معارضون يتساءلون… ومن يصلح «الجيش السوري الحر»؟!

طارق العبد

مكتوب على السوريين أن لا يمر يوم في هذه الأزمة دون أن تغرق مدنهم في دوامة الموت، سواء كان الأمر تفجيرات، أو قصفاً، أو عمليات خطف وإعدام ميداني قد تسبقها محاكمة عسكرية أو ثورية، ولكن لم يعد الأمر مهماً.

وحتى لو صدرت أصوات عديدة تحذر من فوضى السلاح وأثرها على المجتمع، فسيتبرع الكثيرون لإطلاق حملة مضادة تحتفي بالكتائب المقاتلة بالرغم من اتجاهات بعضها التي لا تتصل بالشارع السوري مطلقاً ومن يدري؟ فربما هؤلاء الذين ينتقدون ويحذرون من تململ الأهالي، هم مندسون في صفوف المعارضة، وقد يكون لهم صلات متعددة بالنظام أيضاً. ولا مانع في المقابل من حملة تقدس المعارضة المسلحة، وتحذر من المساس بها. الأمر الذي يصفه ناشط معارض بسخرية، «أهلا بكم في النسخة الجديدة من ديكتاتورية البعث».

دمشق والتفجيرات…

«جبهة النصرة» تمثلني!

لم تكد سوريا تصحو من تفجير مبنى الأركان العامة في دمشق، حتى أهدتها «جبهة النصرة» تفجيراً دمويا آخرَ في ساحة «سعد الله الجابري» في حلب.

ويتكرر المشهد مع ثلاث عمليات ضخمة شهدتها الفيحاء في أسبوع واحد. لتكون البداية مع استهداف مبنى قيادة الشرطة الواقع في شارع خالد بن الوليد في منطقة قريبة من المدينة القديمة. وتلاه انفجار ضخم استهدف هذه المرة مبنى الاستخبارات الجوية الذي يقع بين منطقتي القابون وحرستا عند مدخل دمشق الشمالي، وهو الذي أعلنت «جبهة النصرة» التابعة لتنظيم «القاعدة» مسؤوليتها عنه. ويعتبر الأكثر أهمية منذ استهداف مبنى الأمن العسكري في الشتاء الماضي، مع حديث الآلاف في مناطق بعيدة عن الموقع عن سماعهم صوت التفجير بقوة. وتلى ذلك إغلاق قوات الأمن الطريق الذي يمر في المقر الأمني، ثم تحويل حركة السير ذهاباً وإياباً إلى طرق فرعية تمر من خلف المبنى الذي تعرض لأضرار جسيمة.

ولتختتم سلسلة التفجيرات أمس الأول، باستهداف مبنى القضاء العسكري القريب من وزارة التعليم العالي وكلية الآداب والعلوم الإنسانية. وشكل الاستهداف الأخير مدخلاً إلى مجمع أمني يضم عدة مقارّ أمنية، وقد أعلنت هذه المرة مجموعة تطلق على نفسها «لواء أحفاد الرسول» مسؤوليتها عن ضرب مقر القضاء، بالتنسيق مع «لواء المصطفى»، رداً على الأحكام التعسفية التي تصدر بحق الناشطين.

وتحدثت المجموعة عن زرع ست عبوات ناسفة استهدفت قضاة وضباطاً كانوا في الداخل، حتى أنها ذكرت أسماءهم، الأمر الذي لم يشر إليه الإعلام الرسمي الذي اكتفى بالإشارة إلى الخبر من دون تفاصيل.

أما اللافت فهو تزايد عدد التفجيرات الكبرى التي تضرب دمشق، وفي مناطق تعتبر شديدة الحساسية الأمنية، بالرغم من أن عاصمة الأمويين تشهد يومياً تفجير سيارات مفخخة أو قنابل صوتية، وفي بعض الأحيان استهداف محال صغيرة أو شخصيات.

وقد انقسم الشارع السوري بين مرحب بالتفجيرات ومشكك بجدواها، خصوصاً أن عملية مثل التفجير الذي استهدف مبنى الاستخبارات الجوية الذي يضم آلاف المعتقلين، ستعرض حياتهم للخطر. وذهب ناشطون أبعد من ذلك بتساؤلهم عن جدوى مثل هذه العمليات، التي تدفع أكثر لوصم الثورة السورية بالنزاع المسلح، يضاف إلى ذلك تبني «جبهة النصرة» للعملية، وهي الكتيبة التي لا تقبل العمل تحت راية «الجيش السوري الحر»، بل تعلن عن نهجها السلفي الجهادي بصراحة، وهو القائم على التفجيرات الكبرى بطريقة تقترب كثيراً من أسلوب تنظيم «القاعدة» في العراق خاصة.

ولعل «لواء أحفاد الرسول» يسير هو الآخر على النهج السلفي الجهادي ذاته، وبالطبع لن تجد المجموعة السلفية صعوبة في تبرير عملياتها، أو بالأحرى بمن سيتطوع للدفاع عنها. وأكد مقربون من المجموعة المقاتلة أنها غير معنية إطلاقاً بالإعلام، ولا بصورتها، سواء لدى الشارع السوري في الداخل، أو لدى الجمهور المتتبع لأخبار الثورة السورية. وبالتالي سيتطوع من هم في الخط السلفي ذاته للقتال معها افتراضياً على الأقل. ويبررون عملياتها بأن النظام لن يسقط سوى بتفجيرات ضخمة كهذه، وإن قتل المعتقلين فهم يحتسبون شهداء، وربما يستريحون من العذاب اليومي. ولن يتردد كثيرون بالمزايدة ورفع شعار «جبهة النصرة تمثلني»!

«أهلاً بديكتاتورية البعث في نسختها الجديدة»

لعل التحولات التي تشهدها المعارضة المسلحة يومياً، دفعت بالعديد من نشطاء الشارع السوري إلى طرح مسألة مهمة تتمثل في ضرورة المراجعة الجدية لآلية عمل «الجيش الحر». بل إنهم يحذرون من فقدانه الدعم الاجتماعي، إن لم يكن قد فقده بالأصل في بعض المناطق على الأقل.

وبالطبع تعرض أصحاب هذا الرأي إلى حملة «تخوينية» شرسة، شككت حتى في مدى معارضتهم للسلطة القائمة، واعتبرت أن ما يقال مجرد «تنظير». وذهب آخرون أبعد من ذلك حين اعتبروا أن انتقاد «الجيش الحر» إضعاف له، وإساءة لما يقومون به، وبالتالي لا بد من دعمهم على اعتبار أن «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة».

وفي كل الأحوال استمر نشطاء الشارع في التحذير من العواقب الوخيمة، حيث أشار الناشط المعارض غسان ياسين إلى أن «تسمية الجيش للكتائب المقاتلة فيها ظلم كبير لأنهم باختصار يفتقرون لأبسط مقومات الجيش من تسليح منتظم، وقيادة واحدة، وحتى سهولة اتصال أو تنقل و…»، مضيفاً «سمعنا كثيراً عن منشقين أو متطوعين لم يجدوا من يعطيهم ولو رصاصة واحدة، في حين أن مجموعة أخرى في الحي نفسه لديها ذخيرة أكثر من حاجتها». أما المصيبة الثانية فهي كثرة التشكيلات العسكرية المكونة من ضباط منشقين وكثرة الخلافات في ما بينها، ووصل الأمر لحد التخوين والضرب والشتم (حادثة حصلت بين رياض الأسعد ومصطفى الشيخ).

ولعل أكبر خطأ ارتكبه المقاتلون، هو تمركزهم في الأحياء السكنية داخل المدن، في حين أن كل النظريات والتجارب العسكرية السابقة تقول إن أسلوب حرب الشوارع أو «الكر والفر» هو الأنسب في مثل هذه الحالات. ويضيف ياسين أن «الحاضنة الاجتماعية للجيش الحر في حلب المدينة لم تكن هي ذاتها في باقي المدن، ومع بداية إعلان ما سمي معركة تحرير حلب بدأ الناس بالتذمر من وجود المقاتلين في المدينة»، شارحاً أن «الذي حدث مؤخراً أن الأحياء المحررة التي كانت حاضنة اجتماعية للمقاتلين بدأت هي أيضاً بالتذمر… أما الطامة الكبرى فهي حين بدأت الاشتباكات تقترب من أحياء حلب القديمة والتاريخية».

ولذلك، يعتبر ياسين أنه «على كل الكتائب والألوية العاملة في المدينة أن تراجع استراتيجيتها العسكرية، خصوصاً في ما يتعلق بموضوع تحرير أحياء جديدة… فكل حي محرر هو مشروع حي مدمّر… يكفينا وهم وانتصارات إعلامية، ويجب عدم دخول أي حي جديد وإعادة النظر في التمركز الدائم في كل الأحياء». ويخلص إلى القول «لست عسكريا لكن من يعتقد أننا سنهزم النظام بالإمكانات الحالية هو شخص واهم وحالم… رياض الأسعد منذ عدة أيام قال إنه غير مسؤول عن معركة تحرير حلب ولا علم له بها… والعقيد عبد الجبار العكيدي الذي أعلن بدايتها لا وجود له على أرض المعركة في حلب»، متسائلاً «هل باستطاعة أحد أن يدلني على مكان آمن في سوريا؟ لا يوجد ولا حتى مئة متر مربع آمنة من قصف وإجرام النظام… انظروا إلى حمص ودير الزور… فأخبار حمص خلال اليومين الماضيين تدمي القلوب، من خلافات بين الكتائب على أمور تافهة، وتنسيق يكاد يكون معدوما». ويضيف «استقيظنا اليوم على خبر تحرير المعرة وغداً سنسمع عن المذابح وتدمير المعرة بالطيران».

في المقابل، تعتبر الناشطة الحقوقية رزان زيتونة أن «التذمر والضيق يزيد بين الأهالي والنشطاء، إلى حد وصل فيه الأمر إلى خروج تظاهرات في عدة مناطق تهتف هذه المرة من أجل إصلاح الجيش الحر نفسه وسلوكياته وتعامله مع المدنيين وبين عناصره وكتائبه».

فبالنسبة لزيتونة «لم يعد مفيدا القول ان هذه الكتيبة أو تلك المجموعة تتسلق على الثورة وتنتحل اسم الجيش الحر»، وتشرح أن «الانتهاكات والممارسات الخاطئة موجودة، بوضوح ضمن الكتائب والألوية المعروفة بالاسم، ولكن حتى تلك الدخيلة، لم يعد من المفهوم تركها تمارس عمليات التشبيح والإذلال للأهالي، فضلاً عن الأخطاء الفادحة في القرارات العسكرية، في الأماكن التي فيها كتائب للجيش الحر». وتضيف «يكاد يكون ليس للمجالس العسكرية في أي مكان أية سلطة تذكر على كتائبها وقادتهم، وليس لهؤلاء سلطة تذكر على عناصرهم. أما الدعم المتأخر الذي بدأ بالوصول، لا يزال فوضوياً، ويتحرك بين الأيدي عشوائيا وغير مدروس وتقوم المحسوبيات وبناء التبعيات، فيه بدور كبير»، شارحة أن «الكثير من الكتائب نظيفة الأخلاق، واليد، والنيات، تُترك من دون أي دعم يذكر، وتبقى عاجزة عن مواجهة سلبيات الكتائب الأخرى».

في المقابل، تُدعم كتائب المتطوعين على حساب العسكريين المنشقين، والكتائب «المؤدلجة» على حساب تلك التي ليس لها ولاء إلا للوطن، و«هي فوضى تنذر بالكثير من السوء»، بحسب زيتونة التي تقول «أردنا الاعتراف أم فضلنا دفن رؤوسنا في الرمال».

ويزيد على ذلك كله، وفقاً لزيتونة «السياسة الممنهجة التي يتبعها النظام في التدمير العشوائي لمنازل وممتلكات الأهالي، وحرق الأسواق ونهبها، والتنكيل البشع بالسكان، ما يدفعهم إلى طلب رحيل العناصر المسلحة عن مناطقهم». وقد حصل ذلك في أكثر من منطقة ومدينة من ريف دمشق إلى درعا وغيرها.

وتعلق رزان الحاصلة مؤخراً على جائزة «مؤسسة ابن رشد» للفكر الحر في برلين، «أنا لست خبيرة عسكرية، ولا أعرف إمكانية أن ينتقل عناصر الجيش الحر إلى خارج المدن ليكفوا شر النظام عنها، ولا أبدي رأيا في ذلك»، ولكن «على الجيش الحر أن يعي جيداً ما يخضع له المدنيون من ضغوط هائلة، من خسارات لا توصف في الأرواح والممتلكات. وأن يساعدهم على تجاوز هذه الضغوط، أن يعود جزءاً منهم كما سبق وانبثق عنهم، حتى أنهم كانوا حاضنته لأشهر عديدة». وتضيف الناشطة المقيمة في دمشق «ذلك لن يكون باستمرار تجاهل شكاواهم من سلوك الكثير من عناصره وكتائبه. ولن يكون باستمرار تجاهله عدم وجود حد أدنى من التنظيم والتناغم بين كتائب المنطقة الواحدة، وعدم وجود حد أدنى من القواعد الأخلاقية والقانونية المعلنة التي يلزم عناصرهم بالالتزام».

وفيما ينتشر التململ تدريجياً من آلية عمل «الجيش الحر»، لا يتردد الكثير من أنصار المعارضة المسلحة بالدفاع عنها، بل التهجم على كل من يكشف عن أخطائها الفادحة، ويطالب بتنظيم عملها وتحمل مسؤوليتها، واصفين كل من يتحدث بذلك بـ«المُنظر الإلكتروني»، على اعتبار أن ما يحدث لا يمثل سوى أخطاء فردية لا أهمية للتركيز عليها.

كما أنهم يطالبون بالعمل معهم على الأرض، متناسين أن جزءاً كبيراً من مقاتلي «الجيش الحر» يصم أذنيه عن كل ما يتم الحديث عنه. وتصر كتائب أخرى على الاستعراض الإعلامي، وإعطاء أوهام انتصارات إعلامية تحت راية أن كل شيء مباح في الحرب، لتبدو الصورة في سوريا غاية في المرارة بين التفجيرات وشلالات الدماء من جهة، وبين من اتبع لغة التخوين والإقصاء واستخدام شعارات ثار السوريون أنفسهم ضدها.

(السفير)

التصنيفات : الأخبـــــار

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

%d مدونون معجبون بهذه: