على أمريكا تغيير سياستها في سوريا

نشرت وكالة رويترز للآنباء مقال استقصائي عن حال المعارضة المسلحة في سوريا موردةً فيه بعض تعليقات لشخصية معارضة من المجلس الوطني الممول خليجياً وغربياً, موقع هيئة التنسيق الوطنية تقوم بنشره هنا لما رأينا فيه من اهمية للاطلاع على الوضع الميداني أولاً والوضع الدولي ثانياً.

ديفيد رود – رويترز 

وسط التقارير اليومية الواردة من سوريا عن احتدام الاشتباكات وتساقط القتلى تبرز رسالة ماكرة مفادها ان أمريكا بعيدة عما يجري هناك. داخل سوريا يشكو مقاتلو المعارضة من أن الولايات المتحدة لا تبذل جهدا يذكر لمساعدتهم وفقا لتقارير مراسلي رويترز ونيويورك تايمز وفورين افيرز. وفي المقابل تزيد الأموال والأسلحة التي ترد من قطر والسعودية من رسوخ أقدام الجهاديين. أما المراقبون الدوليون فإنهم يرون أن واشنطن غير مهمة.

وقال بيتر هارلينج محلل الشؤون السورية بالمجموعة الدولية لمعالجة الأزمات “هذه الإدارة كانت فعليا منفصلة عن الواقع وانغمست في جدل عقيم بشأن ما يجب أن تقوله وما يجب أن تفعله.” وأضاف قائلا “على وجه العموم فيما يتعلق بالربيع العربي أعتقد أن هذه الإدارة أمضت وقتا طويلا في محاولة تحليل الأحداث بدلا من تشكيلها.”

هذه التعليقات قد تسعد الكثير من الامريكيين وموظفي البيت الابيض خاصة وأن الأمريكيين -بعد حربي العراق وافغانستان- لا يريدون اكثر من الخروج من الشرق الأوسط. ومن بين وعود الرئيس الامريكي باراك اوباما الأساسية للناخبين هذا العام إنتشال الولايات المتحدة مما تورطت فيه من صراعات خارجية لا الزج بها في ورطة جديدة.ومع ذلك إلا ان هناك أساليب أخرى لدعم المعارضة السورية دون اللجوء للتدخل العسكري. ومن بين المآسي الكثيرة لغزو العراق وافغانستان اضطراب رؤيتنا بشأن كيفية تأثيرنا على المنطقة.

وتمثل الجهود الأمريكية لتزويد المعارضة السورية بمساعدات غير فتاكة انعكاسا لتلك الحالة الغريبة في تاريخ الولايات المتحدة والشرق الأوسط. إذ يعتقد كثير من السوريين أن واشنطن لا تزال بنفس القوة وتستطيع بسهولة الاطاحة بنظام الرئيس بشار الأسد في حين يتشكك الأمريكيون في قدرة بلادهم على أن تؤدي مهمة بشكل جيد خارج حدودها ويدعون الى التركيز على الشأن الداخلي.

وتوفر الإدارة الأمريكية مساعدات انسانية قيمتها 82 مليون دولار للاجئين السوريين و25 مليون دولار من المساعدات غير الفتاكة للمعارضة السورية. لكن خوف الادارة من وصول المساعدات حتى غير الفتاكة الى الأيدي الخطأ أوجد نظاما معقدا قلل من فعاليتها وأبطأ من وصولها وأحبط افضل حلفائنا المحتملين في سوريا وهم العلمانيون في صفوف المعارضة السورية.

وفي تقرير نشرته صحيفة واشنطن بوست يوم الاثنين ومقابلات نشرت هذا الاسبوع سخر بعض قادة المعارضة السورية من مزاعم مسؤولي وزارة الخارجية الأمريكية بأن واشنطن أمدتهم بنحو 900 هاتف يعمل عبر الأقمار الصناعية. ويمكن استخدام الهواتف التي يبلغ سعر الواحد منها الف دولار في الاتصالات بين مقاتلي المعارضة ولنقل صور الأعمال الوحشية التي ترتكبها القوات الحكومية الى العالم الخارجي.

وقال عضو بالمجلس الوطني السوري المعارض طلب عدم نشر اسمه في مقابلة عبر الهاتف يوم الخميس “في كل مكان نذهب اليه لا يستطيع أحد تحديد اين توجد هذه الهواتف… من المؤكد أنها لا تصل الى أيدينا.”

وقال مسؤولون امريكيون إن هذه الهواتف ومساعدات أخرى تم توزيعها دون إطلاع أعضاء المعارضة السورية على التفاصيل. وفي صراعات سابقة خلص مسؤولون أمريكيون الى أن تزويد جماعات المعارضة بمساعدات أمريكية علنا يعرضها للخطر ويقوض شرعيتها بين السكان ويثير عداءات بين الجماعات.

ونتيجة لذلك يدرك المسؤولون الأمريكيون ان الولايات المتحدة لن تحصل على أي تقدير لما تقدمه من مساعدات بل ان الكثيرين في الشرق الأوسط مازالوا ساخطين على اي دور امريكي بالمنطقة. وحتى المساعدات المعلنة يتم توزيعها بإحكام. ففي محاولة للسيطرة على توزيع الهواتف الي تعمل بالأقمار الصناعية قالت صحيفة واشنطن بوست إن وزارة الخارجية الامريكية والحكومة البريطانية استعانتا بمؤسسة بريطانية لا تهدف للربح لاختيار وتدريب اعضاء المعارضة قبل منحهم الاجهزة.

ويأمل المسؤولون الأمريكيون أن يدرب البرنامج الأمريكي المعروف بمكتب دعم المعارضة السورية نشطاء سوريين على كيفية حكم سوريا بعد رحيل الأسد. والهدف من ذلك هو ضمان وجود مجموعة من العلمانيين السوريين المعتدلين الذين يستطيعون صد اي تأثير للجهاديين في سوريا بعد الأسد.

ويقول أعضاء المعارضة السورية الذين يقاتلون نظام الأسد منذ 18 شهرا إنهم ليسوا بحاجة الى هذا النوع من التدريب وإن هذا النهج أبطأ من انتشارهم بصورة كبيرة. كما عبروا عن استيائهم من سعي واشنطن الى أن يكون لها تأثير في سوريا ما بعد الأسد بعد أن ظلت غير راغبة في دعم المعارضة علنا. وقال العضو بالمجلس الوطني السوري “اذا لم تشارك في الثورة لإسقاط نظام الأسد أجد من الصعب جدا الحديث معك عن سوريا ما بعد الأسد.”

وعبر مقاتلون داخل سوريا عن نفس الشعور. قال مايكل ويس الذي كان يغطي اخبار الصراع من داخل سوريا لحساب مجلة فورين افيرز في اوائل اغسطس آب إن المقاتلين أشادوا بتركيا وليبيا ودول أخرى أرسلت مساعدات ليست من بينها الولايات المتحدة. وعبر المقاتلون عن ضيقهم من ميل واشنطن لرؤية جميع المسلمين باعتبارهم أصوليين محتملين.

هذا بالضبط ما قاله ابو بكر أحد قادة المعارضة السورية لمراسلة رويترز اريكا سولومون عندما أجرت معه مقابلة اوائل اغسطس. قال أبو بكر إنه مسلم متدين مصمم على الإطاحة بالأسد لكنه يشعر بالقلق من الأعداد المتزايدة من المتطرفين الذين انضموا الى مقاتلي المعارضة في الأشهر القليلة الماضية من العراق والسعودية والكويت وليبيا وشرق اوروبا وحتى المنطقة الحدودية بين افغانستان وباكستان.

وتابع أبو بكر قائلا “دعيني أكون واضحا. انا مقاتل اسلامي والآخرون مقاتلون إسلاميون. لكن هناك اكثر من نوع من الإسلاميين. هؤلاء الوافدون الذين قاتلوا في اماكن مثل العراق شديدو التطرف ويريدون نسف اي رمز للدولة حتى المدارس.”

وقال هو ومقاتلون آخرون إنهم ممتنون لدعم الجهاديين لكنهم يشعرون بالقلق من أنه حين تنتهي الحرب قد يكون للجهاديين أهداف مختلفة عن أغلب السوريين. وقال ابو بكر “هدفنا هو أن نصنع مستقبلا جديدا لا أن ندمر كل شيء.”

ولا شك ان ابو بكر هو من تلك الفئة من السوريين المعتدلين الذين يجب أن نساندهم ونثق بهم. واذا كانت الولايات المتحدة بصدد دعم المعارضة السورية بمساعدات غير فتاكة فإن عليها أن تفعل هذا بشكل معلن لأن نهج إدارة أوباما الحذر يقلص من أثر المساعدات ويخفي الدعم الأمريكي للربيع العربي الذي يشيد به معظم العرب.

هذا الأسلوب الذي تمارسه الولايات المتحدة في سوريا يذكرني ببرامج المساعدات المدنية الأمريكية التي تستهدف دعم المعتدلين في افغانستان والعراق وباكستان حيث كانت آثارها محدودة نتيجة السيطرة الامريكية المحكمة على المشاريع وعدم وجود مشاركة محلية فعالة بها.

يجب أن نتبنى المعتدلين السوريين وأن نعلن صراحة أنهم حلفاؤنا. وبالنسبة للمساعدات العسكرية وما إذا كان يتعين علينا إمدادهم بها ام لا فهذه قضية أخرى. لكن اذا كنا سنمدهم بمساعدات غير فتاكة علينا أن نفعل ذلك بحماس. لا يمكن أن نقول في السر إن امريكا تقف وراءكم.

(ديفيد رود كاتب مقال في رويترز والآراء الواردة هي آراؤه الشخصية)

(إعداد دينا عادل للنشرة العربية  من رويترز- تحرير أحمد حسن)

التصنيفات : المقالات

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقا بدون أية روابط

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

%d مدونون معجبون بهذه: