تحليل علاقة المعارضة والدور الخليجي في شؤون الثورةالسورية

 

مقدمة :

– القوى الخليجية النافذة, خصوصاً حكومتي قطر والسعودية, تنخرط بكل قوتها لتوجيه الثورة السورية في سياق, نرى أنه لا يتفق مع تطلعاتها وبرنامجها الأصلي لتفكيك النظام الاستبدادي وإقامة دولة مدنية ديموقراطية تحقق لسوريا الوحدة والمنعة وتشكل أمثولة لبقية الأقطار العربية.

– سوف تشكل هذه المقدمة صدمة عنيفة لبعض الذين استطابوا الأحلام والتمنيات نتيجة الدعم والتأييد الذي أبدته القوى الخليجية تجاه ثورة الشعب السوري. وسوف يلجأ بعضهم لاتهام هذا المقال بافتعال تناقضات جانبية تسيء للثورة .غير أننا ننأى عن أي هدف سلبي من هذا النوع لأن غايتنا توضيح أن هذه الأحلام والمراهنات ليست على الإطلاق أفضل ما يعوز الثورة السورية وينفع أهدافها الحقيقية. وهي أبعد ما تكون عن التقدير الصائب الذي يوازي قيمة الدماء والتضحيات التي تقدمها الجماهير السورية على مذبح الحرية !

– أمَّا كيف تتم تأدية هذا الدور الخليجي وبأية وسائل وآليات. فإن هذا يتصل بسؤال آخر عن أهداف القوى الخليجية في الساحة السورية. وسوف نبين أن كلاً من هذين السؤالين يفسر الآخر ويجعله أكثر وضوحاً.

على أن إيضاح هذا الأمر يتطلب التأكيد أننا لا نستقرئ السياسة الخليجية بمنهج الباطن والمؤامرة. أي بمعزل عن عواملها وأسبابها الواقعية. خلاف هذا نريد فهم هذه السياسة بمنهج الظاهر والأسباب الواقعية التي تفسر لماذا اتبعت السياسة الخليجية هذا الأسلوب دون ذاك في التعاطي مع الثورة السورية. وما هي العوامل المباشرة وغير المباشرة التي دفعتها لذلك. ونعتبر أن هذا الفهم يمثل دعوة للمعارضة السورية لأخذ هذه الأسباب والعوامل بالتقدير والإعتبار في حدود لا تلحق الأذى بنجاح الثورة السورية و مستقبلها. وبتعبير آخر هو دعوة لها لتتبع موقفاً أكثر رشداً ونجاعة لوضع الدعم الخليجي في سياقٍ يحقق النفع للشعب السوري والدول الخليجية على السواء!.

– كما يقتضي التأكيد أن التحفظ على الدور الخليجي الراهن, لا ينطلق من أية نظرة عدمية أو إيديولوجية ضدّ العون والتأييد الذي تحتاجه الدول والشعوب فيما بينها. ناهيك عن الثورات التي تستهدف الحرية والعدالة وكسر نير الطغيان.

خلاف هذا أن نظرتنا تنطلق من تشجيع هذا الاتجاه أكثر من أي وقتٍ مضى انطلاقاً من حتمية التضامن الإنساني والعالمي, الذي نعتقد أنه وجهٌ ضروري لتطور البشرية, وفي نفس الوقت لا يتعارض مع احترام المصالح المشروعة والمتبادلة بين الشعوب. ونعتقد أن شعبنا السوري هو أحوج ما يكون لتفعيل هذا التضامن. بل تجسيد أمثولته الصالحة التي تضعه في مقدمة الشعوب والقوى الحية الظامئة للحرية والتضامن الإنساني!

قضية التضامن الإنساني والدولي:

– إننا نقول هذا استناداً لتطواراتٍ عميقة تدفع البشرية لكسر حواجز التعصب والعزلة بين الشعوب. ووضعها على أرضيةٍ غير مسبوقة من التحديات والقيم المشتركة التي تعمُّ البشرية جميعاً. أي أن هذه التطورات تعبر عن إيقاع تاريخي عميق يخص الصالح البشري. وهي لم تظهر دفعة واحدة, بل تبلورت عبر مراحل ومحطات كثيرة. وما يزال ينتظرها مزيد من المحطات والخطوات لجعل التضامن البشري أكثر قوةً وإلزامية للدول ومراكز القرار المختلفة. بالتالي فإن تحقيق هذا الهدف ليس أمراً مجانياً مفروشاً بالرياحين. بل هو عمل تقدمي تعترضه كثيرٌ من المعوقات والمصالح الأكثر رجعية على الصعيد الدولي. كما تعترضه أيضاً كثيرٌ من الضلالات الفكرية والإيديولوجية على الصعيد المحلي التي يتحصن أصحابها وراء أوهام المركزية والعزلة الدينية والشوفينية وغيرها. وهذا يعني أن تحقيق التضامن الإنساني والدولي على الوجه الأمثل وجعله حصناً للدفاع عن الشعوب أصبح مرهوناً بمصالح البشرية التقدمية وفعالية قواها الحية وأجيالها الظامئة للحرية والكرامة والعدالة البشرية. مما يتطلب النظر لهذا الهدف بطريقةٍ ديالكتية تنأى عن الأوهام والمعجزات. أي اعتباره محطَّ نزاع حقيقي بين قوى واتجاهات مختلفة, يسعى بعضها لتحقيق عالمٍ أفضل تنعم شعوبه بالحرية والكرامة والعدالة والديموقراطية, بينما يسعى البعض الآخر لقطع هذا الطريق وتوجيه التضامن والدعم الخارجي في حدود مآربها الخاصَّة, وربما تصيُّد الشعوب ودفعها في طريق الحروب الأهلية والخراب!؟

– والواقع إننا نشير هنا لكثير من المظاهر السلبية التي تعطل مفهوم التضامن الإنساني وتسيء له في مجتمعاتنا. وربما كان أبرزها هو أنظمة الديكتاتورية إضافةً لجماعات الإرهاب والتكفير الديني, اللتين تسابق كل منهما الأخرى في قطع طريق شعبنا للحرية وطعن التضامن مع قضاياه العادلة في الصميم.

على أننا لا نخص هذه القوى في حديثنا. لأنها لا تشكل مبعثاً للفخر بسبب موبقاتها وأجنداتها الفاضحة التي تتهاوى على وقع الربيع العربي. بل نحن معنيون بكشف ظاهرة أخرى مسكوت عنها غالباً للأسف برغم أنها لا تقل فتكاً عن الأولى. بل هي تعرض الربيع العربي لأفدح الأخطار لأنها تتسرب في صفوف المقهورين وتطال النخب والأحزاب المنوط بها قيادة الثورات الشعبية أو تشكيل الطواقم السياسية التي ترث هذه الثورات فيما بعد!؟

والواقع أن هذه الظاهرة تمثل غاية حديثنا.ونعني بها افتقار جماعات المعارضة بصفة عامة لموقف إيجابي صريح حيال مفهوم التضامن الإنساني الدولي. وهذا الفقر يشكل في حقيقته جزءاً من فقدان حساسيتها تجاه حركة التاريخ وتطوراته واستحقاقاته العميقة.كما أنه يشكل نقطة الضعف التي تجرد المعارضة من ملاءة تجسيد مشروع سياسي وثقافي متكامل لتحقيق دولة مدنية حديثة تكون شريكاً فاعلاً في تحقيق التضامن الإنساني والدولي. كما تكون عوناً حقيقياً وقوةً دافعة للإحتجاجات الشعبية والمضي لتحقيق أهدافها حتى النهاية.

سوف يشكل هذا الإفتقار أساس التعاطي مع مطلب الدعم الخارجي بصورةٍ غيبية, بل حتى طفولية تعوزها الصدقية والجدارة. وتجعل هذا الدعم ينكمش في مجرد إستغاثة لإسقاط النظام القائم بأي ثمن مقابل التخلِّي عن مشروع الدولة المدنية الديموقراطية الحديثة, وربما تعريض كيان الدولة الوطني وبنيتها التحتية للتدمير والإرتهان الخارجي الذي يمثل نتيجة منطقية لحرمان الدعم الخارجي من مفهومه الصحيح, وحرمان المعارضة من قوتها التفاوضية القائمة على مفهوم التضامن الإنساني وقوته الإلزامية المتبادلة بين الشعوب!

– والواقع أن مفهوم التضامن الإنساني والدولي يتطلب انفتاحاً عقلياً وحساسيةً ثقافيةً عالية لاستقبال هذا المفهوم والمشاركة في توسيعه وتنميته كأحد أهم استحقاقات التطور البشري الذي يواكب انفتاح العالم وتحوله إلى قرية كبيرة. وهذا التطور يتطلب تسميته باسمه الصريح كاستجابة لإدخال البعد الأخلاقي في صلب العلاقات الدولية. ونحن لا نشير للبعد الأخلاقي من أية زاوية غيبية أو مفارقة للوضع البشري. بل بوصفه جزء من احتياجات الوضع البشري ومصالحه الأكثر تقدمية. مما يقتضي تجهيز هذا البعد الأخلاقي بملاءة ثقافية وسياسية تستطيع الدعوة له وتحقيق صدقيته بجدارة من يملك شيئاً جديداً للتاريخ ويستطيع لهذا السبب كسر عاداته وقواقعه الإيديولوجية!؟

ومن المؤسف أن غالبية الجماعات السياسية (خصوصاً التي تطرح شعارات التغيير وقيادة الحراك الشعبي) لم تقرأ هذا التطور أو تسعى لإغنائه والإنتفاع به, نتيجة الدوران حول نفسها في حلقةٍ مغلقة من عادات التفكير والعقائد والحقائق والأجوبة النهائية التي تحجبها عن رؤية العالم واستحقاقاته ومتغيراته. مما جعل جزءاً من هذه الجماعات يكتفي بتسفيه شعار التضامن الإنساني والمبادئ الأخلاقية, بما فيها شعارات الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان. برغم أن البشرية كافحت لأجلها طيلة آلاف السنين وجعلتها جزءاً لا يتجزأ من المواثيق والهيئات الدولية. كل هذا بداعي طوباوية هذه الشعارات تارةً أو حتى تبعيتها للإمبريالية الأمريكية تارةً أخرى. بل لم يتوانى (هذا الفريق )عن اختزال الخارج في دائرة المؤامرة والمخططات الشيطانية التي يمثلها الأجنبي المحتل تارةً, أو الرأسمالية الإمبريالية تارةً, أو الصليبية الكافرة تارةً ثالثة (بحسب تنوع الاتجاهات القومية والماركسية والدينية على التوالي). بينما اندفع فريقٌ آخر للنقيض تماماً وهو اللهاث خلف الدعم والتأييد الخارجي من أية جهةٍ كانت بمعزل عن ماهية هذا التأييد وأهدافه الحقيقية. بل لم يتوانى (هذا الفريق) عن إطلاق الندب واللطم والإشتكاء عند غياب هذا التأييد دون إبداء أقل احترام أو مبادرة مسؤولة لوضع هذا التأييد على أرضيةٍ صحيحة تحقق صدقيته بوصفه استحقاق مشترك يقع على عاتق البشرية بأسرها.

– إننا لا ننفي عن التأييد الذي ناله الشعب السوري هذا القدر أو ذاك من التضامن الإنساني والمبادئ الأخلاقية. غير أن أحداً لا يستطيع الزعم أن هذا القدر يوازي جزءاً يسيراً من حاجة الشعب السوري لمواجهة نظام ديكتاتوري قلَّ نظيره. وخصوصاً حاجته لكسب الحرية والكرامة والديموقراطية دون خسارة كيانه الوطني ودوره في عالمه ومحيطه الإقليمي!

وفي اعتقادنا أن تدني هذا التأييد على أرض الواقع, الذي صاحبه قدر غير مسبوق من التأييد اللفظي والإستعراضي للشعب السوري. كل هذا يبرر القول أن هذا التأييد لا يتعدى نسبة المبادئ الأخلاقية التي ما تزال متواضعة جداً قياساً إلى موازين القوى والمصالح الفعلية التي مازالت تتعارض مع ظهور سوريا حرَّة, متصالحة مع نفسها, موحدة وديموقراطية بل ربما تسعى هذه القوى لوضع سوريا على برميل من المتفجرات التي تجعلها أشلاءً. و هذا مايفسر توجيه قدر من الدعم والتأييد للشعب السوري لا يكفي لتحقيق انتصاره, وتوجيه قدر من معاداة النظام الديكتاتوري لا يكفي لهزيمته الحقيقية!؟

الدور الخليجي

– في هذا الإطار ينبغي أن نفهم اعتبارات الدور الخليجي. وبالتالي إجابة السؤال المزدوج عما تفعله القوى الخليجية ولماذا. كما أن هذا يستتبع السؤال عما ينبغي أن تفعله المعارضة السورية حيال هذا أيضاً!؟

ونعتقد أن الدور الخليجي (خصوصاً قطر والسعودية) لا يخرج عن السياق السابق. لهذا ينبغي فهم هذا الدور وفق معطياته وأهدافه التي تعبر عن لسان حال هذه الأنظمة: وهي أنها أنظمة مسكونة بفوبيا شرعيتها الوراثية العائلية التي بدأت بالاهتزاز منذ عدة عقود. ثم أصبحت قيد التدهور والانحلال مع ظهور الربيع العربي. كما أن تتويج هذا الربيع بانتصار نظيف يحققه الشعب السوري ويؤدي لظهور دولة حديثة موحدة ديموقراطية, سوف يشكل إيذاناً بتعجيل هذا الإنهيار بصورة دراماتيكية. ونحن هنا نتحدث عن لسان حال هذه الأنظمة وقراءتها لمصيرها ،خلافاً لما يمكن أن تفعله الديموقراطيات كما سنبين فيما بعد!

وبما أن محاولة إجهاض هذه الثورة بدت أمراً مستحيلاً, أو ربما كان ثمنها غالياً ويؤدي لنتائج عكسية. خصوصاً مع تنامي التعاطف مع الثورة السورية (والربيع العربي إجمالاً) وتنامي رغبة التغيير في صفوف الشعوب الخليجية ذاتها.

لهذا اتجهت نية النظم الخليجية لإبداء قدر من الدعم والتأييد بهدف إرضاء شعوبها والظهور بمظهر الحليف الأمين للثورة السورية. وفي نفس الوقت تشجييع ظهور هوَّة عميقة من الإنقسامات المذهبية والطائفية تنأى بالثورة السورية عن أهدافها وتجعلها محطَّاً لنزاعٍ داخليٍّ سوري يعرض الكيان الوطني للأخطار. عبر إطلاق حملة واسعة من التحريض والتحشيد لإظهار النظام الخليجي بمظهر الحامي لجزءٍ من الشعب السوري ومقدساته ضد جزءٍ آخر يستهدفه بالذبح. فضلاً عن استثمار هذا الإنقسام داخل المجتمعات الخليجية نفسها في اتجاهٍ عكسيٍّ تماماً. أي جعله ترساً لقطع طريق الدعوات الإصلاحية هناك تحت وصمة الطائفية تارةً والكفر والعلمانية تارةً أخرى وهلما جرا !؟

– على أنه يخطئ من يظن أننا نقرأ هذا (المنطق الخليجي) بعقلية المؤامرة التي يدبرها الخليجيون. وهذا مايفعله للأسف بعض المعارضين الذين يرفضون العون الخليجي بالمطلق. بينما يلهث آخرون خلفه دون تحفظ على الإطلاق!؟

خلاف هذا نعتقد أن الدور الخليجي هو حصيلة قراءة خاطئة أملتها شروط واقعية على النظم الخليجية. ربما كان أبرزها مستمداً من ويلات التجارب التي ذاقتها على يد الأنظمة الديكتاتورية في سوريا والعراق وليبيا وغيرها. وأنا أعني اندفاع الدول الخليجية لتوقي شر هذه الأنظمة بأي ثمن جرَّاء ابتزازها شعارات الثورة والتغيير ضد أقطارها والأقطار الأخرى. مما أدى لممالأة هذه الأنظمة طويلاً الذي أصبح تواطؤاً مع سياستها في ممارسة الطغيان والفتك بنسيجها الوطني وتلغيمه بالإنقسامات المذهبية والطائفية. وها هو ينقلب الآن لاستخدام هذه الإنقسامات في الإنقلاب على الأنظمة الديكتاتورية نفسها ، وجعلها لغماً لتفجير الثورات الشعبية وإخراجها عن سياقها الحقيقي!؟

ومن المؤسف أن هذه القراءة الخاطئة ليست حكراً على النظم الخليجية. بل ربما نشهد (أضرب منها بكثير) على يد أفراد وجماعات, ومنهم بعض السوريين, الذين مازالوا يصرُّون على قراءة الثورة السورية بمعطيات الصراع الديني والمذهبي التي (تُشيطن) أقليات معينة. وهذا التصوير الخاطئ للثورة سوف يفتح باباً أوسع لجماعات وأجندات أخرى تبتلع الثورة من جذورها وتخلع عليها أهدافاً مدمرة كالدولة الدينية والإمارة الإسلامية ودولة الخلافة وسواها. مما يتبين أن الدول الخليجية لا تتحمل بالضرورة وزر إيجاد هذه الجماعات والإتجاهات, بل بالأحرى وزر مباركتها وغضِّ الطرف عن خطرها المحقق الذي سينقلب وبالاً عليها بعد حين!

 

ملهم الكواكبي

التصنيفات : المقالات

الكاتب:syr2015

صوت المعارضة السورية الصادق

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

%d مدونون معجبون بهذه: