
لا يمكن وصف ما يحدث بأمانة دون الخوض بصدق وعمق في كلمات ومصطلحات مثل فرق الموت أو الشبيحة، وظيفة الميليشيات وطبيعة التسلح غير الحكومي في سورية، تغييب المشكلات الأساسية التي أنجبت الثورة كالتهميش الاقتصادي والاجتماعي والسياسي وتصحر المشروع السياسي للسلطة والاغتيال المنهجي لفرص النضوج المدني السياسي المجتمعي القادر على مواجهة أخطبوط الاستبداد-الفساد في البلاد والأشكال الجديدة للفساد التي ولدت مع التسلح… رسم معالم وإمكانيات الطريق السلمية المحلية من الاعتصام والإضراب العام، إلى العصيان المدني العام القادر على شلّ وسائل الدفاع الأمنية العسكرية للسلطة الدكتاتورية عند القوى المدنية في الداخل. لذا لا يستغرب غياب القدرة عند قطاعات واسعة مشاركة داخل وخارج البلاد على استيعاب الفرق بين السلطة والنظام والدولة. وعدم تلفظ الفئات الأكثر فقرا لكلمات مثل البناء والتنمية والتشغيل وحق العمل والعدالة الاجتماعية. وسهولة الاتهام والقذف والتشهير بقوى ديمقراطية ناضلت عقودا ضد الدكتاتورية. لقد سقط العديد من الشعبويين في وهم “السوري جميل مهما فعل”، فلم يعملوا على إعادة البوصلة الثورية لمكانها والتأكيد على أهداف رئيسية ومهمات غير منجزة عوضا عن تمزيق الجبهة الداخلية للثوار. كذلك جرى الاستخفاف بوسائل حماية السلم الأهلي في الأوضاع الثورية وكأن لدى السوريين كروموزومات مضادة للصراعات الأهلية المسلحة. وقد تعززت عند أوساط سياسية ليبرالية ودينية في الخارج حالة عدمية وطنية (خاصة في التفاوض على الجولان والتدخل العسكري الخارجي) فقدمت للرأي العام العربي صورة جد سلبية عن المعارضة التي لا تميز بين الاستقلال والتبعية في القرار السياسي. وزاد الخطاب الداعي لدعم العسكرة والتدخل الخارجي العسكري في إضعاف وعي وقدرة الثوار على فك الارتباط مع آليات قتل الثورة. ولا شك بأن المسؤولية تشمل القيادة السياسية والقيادة “السيادية” في السلطة والمعارضة. الغموض السائد المتعمد حول معنى ومبنى الحماية الدولية، قراءة أشكال الكوريدور الإنساني المعروفة بشكل مراهق، سهولة التعامل في بروباغندا المعارضة مع الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة وتبعاته، تجميل وزخرفة تدخل “الناتو” في طمس متعمد لتدخلاته منذ تأسيس حلف شمال الأطلسي. وأخيرا وليس آخرا، الوضع المأساوي لضحايا القمع والتوحش الأمني-العسكري الذي جعل الكثير منهم أسرى للأطراف التي تساعدهم على البقاء على قيد الحياة.
من السطحي أن نقبل بجملة البعض (الشعب دائما على حق وهو المعلم)، فنحن نعرف من بقي من هذا الشعب في الشارع، وليس سرا تراكب آلية التظاهر وعملية الإحتواء والتوظيف instrumentalisation  لبعض المتظاهرين وانعكاسها على الحراك المدني وتوجهاته والصورة النمطية التي يصنعها الإعلام عنه. عندما تعرض فضائية خليجية فيلما كاملا يعتمد على وثائق مزورة أو آخر يتعرض بالشتم لشخصيات ديمقراطية كبيرة. و”ينسى” المتظاهرون بقدرة قادر شعار إسقاط النظام أو ضرورة محاكمة المجرمين أو كلمات انطلقت الثورة من أجلها كالكرامة والحرية والعدالة الخ… يستحق هذا الإخراج الرديء طرح السؤال: هل هناك مواطن ثائر حر على استعداد لتقديم حياته مقابل طرد المراقبين العرب أو استقالة الأخضر الإبراهيمي ولعن روح أبناء المنافي والسجون؟
في كل عرض سمعي بصري للوضع السوري كان الخوف من المبالغة وتأثر الصورة الميدانية برغبات وسياسات “هيئة التحرير” يعيدنا إلى كل الجالسين على مدرجات المراقبة لتحديد معسكرهم. وهؤلاء كانوا في الأشهر الماضية أكثر من نصف أهل البلد باستمرار. وهؤلاء وحدهم يملكون تقرير مصير الثورة والبلاد والعباد. لم يكن الخوف المركزي على الصورة الذاتية، تنظيمية أو شخصية، حاضرا بقدر ما كان الخوف من عملية التهديم المنهجي، بوعي أو بغير وعي، للأخلاق الثورية والقيم الكبيرة التي تحملها الثورة يتصدر كل منعطف. لقد ترسخت لدينا القناعة بأن من الضروري توضيح التخوم بين المشروع المدني الديمقراطي السلمي وأي شكل من أشكال الصراع المسلح والتعبئة الطائفية والتبعية السياسية والمالية. ولم ولن أتوقف عن الحديث في مخاطر إلغاء الفروق بين الثورة والحرب، بين وسائل وخطاب الثوار والسلطة، بين الانتماء لمستقبل سورية الديمقراطي وحمل إرث الحقبة التسلطية.. فما أسهل أن تتحول الثورة إلى حرب داخلية وحرب إقليمية تعني إعطاء السلطة الأمنية، التي أوغلت في جرائم ضد الإنسانية، بالون أكسجين يطيل عمرها، وتعيد انتساب ثلاثية المدينة والأقليات والمدنية للحراك الثوري إلى المربع الأول.
سورية اليوم تعيش حالة تمزق مدني وأزمة انتساب وهوية نتيجة البروباغندا السلطوية التي تخوّن وتصنف إرهابيا ومتآمرا كل من يناهض الدكتاتورية، والبروباغندا العنفية التي تخون كل من لا يؤيد حرب تحرير سورية من عصابات النظام والجيش الأسدي والشبيحة. وكما ذكرت في محاضرة سابقة، كنا تحت مطرقة إضعاف الشعور القومي فأتانا سندان إضعاف الشعور الثوري في كل مرة ننطق فيها برأي أو نقد أو نتحدث فيها عن نقاط القوة والضعف في مناهضة الدكتاتورية بالوسائل المسلحة والسياسية.
كيف يمكن في وضعية الاستقصاء والاستئصال السائدة أن نمهد لممارسات وثقافة ومؤسسات ديمقراطية؟
لا يوجد في التاريخ المعاصر حالة واحدة لاستشراس العنف أعطت نظاما ديمقراطيا.. وليس لدينا حالة واحدة لانتصار عسكري في أوضاع مشابهة لم تحمل فيروسات التطيف والتطرف والانتقام والاستئصال والثأر.
حتى لا يقتل الحلم الديمقراطي المدني في وضح النهار، فإن أول شرط لإعادة اللحمة المدنية والسياسية في البلاد من وجهة نظرنا يكمن في اتفاق جميع الأطراف على اقتصاد العنف. والتصدي للحل العسكري كغاية في ذاته ومن أجل ذاته. يمكن للقتال أن يغطي على الحركة المدنية وأن يملأ المشهد الإعلامي والمعاشي اليومي.. ولكن ليس بوسعه أن يحل مكان الحل السياسي. فتعميم وهيمنة ممارسة العنف في البلاد اليوم، ليست فقط مصدر تحطيم إضافي للقدرات الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية المتبقية في البلاد. بل هي حالة مواجهة مباشرة مع المشروع الديمقراطي المدني لسورية الغد. وللأسف أقول، لم تعد هذه القضية محلية وسورية مع تحول عدد هام من أطراف الصراع لأدوات إقليمية. من هنا ضرورة توصل الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن إلى تسوية تاريخية عبر مؤتمر دولي من أجل سورية يفرض برنامجا انتقاليا نحو دولة ديمقراطية على الأطراف المؤمنة بإمكانية النصر العسكري في السلطة والمعارضة.
إننا بأمس الحاجة كسوريين اليوم، إلى لقاءات واسعة لكل من يريد الخروج من هذه الحرب القذرة. وتحالفات ضرورية تحقق تنسيق الحد الأدنى بين مكونات المقاومة المدنية والقوى المطالبة بالتغيير الديمقراطي في البلاد من أجل الدفاع عن الإنسان المهمش والوطن المهدد والأمان المدنّس والمواطنة المغيبة. من هنا إصرارنا على التجمع كلما كان هناك فرصة وضم الأصوات في حوار نقدي بناء وجاد كلما أطلت مبادرة. فالعالم لا يتوقف عند من يطلق صرخة وينتظر ماء السماء. وإنما تزرع لبنات غده بخطوات حكيمة وهادئة معززة بالحوار الجماعي الديمقراطي الجامع بين الشفافية والصدق والحرص على كرامة الإنسان والوطن والأرض.
———————-
1) هيثم مناع، تجديد الخطاب السياسي، مقاربات، العدد الثامن والتاسع، ص 78، 2004.

التصنيفات : المقالات

الكاتب:syr2015

صوت المعارضة السورية الصادق

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

%d مدونون معجبون بهذه: