إنقاذ سورية ممكن من خلال السير في طريق التسوية

 

إن الخيار الذي يواجه العالم اليوم ليس بين نظام الأسد والمعارضة، وإنما بين نوعين من المعارضة،

تشارلز غلاس – صحيفة الغارديان – 29 تموز/يوليو 2012. 

 منقولة من صفحة الحراك السلمي السوري

في الأسبوع الماضي، أصدرت أطياف المعارضة السورية نداءين متناقضين للمجتمع الدولي. في يوم السبت، 28 تموز/يوليو، طالب المجلس الوطني السوري على لسان رئيسه عبد الباسط سيدا خلال مؤتمر صحفي في أبو ظبي المجتمع الدولي بتوفير أسلحة جديدة ذات قدرات أكبر للثوار الذين يقاتلون ضد نظام بشار الأسد. وأضاف “نحتاج أسلحة تستطيع إيقاف الدبابات والمقاتلات النفاثة”. قبل يومين فقط من ذلك، وفي مقر جماعة سانتي جيديو في روما، طالب ممثلو عشر جهات معارضة العالمَ بمساعدة سوريا بطريقة أخرى: إجبار الطرفين على التوصل إلى حل سلمي للصراع. وخلص البيان المشترك لهذه الجهات إلى ما يلي: “نرفض أن تتحول سورية إلى ساحة للصراعات الدولية والإقليمية، ونعتقد أن المجتمع الدولي يتمتع بالقوة والقدرة اللازمتين لتحقيق توافق دولي يؤسس لمخرج سياسي من الأوضاع المأساوية الراهنة”. إن الخيار الذي يواجه العالم اليوم ليس بين نظام الأسد والمعارضة، وإنما بين نوعين من المعارضة، واحدة تعمل لحشد التدخل العسكري الدولي لإسقاط النظام، وأخرى تسعى للتغيير من خلال العصيان المدني والحوار، وترفض التدخل العسكري من قبل القوى الأجنبية التي سبق عداؤها لسورية اكتشافَها للمشكلات التي يعاني منها هذا البلد.

ولد هذا الصراع على أثر تمرد سلمي تطور فيما بعد إلى ثورة شعبية، حيث دفع القمع العنيف للمتظاهرين العزل بعضَ المعارضين إلى حمل السلاح دفاعاً عن حق التظاهر وطلباً في التغيير. كان المسلحون أقلية بين معارضين انتفضوا ضد انتهاك بلادهم، إلا أن المقاومة المسلحة سرعان ما اكتسبت زخمها نتيجة لقوة المسلحين والدعم الدولي الذي حصلوا عليه جراء اختيارهم للبندقية في مقابل الشعارات والرايات.

هيمن دعاة الحل العسكري على الساحة من طرف النظام والمعارضة فيما تزايدت أعداد الضحايا. في النهاية لم يصمد المركز، وسرعان ما امتدت المعارك إلى بقية أنحاء البلاد بعد أن كانت تقتصر على المناطق الحدودية وتحصل على دعمها من تركيا والأردن ولبنان. في الأسابيع الثلاثة الماضية، تحولت مدينتا دمشق وحلب إلى مسرح حقيقي لمواجهة دامية، بعد أن كان غالبية سكان المدينتين يدعمون النظام أو يعارضونه دون اللجوء إلى السلاح.

بدأ الثوار المسلحون بمحاولة احتلال أحياء دمشق بنصيحة من ضباط مخابرات الدول الغربية العاملة في لبنان وتركيا، وجاء رد النظام سريعاً فوظف كل ما في جعبته من أسلحة لطردهم واستعادة تلك المناطق. الهدف التالي ضمن استراتيجية المقاومة المسلحة كان مدينة حلب حيث تكرر الأمر ذاته: تحصن الثوار في الضواحي التي لاذ سكانها بالفرار، فرد النظام بمدرعاته ومشاته وسلاحه الجوي “لاستعادة” هذه المناطق. أثناء ذلك، قدرت الأمم المتحدة أن ما لا يقل عن 150 ألفاً من السوريين فروا من البلاد، فيما تصاعدت أعداد الضحايا إلى قرابة 20 ألفاً من الجانبين. معظم الضحايا الذين علقوا وسط هذا الصراع كانوا يلعنون الطرفين.

كيف بلغت سورية هذه الحالة؟ وإلى أين يتجه هذا البلد؟ لا يملك أي من الطرفين حق ادعاء الشرعية بغياب انتخابات تأتي بتفويض شعبي. لم يصوت أحد في انتخابات نزيهة لاختيار بشار الأسد الذي ورث عباءة والده كما لو كانت سوريا دولة ملكية، كما لم يصوت أحد لصالح ميليشيات الجيش السوري الحر والمجلس الوطني السوري.

هناك حروب، وهناك أيضاً حروب أهلية. قبل انسحاب منظمة الصليب الأحمر من سوريا الأسبوع الماضي أعلنت أن ما يحدث في سورية هو حرب أهلية، وهو ما يعني ضمنياً بأنه لم يعد هناك ثورة بل صراع على السلطة بين فصائل متناحرة. لا يعترف كل من الجيش السوري الحر والحكومة بشرعية أحدهما الآخر وكلاهما يرفضان الحوار، فيما يواصل “الداعمون” الخارجيون (روسيا وإيران والعراق الذين يدعمون النظام، ثم تركيا والمملكة العربية السعودية وقطر والولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا الذين يدعمون المعارضة) تعزيز هذه القطيعة.

بالنسبة للغرباء الذين لن تكون بلادهم رقعة الشطرنج التي تلعب فوقها هذه اللعبة، تملك الحرب رأسمال سياسي أكثر مما يملكه طريق التفاوض والتسوية الأكثر حكمة. لكننا نتساءل: أي الطريقين أكثر قدرة على حماية سورية وحماية علمانيتها واقتصادها والروابط السليمة بين طوائفها؟ أهي الحرب الأهلية، كما في حالة إسبانيا ولبنان ويوغوسلافيا؟ أم أسلوب نيلسون مانديلا في صراعه ضد سياسة الفصل العنصري؟ لقد انتهت الحرب في ايرلندا الشمالية فقط بعد أن استطاعت الحكومة البريطانية والجيش الجمهوري الايرلندي ابتلاع كبريائهما ورغبتهما في النصر، من أجل بلوغ حالة من التفاوض الجدي لإنهاء الصراع.

النظام يقول بأن الثوار المسلحين يتلقون دعم الدول الأجنبية وصناديق الأسلحة والعتاد، بينما تقول المعارضة بأن يدي النظام ملطختان بدماء السوريين. إذن مع من سيتحاور الطرفان إن لم يكن مع بعضها البعض؟ كلاهما يدعي بأنه سوري ويقاتل من أجل سورية، إذن أثبتوا ذلك فعلاً: فلتجبر روسيا الأسد على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، ولتعمل الولايات المتحدة وحلفاؤها الشيء ذاته مع المعارضة. هل هذه الطريق حقاً أقل واقعية وفائدة لسورية من طريق الحرب الشاملة؟

استمعوا، للحظة واحدة على الأقل، إلى أولئك الذين وقعوا على بيان روما، بمن فيهم المعارض ميشيل كيلو من الجبهة الديمقراطية، وهو كاتب محترم من شمال سوريا جرب حظه في سجون الأسد الأب لأول مرة قبل 30 عاماً. عندما عاد كيلو من المنفى بعد سنوات ألقي مرة أخرى في السجون، ومع ذلك فهو يتمسك باللاعنف ويعتبر بأنه كفيل بإنقاذ حلب وغيرها من المدن من الدمار. معارض آخر وهو رياض ضرار من التيار الإسلامي الديمقراطي، قضى خمس سنوات في سجون الأسد بتهمة “بث النزعات الطائفية”، و”نشر أخبار كاذبة” لكن ذلك لم يدفعه للجوء إلى العنف. يملك هؤلاء وبقية الموقعين على بيان روما مصداقية بين السوريين الذين يدركون مساوئ وعيوب النظام والثوار المسلحين على حد سواء. جملة واحدة في بيان روما تلقى صدى بالنسبة للسوريين الذين طردوا من منازلهم أو الذين شهدوا مقتل أحبتهم على طرفي الصراع: “يحتجز الحل العسكري الشعب السوري رهينة دون حل سياسي يحقق مطالبه”.

للاطلاع على اعلان روما اضغط هنا

———————————

المقال الأصلي:

Syria can be preserved by the subtle route of compromise

http://www.guardian.co.uk/commentisfree/2012/jul/29/syria-route-of-compromise

 

التصنيفات : المقالات, الأخبـــــار

One Comment في “إنقاذ سورية ممكن من خلال السير في طريق التسوية”

  1. Mohamad Ali
    2012/08/30 في 18:16 #

    الحوار أفضل طريقة لإخراج سوريا من الوضع الدموي الراهن لكن دعونا نسأل انفسنا هل الأسد سيترك السلطة أو العائلة الحاكمة سترضى بذلك ؟
    بالطبع لا فنتائج الحوار ستكون على النحو التالي وباختصار شديد :
    النظام سيعطي المعارضة الحكومة وهو سيترك الجيش والأمن تحت أمرته…….
    فالحل هو الحرب ثم الحرب ثم الحرب ….
    وانا لااتكلم من الخارج أنا من ريف دمشق وأقسم بالله أن القذائف تتهاطل على مدينتي أثناء كتابة هذا الرد ….

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

%d مدونون معجبون بهذه: