إنقاذ سوريا: مؤتمر معارضة سورية في الداخل

دمشق ـ- «السفير»

انتظم الرهان الروسي على بلورة قطب سوري معارض في الداخل. وحضر الإعلام السوري الرسمي. الشرطة السورية بدت حاضرة بقوة لتوفير أمن مندوبي أكثر من عشرين حزبا وتجمعاً سورياً معارضا حول فندق «أمية»، إلا أن الحماية الفعلية التي ساهمت بانعقاد المؤتمر الثاني من نوعه لمعارضة الداخل، بعد لقاء «سميراميس» العام الماضي، وفّرتها سلسلة اتصالات وضمانات قدمتها موسكو، التي كانت قد طلبت من هيئة التنسيق الوطني، قطب المؤتمر ورافعته الرئيسة، تأجيل انعقاده من 12 وحتى 23 أيلول الحالي، ليوافق انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث تطمح الديبلوماسية الروسية إلى إحداث تعادل مع الغربيين الذين يرعون «المجلس الوطني السوري»، وقسما واسعا من معارضة الخارج في «مؤتمر أصدقاء سوريا»، عبر دفع معارضة الداخل إلى امتـلاك برنامج يفتح الطريق أمام عملية سياسية ترعى موسكو جزءا واسعا منها.

وانفجرت عبوة موضوعة في حقيبة سوداء على معبر للمشاة على بعد حوالي كيلومتر من موقع الفندق الذي عقد فيه مؤتمر المعارضة. وأصيب شخصان في الانفجار. وشهدت مناطق سورية عديدة، أبرزها محافظات حلب وحمص ودير الزور أمس، قصفا عنيفا واشتباكات بين القوات النظامية والمسلحين، بعدما اعلنت المعارضة المسلّحة انتقال قيادتها من تركيا إلى داخل سوريا.

ويمهد المؤتمر، الذي عقد تحت عنوان «المؤتمر الوطني لإنقاذ سوريا»، وخلاصاته الأساسية برفض التدخل الخارجي للذهاب إلى طاولة حوار تعد لها موسكو منتصف تشرين الأول المقبل، أتى إليها من حضروا إلى فندق «أمية» ومن ينضم إليه غدا، وتنعقد من دون شروط مسبقة مع ممثلين عن النظام السوري ممن لم تتلوث أيديهم بالدماء، مع أمل أن تنضج وتقدم مبادرة تدعو إليها «هيئة التنسيق» لتنظيم وقف إطلاق للنار كلي أو جزئي، تعهدت روسيا خلال الاتصالات معها على إقناع النظام السوري بإنجاح ما يمكن إنجاحه، لفتح الطريق أمام عملية سياسية، تطمح المعارضة إلى تطويرها برعاية خطة لم تر النور بعد وتحمل اسم المبعوث الدولي والعربي إلى سوريا الأخضر الإبراهيمي، الذي سيقدم أمام مجلس الأمن الدولي اليوم تقريره عن أول مهمة له في سوريا.

وتتالى تسجيل رموز مهمة أبعد من البيان الختامي الذي توصّل إليه المجتمعون مساء أمس. وكان بارزا حضور السفير الروسي عظمة الله عظمة الله كولمحمدوف، الذي كان ثاني المتحدثين في الجلسة الصباحية، بعد رئيس اللجنة التحضيرية للمؤتمر رجاء الناصر.

وتحدث سفير روسي للمرة الأولى من على منبر سوري معارض، قائلا إن الهدف «الرئيس هو وضع حد للعنف بشكل فوري من طرف الحكومة أو المجموعات المسلحة، والهدف الآخر، وهو ليس اقل أهمية، هو تحويل المجابهة الحالية بين السلطات والمعارضة إلى مجرى الحل السياسي».

كما اخترق حضور السفير الإيراني محمد رضا شيباني خطا احمر في خطاب المعارضة السورية، واسقط محرما في إجلاس شيباني في الصف الأول لمدعوين أجانب. وحسمت هيئة التنسيق للتغيير الوطني الديموقراطي أمرها بتطبيع وجود العامل الإيراني في العملية السياسية في قطيعة واضحة مع مجمل موقف المعارضة السورية من الحلف الرئيسي للنظام السوري.

وقال عضو المكتب التنفيذي لهيئة التنسيق عبد المجيد منجونة إن إيران باتت حاضرة في العملية السياسية، وتؤدي دورا دعتها إليه المبادرة المصرية والرئيس المصري محمد مرسي، ولا تفعل المعارضة سوى تكريس تلك الرؤية والعمل على ضوء مبادرة اللجنة الرباعية التي نؤيد ما تقوم به».

وخيّم ظل عبد العزيز الخير، واياس عياش وماهر طحان أعضاء هيئة التنسيق المختفين منذ ثلاثة أيام على طريق مؤدية إلى مطار دمشق. ويعد الخير احد ابرز وجوه هيئة التنسيق الوطني العاملين على بلورة معارضة داخلية قوية تلتئم حول برنامج وطني واضح معارض للعسكرة والتدخل الخارجي. واتهمت هيئة التنسيق أجهزة الاستخبارات الجوية السورية باعتقال الثلاثة وإخفائهم قبل يومين من التئام المؤتمر، فيما تنفي الجهات الأمنية السورية ضلوعها في اختفاء الخير وعياش وطحان. وقال أمين سر الهيئة حسن عبد العظيم إن «انعقاد المؤتمر هو تجسد لإرادة عبد العزيز الخير، وهو ما عمل له على الدوام».

وأعاد البيان الختامي ما رددته على الدوام معارضة الداخل. وكان الجديد فيه، بعد عام على لقاء «سميراميس»، أن ما جاء فيه من انتقاد ودعوات يأتي تحت سقف النظام السوري الذي يعتبر رفض التدخل الخارجي قاسما مشتركا مقبولا مع اتجاهات المعارضة الوطنية، من دون أن يقدم لها ردا ايجابيا على ما قاله البيان الختامي من أن «إستراتيجية الحل الأمني العسكري التي انتهجها النظام تسبّبت في تعميم العنف، وخلق بيئة ملائمة لعديد من الأجندات الخاصة»، داعيا إلى «وقف العنف فوراً من قبل قوى النظام، والتزام المعارضة المسلحة بذلك فوراً، وذلك تحت رقابة عربية ودولية مناسبة».

وطالب المؤتمر الإبراهيمي بالدعوة إلى عقد مؤتمر دولي حول سوريا، تشارك فيه جميع الأطراف المعنية، تكون مهمته البحث في أفضل السبل السياسية لبدء مرحلة انتقالية تضمن الانتقال إلى نظام ديموقراطي تعددي. كما دعا «جميع أطياف المعارضة السورية في الداخل والخارج المؤمنة بضرورة التغيير الديموقراطي الجذري الشامل، الذي يحقق للشعب السوري مطالبه التي ثار من أجلها ويحافظ على وحدة سوريا وسلامة أرضها وشعبها، للعمل المشترك في سبيل ذلك».

وطالب «بالإفراج الفوري عن جميع المعتقلين السوريين، من بينهم الخير وعياش وطحان، أعضاء المؤتمر، وكشف مصير جميع المفقودين، والسماح بعودة المهجرين السوريين إلى منازلهم». وقرر المؤتمر تشكيل لجنة متابعة من اللجان التحضيرية وممثلين عن القوى والأحزاب والهيئات المدنية المشاركة فيه لمتابعة تنفيذ مقررات المؤتمر وتوصياته.

وكان لافتاً الحضور الديبلوماسي الصيني والجزائري بالإضافة لممثلين من سفارات مصر والهند. وحضر ممثلون عن الابراهيمي وأحد ديبلوماسيي الاتحاد الأوروبي في دمشق. وهؤلاء جميعاً فضّلوا الدخول مسرعين من دون الحديث للإعلام.

وتعرضت هيئة التنسيق لانتقادات وهزات في صفوفها بسبب الخلاف حول الجدوى من المؤتمر والأضرار التي قد تصيب مصداقية الهيئة في العودة إلى مؤتمر تحت مظلة السلطة فيما تستمر عمليات القتل.

وجاء منذر خدام، من دون حركته «معا»، لحضور المؤتمر التي رفضت الدعوة إلى فندق «أمية». وعلى العكس جاءت هيئة الشيوعيين فيما رفض أمينها العام المقيم في الخارج منصور الأتاسي الحضور. وأصدرت مجموعة من الشخصيات بيانا استقالت فيه من عضوية الهيئة من دون أن يمنع ذلك الهيئة من متابعة عملها. وغاب الناشط حسين العودات عن الفندق لكنه وصف البيان الختامي بأنه من «نوعية ممتازة».

الجلسة الأولى كانت مخصصة لإلقاء الكلمات من الوفود المشاركة. وبدا لافتاً كلام القيادي في هيئة التنسيق منذر خدام الذي أشار إلى «من أرادوا سوريا مزرعة للفساد وبلا حياة كي يعبثوا بها، ولكن الشعب أمهلهم للتغيير ثم انتفض حين لم يستجيبوا له، فلا حياة بلا حرية وكرامة وديموقراطية»، مضيفاً «لقد ضحّينا بعشرات الآلاف، ونحن على استعداد لتقديم المزيد والشعب لم يعد يقبل بأشباه الآلهة وإنما يريد بشرا وموظفين. فقد فشل النظام في تحرير الأرض وفي تحقيق الإصلاحات وحماية المواطنين من المؤامرة المزعومة، بينما تسببتم بقتل عشرات الآلاف، وتدمير الاف المنازل، ما ادى لتراجع البلد أعواماً الى الوراء».

وختم خدام «شعبنا يطالبكم بالرحيل، ونحن جزء من الشعب ومن الثورة، ولسنا وسطاء بين المعارضة والسلطة، ونقولها بصوت عال: على النظام ان يرحل».

أما الناشطة الشابة كفاح عليب ديب فأشارت باستغراب إلى قلة تمثيل الشباب في المؤتمر. وقالت «غابت الثورة عن كلمات الحضور، و نأمل أن تتبلور هذه الكلمات في خطط عمل»، لافتة الى ان «من يواجه الاستبداد عليه ان يكون نقيضاً له، وعلى قوى اليسار الخروج من أطرها وتجديد ذاتها والتعبير عن الديموقراطية في ممارساتها داخل احزابها، فالشعب الثائر يجب ان يكون هو القاعدة الاجتماعية لجميع الأحزاب والتيارات». وأشارت الى ان «في هذه القوى السياسية المشاركة في المؤتمر خيرة المناضلين، واتمنى من الشعب الا يصدّق ما يكال لهم من اتهامات».

ولم تدم الجلسة الافتتاحية أكثر من نصف ساعة. ويتحدث المنسق العام لهيئة التنسيق المحامي حسن عبد العظيم لـ«السفير» عن «تراجع قطب السلطة ونمو قطب المعارضة، ما يحتم عقد مؤتمر يثبت وجود المعارضة في الداخل وامتدادها في الخارج، مؤكداً في الوقت ذاته «ضرورة وحدة المعارضة والتوافق على عملية سياسية يسبقها وقف للعنف والقتل وإطلاق سراح المعتقلين وبدء عمليات الإغاثة للمهجرين».

أما المعارض القادم من حلب عبد المجيد منجونة فيشير لـ«السفير» إلى «بوادر صراع في قلب المعارضة المسلحة مع تراجع للحاضنة الشعبية واندساس الأهواء الإجرامية في صفوف الجيش الحر، ولعل الصراع المسلح الذي تغرق به حلب ومدن سورية أخرى يحتم اليوم على معارضة الداخل أن تقول كلمتها».

بدوره، يشير عضو «حزب التنمية الوطني» خليل السيد إلى دعوات وجهت إلى كافة السفراء الموجودين في دمشق، بالإضافة إلى أطراف عدة، وبالتالي فإن الحديث عن رعاية روسية ـ صينية ـ إيرانية للمؤتمر قد يكون في غير محله. ويعتبر أن الأهم في هذه المرحلة يبقى وقف العنف، ولا نتوقع من السلطة الإذعان لهذه المسألة فوراً، ولابد من ضغوط دولية عليه، ولكن في النهاية يبقى مجرد عقد المؤتمر في الداخل وتوحيد عدة قوى سياسية فيه، وطرح رؤية المعارضة في الداخل يبقى خطوة على طريق طويل للوصول إلى دولة مدنية.

وأعلن أن الباب لا يزال مفتوحاً لمعارضة الداخل الوطنية الشريفة، و«هذه القوى التي لم تنضم للمؤتمر ما زال الباب مفتوحا لها للانضمام للتحالف الداخلي، ويشمل هذا الانفتاح حتى المعارضة في الخارج، وعلى رأسهم المجلس الوطني».

أما المعارض والاقتصادي عارف دليلة فيرد على المشككين بجدوى عقد المؤتمر «بضرورة أن يبدأ الجميع، وخاصة السلطة، بالاعتياد على أن المواطن السوري في أمسّ الحاجة للحرية أكثر من حاجته للخبز، والذين يعتقدون بأن الحرية تقود للفوضى يتناسون أن غيابها سبب رئيسي للفوضى والدمار، ولو أنها الشكل الذي قامت عليه الممارسة السياسية في العقود السابقة ما انزلقت البلاد إلى هذا المنزلق الخطير الذي حذرنا دوماً من عواقبه في ظل استمرار التطورات اليومية في سوريا نحو العسكرة، فالمطالب المحقة هي أن يشعر الإنسان بأنه إنسان، وذلك بتعبيره عن رأيه الحر، وحقوق المواطنة مفقودة منذ عقود مضت، وهذه التراكمات لم تكن سوى السبب الرئيس للثورة».

ويعتبر دليلة انه «لا يمكن ترتيب الأولويات للمعارضة بشكل قسري، لكن الأكيد هو الهدف المتمثل بوقف العنف والدمار والقتل، وبدء عمليات الإغاثة وتمكين المواطنين من العودة لحياتهم بعيداً عن الخوف والدمار والموت اليومي.

التصنيفات : الأخبـــــار

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

%d مدونون معجبون بهذه: