قصف المدنيين بالأسلحة الثقيلة/ حسين العودات

شهد المدنيون في العالم المعاصر قصفاً وتدميراً لمساكنهم مارستهما سلطات أنظمة شمولية ضد شعوبها أو ضد شعوب أخرى، وقد حدث ذلك في إسبانيا عندما تحالف الألمان مع فرانكو ضد الجمهوريين الإسبان أثناء محاولة العسكر الإسبان الاستيلاء على السلطة من الجمهوريين في نهاية ثلاثينات القرن الماضي، فقصفوا المدنيين في البلدات والمدن الإسبانية دون رحمة.

وأخذت طائراتهم الحربية حريتها في تحديد أماكن القصف ونوعه، ودرجته، وحصلت مذابح بشرية وتدمير شامل واسع أدى إلى استسلام الجمهوريين في تلك البلاد، ونجاح فرانكو في تسلم السلطة، حيث بقي فيها أكثر من أربعين عاماً، وكان نظامه ونظام سالازار في البرتغال آخر نظامين شموليين في أوروبا.

وحدث ذلك في تسعينات القرن الماضي عندما قصفت عصابات الصرب وميليشياتهم وجيشهم مدينة سراييفو وبلدات البوسنة والهرسك الأخرى قصفاً وحشياً، ولم يوفروا الأحياء الآمنة والمدنيين غير المحاربين.

وقد ارتكبت المنظمات العسكرية الصربية جرائم ضد الإنسانية من خلال قتلها عشرات الألوف من المدنيين المسلمين، وإلقائهم في مقابر جماعية مازال البوسنيون يكتشفون بعضها حتى الآن.

وفي نهاية القرن الماضي دمر الجيش الروسي مدينة (غروزني) الشيشانية ولم يوفر السكان المدنيين بدوره، كما لم يوفر المباني والمنشآت والبنية التحتية، حتى كادت المدينة أن تتحول قاعاً صفصفاً، ومازالت حتى الآن تضمد جراحها رغم مرور أكثر من خمسة عشر عاماً على ذلك، وبالمناسبة كان الرئيس بوتين هو المكلف بإخضاعها من قبل الرئيس يلتسين.

وأدخل الجيش السوفييتي دباباته إلى بودابست عام 1956، وارتكب مجزرة هناك. كما أدخلها في عام 1968 إلى براغ وكاد أن يرتكب مجزرة مماثلة، لولا تصرف سليم من عقلاء الحزب الشيوعي التشيكوسلوفاكي وعلى رأسهم دوبتشيك.

في أيامنا الحاضرة يقول الليبيون ان القصف الذي تعرض له المدنيون الآمنون في مصراته وغيرها من المدن الليبية لم تشهد له الثورات في المجتمعات المعاصرة مثيلاً، حيث قتل هذا القصف شيوخاً ونساءً وأطفالاً وغير محاربين، ودمر أحياءً سكنية بكاملها، ولم يكن يستهدف البشر فقط وإنما استهدف أيضاً الحجر والشجر وكل شيء.

وكانت نتائجه مآسي حقيقية، منها إعادة المدن المنكوبة التي طاولها القصف عشرات السنين إلى الوراء، هذا إضافة إلى إبقاء السكان تحت غائلة الفاقة والعوز والجوع.

على التوازي، قصف الجيش السوري بالمدفعية والدبابات والطائرات قرى وبلدات وأحياء في المدن قصفاً عشوائياً، تسبب في قتل الآلاف وجرح عشرات الآلاف، وتحويل المناطق المقصوفة إلى ركام، ودمر القصف بطبيعة الحال البنية التحتية، وشرّد أكثر من مليوني مواطن هاموا على وجوههم في مدن وبلدات وقرى كانوا يعتقدون بأنها آمنة، ولم تكن في الواقع كذلك، مما اضطرهم لتغيير مناطق اللجوء عدة مرات، وافترشوا، وما زالوا يفترشون، الأرصفة والحدائق والأماكن الخالية والتحفوا السماء، وتحول مصدر طعامهم إلى ما يجود به من لديه بقية من طعام.

إن هذه الأمثلة التي ذكرت نماذج فقط لا تلم بالأحداث المماثلة التي حصلت في عالمنا المعاصر. إلا أنه ينبغي أن نلاحظ فروقاً جدية في أسباب هذه الأعمال بين ما حصل في بلدان أخرى وما حصل في ليبيا وسوريا.

فعندما قصف الألمان المدن الإسبانية إنما كانوا يقصفون شعباً آخر من قومية أخرى، وكذلك فإن البوسنيين هم من قومية مختلفة عن القومية الصربية، وأهل غروزني هم من الشيشان وبالتالي فهم ليسوا روساً، وعندما كان الجيش الروسي يقصفهم كان يقصف شعباً آخر، وكذا الهنغار والتشيكوسلوفاك.

وبالمحصلة فإن جميع هذه الشعوب الأجنبية التي تعرضت للقصف والدمار هي من قوميات مختلفة عن قوميات أولئك الذين قصفوها ودمروها، ولأن المعتدين من أبناء هذه القوميات يعتبرون الآخرين أعداء، فلم يكن يرف لهم جفن عند قصفهم، ومع أنه لا عذر لهم بمثل هذه الارتكابات المعادية للقيم الإنسانية سواء كانوا من أبناء جلدتهم أم لا، إلا أنهم كانوا يجدون لأنفسهم العذر بالاختلافات القومية.

أما في ليبيا وسوريا فإن الأمر مختلف جداً ومثير للدهشة والأسف والأسى، ذلك أن القاصف والمقصوف هما أبناء شعب واحد، وأن محور الصراع يدور حول تغيير النظام السياسي والاختلاف هو على تطبيق معايير الدولة الحديثة، بينما كان في الأمثلة الأخرى، محاولات لحرمان الشعوب الصغيرة من حق تقرير المصير، أو إقامة الحكم الذاتي، أو تحقيق الانفصال.

وهكذا فإن السلطتين الليبية والسورية، والجيشين الليبي والسوري، إنما يقصفون أهلهم وذويهم ودمروا البنية التحتية لبلادهم، وكذلك المنشآت والأبنية المدنية التي دفعوا تكاليف إقامتها من دخولهم.

وكانت هدف خطط التنمية منذ الاستقلال حتى اليوم التي اهتمت بإقامة المنشآت والأبنية والمدارس والمستشفيات التي يدمرونها الآن، ولم يكن الأمر كذلك في إسبانيا والبوسنة والشيشان فضلاً عن هنغاريا وتشيكوسلوفاكيا. لماذا رفض أهل السلطة في ليبيا وسوريا أي إصلاح للنظام السياسي، مما اضطر الشعب المنكوب أن يصعّد مطالبه إلى تغيير هذا النظام وليس إصلاحه فقط؟.

التاريخ: 08 سبتمبر 2012

البيان

التصنيفات : المقالات

الكاتب:syr2015

صوت المعارضة السورية الصادق

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

%d مدونون معجبون بهذه: