أحمد معاذ الخطيب : التفاوض خيار عقلي و شرعي

خروجاً عن أعراف الندوات , فـ إني أطلب من الجميع الوقوف لـ الدعاء , إجلالاً لـ شهداء و دماء شعب سورية العظيم التي تنزف تحت سمع العالم و بصره ,,

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه و بعد :

سورية تكاد تكون لبّ العالم و روحه ، بـ ما جمعته من مكونات حضارة تمتد إلى عشرة آلاف عام ، و منها امتد الإسلام في الأرض ، و مازالت فيها أعرق كنائس الأرض ، و استطاعت بـ شكل مدهش أن تضم كل المدارس الإسلامية الأم من الغزالي إلى ابن تيمية فـ ابن عربي ، و أردفت ذلك في العصر الحديث بـ جمال الدين القاسمي و طاهر الجزائري و محب الدين الخطيب و محسن الأمين ,, سورية تختلف ثم تلتئم ، و تمضي في صناعة نسيج اجتماعي فريد ,,

يُصنف البعض التيار الإسلامي في سورية إلى ثلاثة أقسام :

1- تيار ديني مدرسي ,,

2- تيار سياسي حزبي ,,

3- تيار شعبي عفوي ,,

التيار الشعبي سبق الجميع في البحث عن بنية الدين العميقة ، ومفاهيم التسامح والحرية و العدالة ، متخذاً من رصيده العميق و بعض مرجعياته الشرعية غير متداوَلة الأسماء بنية فكرية و أخلاقية يتحرك بها ,,

لابد لـ فهم صعود التيارات الإسلامية في سورية من إدراك خصائص الشعب السوري ، فـ هو شعب متسامح متدين منفتح على الجميع , يرفض التطرف والظلم بـ طبعه ، و يصبر ثم يتدفق ، و قد انعكست هذه الخصائص على الحالة الراهنة التي لم يُدرك ماهيتها النظام الاستبدادي , الذي جعل نفسه وصياً على الشعب خمسين عاماً ,,

يحيط بـ التيارات الإسلامية مع شركائها من القوى الأخرى عوامل تولد سلبيات كبيرة و من أهمها :

1- ضعف الإدارة السياسية لـ الأزمة ، و مصادرة جزء منها لـ حساب قوى مختلفة تحاول الهيمنة على قرار الشعب السوري ,,

2- التشويه الإعلامي لـ الحراك السوري , و خصوصاً الإسلامي , بـ تصويره بؤرة لـ التطرف والإرهاب و الأصولية ، و يشارك في هذا التشويه إعلام النظام و بعض الأجهزة الإعلامية الغربية ,, لايوجد فكر تكفيري في سوريا , ولا يمكن أن ينجح و لا مستقبل له ,,

3- محاولة بعض القوى الإسلامية المدعومة بـ المال توجيه الساحة , غافلة عن خصائص التدين الذي بلوره علماء بلاد الشام و شعبها خلال السنين ، و الذي هو منظومة حضارية متكاملة ,,

4- تطرف بعض القوى العلمانية مستغلة علاقاتها الدولية و الإعلامية لـ تجاوز الواقع و تصويره حسب أهوائها ,,

5- عدم إدراك كثير من القوى الإسلامية , أن سوريا قد أصبحت ساحة لـ الصراعات و تصفية الحسابات الدولية ، و بذلك يكاد يخرج القرار بـ الكلية من يد النظام , أو يد الحراك الثوري السوري ,,

6- أصبح واضحاً أن سوريا , يراد لها أن تخرج مدمرة البنية التحتية ، منهكة القوى الاجتماعية ، مشوهة الصورة الإسلامية ، عاجزة القوى الأخرى ، لـ صالح قوة اقليمية معروفة (إسرائيل ) ، و قد وقع طرفان في الأزمة ، فكان أكبر فخ وقعت فيه الثورة هو الانجرار إلى حمل السلاح ، و كان أكبر فخ وقع فيه النظام هو استخدام العنف المتوحش ضد شعب من أكثر شعوب العالم مدنية ورقياً ,,

7- إن النظام بـ غروره وصلفه , لم يُبق لـ الشعب السوري طريقاً إلا حمل السلاح ، فـ حمله مكرهاً , يدافع عن دينه وعرضه و ماله ,, إنّ الثورة السورية ليست ثورة عسكرية ,, ثوار سورية سلميون ، و أذكر بـ هذه المناسبة شهداء مجزرة داريا , التي كتب عنها روبرت فيسك مقالاً مجحفاً , يعكس فيه رؤية النظام ، متجاوزاً فيه ألفاً و مائة شهيد , من الأبرياء سقطوا فيها ، و متناسياً غياث مطر شهيد سورية العظيم , الذي كان يحمل الورود و الماء البارد لـ أفراد النظام , فـ قوبل بـ الاعتقال و التعذيب حتى الموت (كان يوم البارحة هو يوم الذكرى الأولى لـ استشهاده بتاريخ 10 أيلول 2011) ,,

8- يحاول النظام تدمير الحامل الاجتماعي لـ الثورة , عن طريق تدمير المدن والتهجير والإفقار ، غافلاً عن أن الدمار سيصيبه بـ شكل أوسع ، و الشعب قادر على الاستمرار ، أما النظام فـ هو يدفع نفسه إلى الانتحار ( لا يمكن لـ ثورة مهما طالت أو قويت أن تنتصر في حال عدم وجود حامل اجتماعي ) لـذا فـ إن دعم الشعب السوري اجتماعياً و مادياً مهم إلى حد بعيد ,,

9- لقد أصيب الحراك بـ نوع من العقم السياسي , بـ سبب تصريحات معارضين اتخذوا من الشتم والسُباب لـ النظام واجهة لـ نيل الشعبية ، و إذا كان الشارع معذوراً في تصرفاته بـ سبب آلامه ، فـ إن النُخب السياسية مدعوة إلى ترشيد الشارع و قيادته بـ شكل سليم ,,

و بـ المقابل فـ هناك إيجابيات كبيرة في الحراك الثوري السوري من أهمها :

1- حجم التضحية الذي قدمه الشعب السوري (واسمحوا لي أن أطلق عليه اسم : أشجع شعوب العالم ) ، و قد دفع الشعب ثمناً غالياً لـ حريته ، و لذا فـ لن يتراجع عن طريقه بعد كل هذه الآلام والعذابات ,,

2- رغم كل محاولات جرّ الساحة إلى حرب طائفية ، فـ إن الساحة ؛ لاتزال عصية على الانجرار الطائفي ,, إن الأزمة هي بين نظام استبدادي و شعب يتوق لـ الحرية ، و أقول بـ كل صراحة أن هناك قوى عالمية تحاول بـ كل الوسائل إيقاظ هذه النعرات بـ شكل حاد ، من خلال دندنتها حول الأقليات وحقوق الأقليات ,, و لقد أصبح واجباً الحديث عن حقوق الأكثرية المغيبة ، و ليس فكر الثورة فكر الانتقام من أحد ، بل يطالب بـ العدل والمحاسبة لـ من أساء ، فـ هو حراك الحرية ضد الظلم وليس ضد فئة معينة ,,

3- أوجدت الثورة السورية التحاماً رائعاً بين كافة مكونات الشعب السوري ، و أبرزت لـ الجميع آلام الجميع ,, فـ لقد أحس الشعب السوري بـ آلام الأمة العميقة ,, بـ مكونه الأساسي المغيب خمسن عاماً ( أهل السنة الذين يشكلون الوعاء الأكبر الذي يضم كل مكونات المجتمع ) ,, أحسّ الشعب السوري بـ قلق المسيحيين , و مشاركة العديد منهم في الحراك ، و أنهم أعطوا سورية خلال السنين نكهة حضارية مميزة ,, و أحسّ الشعب السوري بـ آلام شعب الأكراد العظيم ، و الذي طوى آلامه عشرات السنين ، و تتنازعه القوى العالمية متخذة منه جسراً إلى مآربها ، و مازال عقلاؤه و هم كُثر يترفعون عن هذا الفخ المريب ,, لقد أحسّ الشعب السوري بـ أجزائه كلها ,,

4- أبرزت الأمة قيادات سياسية و شرعية غير معروفة من قبل ، و لكنها تبشر بـ خير عميم ، إذ تتصدى رغم طاقاتها المحدودة إلى نوع من الهمجية غير المسبوقة ,,

5- أدت الثورة إلى إبعاد النمطية الفكرية ، و قد تقدمت مفاهيم العدالة و المدنية والمواطنة ,, و حتى الوطنية الحقة ، و أتوقع خلال سنوات أن يقدم القادة و المفكرون الشباب ؛ لوناً من الفكر الحضاري المتقدم اللائق بـ سوريا العريق ,,

6- تتجه المجموعات العاملة على الأرض إلى المزيد من التوحد , و إن لن يكن فـ إلى التنسيق ، و أقول لـ الإسلاميين و العرب و أخص الجاليات السورية في العالم , بـ أن شعبكم بين خيارين : إما مذابح يومية و دمار شامل و تحطيم لـ بنيتكم التحتية ، أو ارتهان لـ قرارات دولية ، و وحدكم بـ تعاونكم و إمدادكم شعبكم بـ الفكر والمال و كل أنواع القوة , قادرون على تجاوز ذلك , و بناء سوريا المستقبلية و الحرة ,,

7- لقد خرج الشعب السوري من قمقم الوصاية , لذا فـ إنه يرفض الوصاية الإيرانية و الروسية والغربية ، و قرار الشعب السوري سيتخذه الشعب السوري وحده ,,

8- الشعب السوري رغم ربع مليون معتقل ، و ما يقارب خمسين ألف شهيد , رغم أكثر من مليوني مهاجر في الداخل و ما يقارب مليون مهاجر إلى الخارج , رغم عشرات ألوف المعوقين والجرحى والمصابين ,, رغم التشريد والثُكل واليُتم ,, رغم كل ذلك فـ لا يزال ينادي بـ الحرية ، و قد كان الأسبوع الماضي ذو دلالة مميزة , إذ تجددت المظاهرات السلمية في كافة أنحاء سوريا ,,

آلام الشعب و الثورة , أعظم من أن توصف ، و لكن معنوياته أكبر من أن تتوقف ، و ستتابع طريقها معتمدة بعد الله , على أمة صابرة و شعب عنيد لايرى دون الحرية سبيلاً ,,

بعد كل ذلك أقول : إننا مازلنا نبحث عن حل سياسي , تجنيباً لـ البلد , مزيداً من الدمار ,,

إن الحوار قد انتهى أوانه , بعد مماطلة النظام في فتح أبوابه كسباً لـ الوقت ، و لكن التفاوض هو خيار عقلي وشرعي وسياسي لا يجوز القفز فوقه ,,

ليس التفاوض استسلاماً لـ الباطل ، بل اختيار لـ أقل الضررين ، و وحده الشعب السوري الذي يعاني ويدفع من دمه كل يوم , يفهم ما أعنيه تماماً ، و إن التفاوض ليس إنقاذاً لـ النظام , بل تفاوض على رحيله بـ أقل الخسائر لـ بلدنا الذي نحب ، و ضمن ضمانات دولية , تشترك فيها الأطراف الإقليمية و الدولية دون وصاية ,,

و أكرر أننا لا نريد ولا نرضى بـ الدمار و لا القتل ، لـ أن هناك من يريد أن يصفّي الشعب السوري بعضه بعضاً ، لـ يتدخل بعدها فارضاً الوصاية والهيمنة ,,

و أخيراً فـ إن الربيع العربي هو بداية الطريق و ليست نهايته ، فـ السياسة والحكم ؛ ماهي إلا وسائل , و أمام الإسلاميين تحدٍ مستقبلي , وهو تقديم نموذج حضاري إسلامي رائد ، هدفه الأخير هو الإنسان الذي كرمه الله ,,

( والعصر إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، و تواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) ,,

و السلام عليكم و رحمة الله ,,,

الشيخ أحمد معاذ الخطيب الحسني

في ندوة الإسلاميون و الثورات العربية / مركز الجزيرة لـ الدراسات / الدوحة / 11 أيلول 2011

التصنيفات : المقالات

الكاتب:syr2015

صوت المعارضة السورية الصادق

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

%d مدونون معجبون بهذه: