أستاذ رجاء الناصر للسفير: الحكومة الانتقالية مدعاة للانشقاق نسعى لضمانات دولية لعقد مؤتمر للمعارضة التي ترفض العنف في دمشق

بين المعارك على الأرض والمبادرات السياسية تتلون أيام السوريين. ففي الوقت الذي تجري فيه معارك كر وفر بين الجيش النظامي و«الجيش الحر»، تدور في الأروقة الديبلوماسية سلسلة من الأفكار لحل الأزمة السورية بين نيويورك وموسكو والقاهرة وأنقرة وطهران. أفكار تصطدم إما برفض النظام لها أو رفض أطراف أخرى في المعارضة تعول على الحل العسكري وقدرة «الجيش الحر» على حسم المعركة على الأرض، وربما تشير إلى إمكانية حصول المعارضة المسلحة على أسلحة متطورة تمكنها من ذلك.
لكن الديبلوماسية هذه المرة تحاول أن توقف صوت الرصاص وتتغلب عليه، في محاولة لعقد مؤتمر يجمع مختلف أطياف المعارضة في الداخل والخارج، لكن في قلب عاصمة الأمويين، في مسعى لالتقاط الأنفاس وتقديم حل يساهم في حقن الدماء وعدم تدمير بنية الدولة.
وبين إعلان «هيئة التنسيق الوطنية»، أحد أبرز أقطاب معارضة الداخل عن موعد المؤتمر المبدئي في دمشق والمقرر في 12 أيلول الحالي، وبين تشكيك أطراف أخرى في المعارضة بجدوى عقد مثل هذا المؤتمر، باعتباره التفافاً على مؤتمر القاهرة، الذي أجمع فيه المعارضون على إسقاط النظام، لا يتوقف قادة معارضة الداخل عن التحضير المتواصل لمؤتمرهم، وتأمين ضمانات لحضور معارضين من الخارج إلى قلب العاصمة، في حدث قد يتذكره السوريون طويلاً.
«السفير» التقت أمين سر هيئة التنسيق الوطنية رجاء الناصر وحاورته في مسألة وحدة المعارضة ومؤتمر دمشق.
^ هل ستوجه الدعوة إلى جميع المعارضة في الخارج، وهل من ضمانات لحضورهم من دون مضايقات من السلطة؟
{ لا بد لعقد المؤتمر الوطني لإنقاذ سوريا، والذي دعت إليه عدة أحزاب سياسية، فإننا بحاجة لضمانات جدية من أجل عقده وإنجاحه، وهذه الضمانات لا نركن فيها لمجرد تعهدات النظام، بل نسعى لتحقيقها عبر وفود دولية قد تشارك به، أو عبر ضمانات دولية نسعى لتأمينها مع ممثلي هيئة الأمم المتحدة وكذلك الدول الكبرى، وفي حال توافرها سيتم عقد المؤتمر، وإلا ستعقد اللجنة التحضيرية اجتماعاً خاصاً لبحث الأوضاع، على ضوء التطورات الحاصلة، والتقييم الأخير لديها. كما ستوجه الدعوة إلى مختلف الأطراف التي تؤمن بالتغيير ورفض العنف كوسيلة لتحقيق الأهداف. إن استخدام العنف في حالات الدفاع عن النفس حالة مفهومة، لأنه أمر مشروع وفق القانون السوري ومختلف القوانين والشرائع، ولكن في الوقت الحالي لا وجود لضمانات بالمعنى المطلق، فكل مواطن في سوريا هو مشروع شهيد أو أسير، ولكننا نطالب بتوفير الحد الأدنى، أي عدم استهداف المشاركين قبل وأثناء وبعد المؤتمر، ولا تتم مساءلتهم عن أي من الآراء التي سيطرحونها.
^ طرحتم مؤخراً مبادرة لوقف العنف، ولكنها قوبلت بالرفض من قبل عدة أطراف. فما هي تفاصيل المبادرة، وهل ما زلتم مع الحل السياسي؟
{ إذا أمعنا النظر في المبادرة، فهي لا تساوي بين الطرفين. فالهدنة كما هو معروف تطرح في الحروب والصراعات من قبل احد الطرفين، أو من الخارج، ولا تعني التخلي عن مطالب هذا الفريق أو ذاك بقدر ما هي وقف موقت لإطلاق النار للبحث عن وسائل أخرى لتحقيق هذه الأهداف. وجاءت مبادرتنا في ظل تنامٍ وحشي للعنف، تمثل في مجازر يومية وتدمير للأحياء والقرى عبر استخدام الأسلحة الثقيلة كالطائرات، مقابل استعمال الثوار للسلاح الفردي في غالب الأحيان للدفاع عن النفس، أو لتحقيق أهداف خاصة في أحيان قليلة، أو لصالح بعض الأطراف، وعليه وفي ظل بلوغ العنف مستويات عالية، وبلوغ أعداد القتلى المئات يومياً، كان من الطبيعي أن تطلق الهيئة مبادرتها لحقن الدماء والتخفيف من الآثار المدمرة ومنع حرب أهلية نرى أن مقدماتها أصبحت واضحة.
هذه المبادرة التي شملت هدنة بين الطرفين تعني ألا يتخلى الثوار عن سلاحهم، ولا يتخلى الجيش النظامي عن المناطق التي تقع تحت سيطرته. وهي تأتي من اجل إعادة ترتيب قواعد الصراع والخلاف والبحث عن سبل اقل كلفة لتحقيق ذلك. وضمت المبادرة أيضا إطلاق سراح الأسرى بين الطرفين، والذين يقدر عددهم بعشرات الآلاف لدى النظام وعشرات أو مئات لدى الثوار، وكذلك العمل على تأمين الإغاثة لمختلف النازحين والمتضررين، والذين يصل عددهم إلى ستة ملايين سوري، هم اليوم بأمس الحاجة للإغاثة.
وفي المحصلة، فإن الهدف كان ولا يزال حماية المدنيين. وأحسب أن كل القوى والمبادرات، والتي جاءت من طرف مؤيد للنظام أو للثورة، تحدثت عن ضرورة حماية المواطنين، بمعنى أنها تتحدث عن جوهر هذه المبادرة. ومن الواضح أن رفضها أو التشكيك بها لا صلة له بمضمونها بقدر ما هو تجسيد للصراع السياسي، وجزء من محاولة القضاء على أي حل سياسي، حتى بانتصار الثورة سلمياً. لأن البعض لا يمكنه السيطرة إلا بوجود السلاح، وهدفه هنا يتجاوز إسقاط النظام لمحاولة إقامة نظام جديد. فهو في النهاية إذاً صراع بين من يريد بناء دولة ديموقراطية بأقل التكاليف، ومن لا يؤمن إلا بالعنف لبناء نظام مجهول مفتوح على كل الاحتمالات.
^ لكن، وفي الوقت ذاته الذي تتحدثون فيه عن المؤتمر ومبادرتكم، عقدت أطياف في المعارضة اجتماعا مع الجامعة العربية، وقامت بتفعيل لجان المتابعة واستبعاد هيئة التنسيق منها، فكيف ترون ذلك؟
{ ما حدث في القاهرة لم يكن اجتماعاً للجنة المتابعة لمؤتمر القاهرة، والتي تضم كل أطياف المعارضة، ولكن بعض الأطراف سمحت لنفسها بتشكيل لجنة خاصة تقوم بهذه الدعوة، وهي التي حددت قوامها وعناصرها ومهامها. وقد جاءت هذه الدعوة برعاية معهد «بروكينغز» الأميركي الذي أدار الاجتماع وموله ووجهه. وقد حضر مندوب الهيئة هذا الاجتماع كجزء من عملنا من اجل التواصل مع كل الأطراف وعدم قطع الصلة معها، بعيدا عن مشروعيتها وتمثيلها. وقدم وفدنا ملاحظة أساسية أن كل المجتمعين قدموا من خارج سوريا فيما كانت هيئة التنسيق هي الطرف الوحيد الذي جاء من الداخل. ودار أيضا جدال قوي حول مبادرة هيئة التنسيق لوقف العنف وخيار الحل السياسي، فيما معظم الحاضرين يؤيدون الحل العسكري وانه لا يوجد أي مخرج سواه، وهو ما يتناقض كلياً مع رؤية الهيئة ومعها قوى معارضة الداخل ونتائج مؤتمر القاهرة وكل الأطروحات الإقليمية والدولية. وطلبوا منا أن تسحب الهيئة مبادرتها، وهو ما رفضناه، بالإضافة إلى رفضنا التوقيع على أي بيان من قبيل ذلك.
بالتأكيد لا ننظر إلى هذا الاجتماع باعتباره تمثيلا للمؤتمر ولا للمعارضة، بقدر ما هو تمثيل للأشخاص الذين شاركوا فيه، ومن يواليهم، مع ملاحظة أن بعض الأطراف التي شاركت في اللقاء أعلنت أن مشاركتها تتم بصفة مراقب، وليس مشاركة فاعلة فيه. لقد أكدنا ضرورة توحيد رؤية المعارضة في الداخل والخارج، والالتزام بما تم التوافق عليه في القاهرة، مع الأخذ بعين الاعتبار تحفظات الهيئة على جزء مهم من القرارات السياسية التي صدرت، لأنها لم تكن توافقية، وبالتالي لا تزال الهيئة تعتبر نفسها جزءاً فاعلا من المعارضة السورية. لذا بدأنا العمل على مؤتمر دمشق للمعارضة، والذي كان الإعداد له مستمراً منذ نيسان الماضي، وأعلنا عنه في مؤتمر صحافي في آب الماضي.
^ هل أنتم معنيون في هيئة التنسيق بمسألة الحكومة الانتقالية التي يجري النقاش بها في الخارج؟
{ نعتقد أن الحديث عن تشكيل حكومة انتقالية هو ملهاة سياسية ومدعاة لمزيد من الانشقاقات في صفوف المعارضة، فنحن اليوم لسنا بحاجة إلى حكومة بقدر الحاجة إلى وقفة موحدة وضرورة وقف العنف وحل سياسي، وتحقيق أهداف الثورة بالتغيير، وبالتالي لا معنى لحكومة انتقالية قبل تحقيق الانتقال الديموقراطي، والسيطرة على الأرض فعلياً ليست تامة ولا توجد جهة تسيطر على منطقة آمنة، أو تمارس فيها الحياة الطبيعية. يمكن أن تقوم في المقابل سلسلة إدارات ذاتية، كما حصل في عدة لجان شعبية في بعض المدن والقرى. اعتقد أن الحديث عن حكومة، على أنقاض حي صلاح الدين أو بابا عمرو، أمر لا يقصد فيه خدمة الثورة ولا التغيير، بل هو مجرد محاولات إثبات حضور سياسي وتنازع على مكاسب، ويضر بالثورة.
انه، في المحصلة، حديث سابق لأوانه، ومن يقوم به لا يخدم الثورة، بل هي أجندات سياسية، والأولوية للتفكير كيف تنتصر الثورة وكيف تحقق أهدافها، ومن ثم يجري البحث في مرحلة انتقالية وتشكيل حكومة تقود البلاد، والآن الحديث مبكر جدا عنها.
^ هل يسري هذا الكلام أيضاً على مسألة حكومة الوحدة الوطنية التي اقترحت اتفاقية جنيف تشكيلها؟
{ كل القوى تتحدث عن حكومة، ولكن تغفل الحديث عن المرحلة الانتقالية. لا يمكن البدء بمرحلة انتقالية من دون وقف العنف والقتل والتدمير واستبعاد كل من تلوثت أيديهم بالدماء. ومن المهم أن تكون هذه الحكومة تتمتع بكامل عمل السلطة التنفيذية، بحكم أن الدستور السوري يعطي الصلاحيات بالمطلق لرئيس الجمهورية ومجلس الشعب، وبالتالي لابد لهذه الحكومة أن تنال الصلاحيات التنفيذية كاملة، وان تؤسس لمرحلة النظام البرلماني التعددي وفق رؤية هيئة التنسيق، ولا معنى لأي حديث غير ذلك، بل لا معنى لطرح الحكومة قبل توضيح أرضية العمل الانتقالي.
^ هل أنتم متفائلون بمهمة المبعوث الدولي إلى سوريا الأخضر الإبراهيمي؟
{ لا نقطع الأمل بأي خط سياسي، ولكن لا فائدة من الخطط المطروحة ما لم يكن هناك توافق دولي وإقليمي وداخلي، وبطبيعة الحال سنتعامل مع مهمة الإبراهيمي، ولكن ما زلنا نرى ضرورة الدعم الدولي أولا، والتوافق بين مختلف القوى الكبرى، وبرنامج محدد وزمني، على ألا تبقى مجرد مهلة مفتوحة. ولا بد من الخروج من المهل وإضاعة الوقت والبحث عن المخارج الحقيقية، مع الإشارة إلى أن أطرافا دولية وإقليمية قادرة على إقناع النظام بالتعاطي بايجابية، مثل روسيا والصين وإيران، ولكن كلام الروس مؤخرا يعطي إشارات أنهم غير جديين، حتى الآن، للضغط على النظام من اجل وقف العنف. ونشعر أن التقدم جزئي ومحدود، ربما بانتظار الانتخابات الأميركية، وربما لإنهاك الشعب والدولة والمؤسسات السورية، من اجل القبول بأي حل.

طارق العبد

نشر في السفير

التصنيفات : المقالات

الكاتب:syr2015

صوت المعارضة السورية الصادق

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

%d مدونون معجبون بهذه: